تقترب سوريا من طي ملف البرنامج النووي الموروث عن النظام البائد، عبر مسار وطني طوعي يقوم على الشفافية والتعاون الفني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يمهد لإنهاء حالة عدم الامتثال والانتقال إلى مرحلة جديدة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وتشكل زيارة المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إلى سوريا محطة متقدمة في هذا المسار، الذي بدأته دمشق منذ كانون الثاني 2025، وتعاملت خلاله مع إرث المواد النووية السابقة، باعتباره ملفاً وطنياً يحتاج إلى معالجة فنية وقانونية، مع الحفاظ على سيادة الدولة.
من إرث بقايا المواد النووية إلى مسار المعالجة

منذ 8 كانون الأول 2024، اتجهت الدولة السورية الجديدة إلى معالجة الملفات الموروثة من خلال التعاون مع الجهات الدولية المختصة، وكان الملف النووي في مقدمة القضايا التي شهدت تحولاً في النهج، مع إعلان سوريا طوعاً عن موقع ومواد نووية لم تكن معلنة سابقاً، ودعوة فرق الوكالة إلى المعاينة والتحقق ميدانياً.
ويتركز الملف بصورة رئيسة على عنصرين ارتبطا بقرار عدم امتثال سوريا لاتفاق الضمانات عام 2011، هما موقع “الكبر” في ريف دير الزور، ومواد نووية مرتبطة بإرث البرنامج السابق.
ويعود ملف “الكبر” إلى منشأة أنشأها النظام البائد كمفاعل نووي غير معلن للوكالة، قبل أن تقصفها إسرائيل عام 2007، وبعد سنوات، خلصت تقارير دولية إلى ارتباط المنشأة بمفاعل لإنتاج البلوتونيوم، ما شكل أحد أسس قضية عدم الامتثال.
كما نقل النظام البائد مواد نووية بين مواقع عدة داخل البلاد، وكان آخر نقل معروف عام 2013، قبل أن يبقى الملف مجمداً لسنوات.
19 شهراً من التعاون الفني
منذ أول اتصال بين الحكومة السورية وغروسي في كانون الثاني 2025، تطور التعاون تدريجياً عبر محطات فنية وسياسية متتالية.
ففي نيسان 2025، زار فريق تقني من الوكالة سوريا وأجرى تقييماً لمستشفى البيروني وخدمات المعالجة الشعاعية، بينما شهد حزيران زيارة غروسي إلى دمشق وأخذ عينات من مواقع ذات صلة، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم في مجالي الصحة والزراعة.
وفي أيلول 2025، وثق تقرير للمدير العام للوكالة التقدم المحرز، قبل أن تبدأ في تشرين الأول مباحثات بشأن تحويل قلب مفاعل نووي من اليورانيوم عالي التخصيب إلى منخفض التخصيب، ضمن منحة أمريكية.
ومع اكتشاف هيئة الطاقة الذرية السورية، في آذار 2026، مواد نووية مشتبه بها في مواقع عسكرية وغير عسكرية، انتقل التعاون إلى معالجة مباشرة لإرث البرنامج السابق.
وفي نيسان، زار نائب المدير العام للوكالة دمشق، ومنحت سوريا أربعة مفتشين دوليين تأشيرات استثنائية متعددة الدخول لمدة ستة أشهر، بالتوازي مع إعداد خريطة طريق للتعاون، وفي أيار، أنجزت هيئة الطاقة الذرية تقييماً هندسياً وخطة للتنقيب في موقع دير الزور، تلاها في حزيران اتفاق إطاري في فيينا وآلية تمويل من الوكالة لدعم أعمال التنقيب.
وفي 14 تموز، زار غروسي دمشق، ثم وجهت سوريا في 17 تموز رسالة رسمية إلى الوكالة أعلنت فيها طوعاً عن الموقع والمواد غير المعلنة سابقاً، ودعت إلى المعاينة والتحقق منها. وفي 23 تموز، وقع الجانب السوري اتفاق التنقيب في موقع دير الزور.
وتأتي زيارة غروسي يومي 17 و18 آب في هذا السياق، في خطوة تعكس انتقال الملف من مرحلة التبادل الفني إلى المعالجة الميدانية المباشرة.
أيلول.. محطة مرتقبة لإغلاق ملف عدم الامتثال
تتجاوز أهمية هذا المسار إنهاء ملف قانوني موروث، إذ تستهدف سوريا إعادة إدماجها بصورة طبيعية في منظومة التعاون النووي السلمي الدولي.
وتشكل دورة مجلس محافظي الوكالة المقررة في أيلول 2026 محطة رئيسية في هذا الاتجاه، إذ يتوقع أن يطلع المجلس، من خلال تقرير المدير العام، على التقدم الذي تحقق خلال نحو 19 شهراً من التعاون.
وتعمل سوريا على إنهاء ملف عدم الامتثال وتثبيت امتثالها الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بما يفتح المجال أمام توسيع التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ولا سيما في مجالات الكهرباء والطب والغذاء وإعادة الإعمار.
وبذلك، ينتقل التعامل السوري مع إرث المواد النووية السابقة من ملف مجمد وموروث إلى مسار مؤسسي تشارك فيه الجهات الوطنية والوكالة الدولية، بما يتيح معالجة ما تبقى من الملف فنياً وقانونياً، ويفتح أمام سوريا صفحة جديدة في التعاون النووي السلمي.
أسرة التحرير








