في السياسة الدولية، تتحول بعض المواقع الجغرافية إلى وثائق سياسية، ودير الزور واحدة منها؛ فالموقع الذي ظل لسنوات محاطاً بالسرية والشكوك، استقبل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي هذه المرة بحضور السلطات السورية، بينما كانت أعمال الحفر والتحقق تجري وفق ترتيبات متفق عليها مع الوكالة.
فسوريا الجديدة ورثت ملفاً نووياً ثقيلاً عن نظام بائد، وظلت تداعياته حاضرة في علاقة البلاد بالمجتمع الدولي، وعندما قررت دمشق فتح الموقع أمام الوكالة، لم تكن تتعامل مع مسألة تقنية منفصلة عن سياقها السياسي، وإنما كانت تعيد رسم طريقة التعامل مع إرث طالما ارتبط بالشك وعدم الثقة، لذلك تبدو الجولة الميدانية لغروسي في دير الزور جزءاً من تحول أوسع في علاقة سوريا بالمؤسسات الدولية، عنوانه أن الملفات الموروثة ستعالج عبر القانون والتحقق والشفافية.
وتبرز هنا قيمة القرار السوري بالإفصاح عن وجود مواد نووية في موقع لم يكن معلناً في 17 تموز الماضي، ثم دعوة الوكالة للوصول إليه، فالقرار لم يكتف بإزالة جانب من الغموض المحيط بالملف، وإنما وضع المعلومات في مسار يمكن التحقق منه، ومع وصول غروسي وبدء أعمال التفتيش والحفر، أصبحت المواد موضع جرد وقياس وحساب، تمهيداً لإخضاعها للضمانات الدولية، وبهذا انتقلت القضية من مساحة تتداخل فيها المعلومات والشكوك إلى مساحة تحكمها إجراءات فنية وقواعد قانونية تستطيع الوكالة أن ترفع نتائجها إلى مجلس المحافظين.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة الإرث الذي تحاول سوريا معالجته، فالملف النووي لم يكن مجرد مواقع ومواد تحتاج إلى التحقق، وإنما ارتبط على مدى سنوات بصورة سياسية تشكلت حولها مستويات واسعة من عدم الثقة.
وفي مثل هذه الملفات، لا ينتج الغموض فراغاً، وإنما تملؤه التقديرات والاتهامات والسيناريوهات، وقد تتحول كل معلومة ناقصة إلى مدخل لضغوط جديدة، لذلك فإن وضع المعلومات تحت مظلة اتفاق الضمانات يغير طبيعة المشكلة نفسها، لأن الوقائع تصبح قابلة للفحص والتدقيق، والنتائج تصبح قابلة للحكم عليها وفق معايير محددة.
ولعل غروسي التقط هذه النقطة حين وصف القرار السوري بأنه “شجاع”، وتحدث عن “إشارة شفافية هائلة”، فبالنسبة إلى الوكالة، لا تنفصل فعالية التحقق عن البيئة السياسية التي تجري فيها أعمالها؛ كلما اتسع الوصول إلى المواقع والمعلومات، ازدادت قدرة الوكالة على بناء تقييم يستند إلى أدلة مباشرة، وهو ما يمنح تقريرها المرتقب أمام مجلس المحافظين وزناً أكبر في تحديد مصير المسائل العالقة.
ومن هنا تتضح العلاقة بين الشفافية والسيادة التي تحاول دمشق تثبيتها في هذه المرحلة، فالتعاون مع الوكالة لا يعني التخلي عن الحقوق السورية، كما أن ممارسة السيادة لا تعني إغلاق المواقع أمام التحقق الدولي، المعادلة التي تطرحها سوريا أكثر تحديداً: الدولة تحتفظ بمسؤوليتها عن المواد الموجودة على أراضيها، وتقرر مصيرها وفق القانون، وفي الوقت نفسه تتيح للوكالة معرفة مكانها وكمياتها ومسارها، وتلتزم بما يفرضه اتفاق الضمانات.
وهذا تحديداً ما يعطي مسألة إنهاء ملف عدم الامتثال الموروث منذ عام 2011 أهمية تتجاوز الجانب الإجرائي، فإغلاق الملف بعد استكمال التحقق، يعني أن التوصيف القانوني للعلاقة بين سوريا والوكالة سيستند إلى واقع جديد والتزامات تنفذها الدولة السورية الحالية، ولذلك تراهن دمشق على أن يعكس تقرير غروسي حجم التعاون الذي تحقق، وأن تتوج دورة مجلس المحافظين المقبلة هذا المسار بقرار ينهي المسائل العالقة.
لكن قيمة الخطوة لا تتوقف عند إغلاق ملف قديم، فسوريا تريد أن تستخدم استعادة الثقة الدولية أساساً لتوسيع التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وهو ما يفسر الحديث المتزامن عن مجالات الطاقة والصحة والزراعة والغذاء وإدارة المياه والبحث العلمي، هنا تأخذ الزيارة معناها الأوسع؛ فالوكالة التي حضرت إلى سوريا للتحقق من إرث نووي موروث يمكن أن تصبح شريكاً في بناء قدرات علمية وتنموية تحتاجها البلاد.
لهذا تبدو زيارة غروسي لحظة اختبار متبادل نحو معالجة أكثر ملفات إرث النظام البائد حساسية عبر الشفافية وتحمل المسؤولية والالتزام بالقانون الدولي، وإذا اكتمل هذا المسار بتسوية مسائل الضمانات العالقة، فإن سوريا لن تكون قد أغلقت ملفاً عمره خمسة عشر عاماً فحسب؛ بل ستكون قد أزالت إحدى عقد علاقتها بالمجتمع الدولي، وفتحت لنفسها مجالاً للمطالبة بحقوقها كاملة في التكنولوجيا النووية السلمية ضمن القواعد الدولية التي التزمت بها.
أسرة التحرير








