المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الكسب غير المشروع في سوريا.. كيف تتتبع اللجنة الأموال وتستردها؟

‫شارك على:‬
20

في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى معالجة إرث اقتصادي ثقيل خلّفه النظام البائد، يبرز ملف الكسب غير المشروع واسترداد الأموال والأصول كأحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، لكونه يتقاطع مع حقوق الدولة، واستقلال القضاء، وحماية الملكية، واستعادة الأموال داخل سوريا وخارجها.

في هذا الحوار مع المهندس باسل حافظ السويدان، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، نناقش منهجية عمل اللجنة في تتبع الأموال والأصول، وآليات التعامل مع الثروات المختلطة والمستفيد الحقيقي والأصول المنقولة إلى الخارج، وحدود الإفصاح الطوعي، وحماية الغير حسن النية، وصولاً إلى السؤال الأهم: كيف يمكن استرداد حقوق السوريين ضمن إطار يحكمه القانون والمؤسسات؟

كيف تقرر اللجنة وجود كسب غير مشروع لدى الشخص؟

لا تبدأ اللجنة من الاسم منفرداً، وإنما من شبكة العلاقات المالية والاقتصادية التي أحاطت بنواة النظام البائد.

لقد طورنا، بالاستناد إلى المعلومات والبيانات التي تصلنا من المؤسسات المالية السورية وأجهزة إنفاذ القانون، شبكة تساعدنا على فهم العلاقات بين نواة النظام والمتعاونين معها وأدواتها الاقتصادية والأشخاص والكيانات المرتبطين بها، وكيف كانت تنتقل الأموال والمنافع والامتيازات عبر هذه الشبكات.

ونستفيد كذلك من لوائح العقوبات الدولية، ومن الأرشيف المتراكم خلال سنوات الثورة، ومن ذاكرة المواطن السوري وبلاغاته وشهاداته حول من ظلمه أو ابتزه أو حاصره أو استغل حاجته، ومن شارك في منظومات أفقرت السوريين واستنزفت ثروات البلاد.

ولدينا نظام رقمي مدعوم بأدوات الذكاء الاصطناعي يساعد فرق اللجنة في ربط هذا الحجم الكبير من المعلومات واكتشاف العلاقات والأنماط التي تستدعي الدراسة.

لكن وجود اسم ضمن هذه الشبكة لا يعني ثبوت الكسب غير المشروع، فالشبكة تقودنا إلى الملف، والتحقيق هو الذي يحدد مساره، عندها تبدأ دراسة الأموال والأصول ومصادرها والعلاقات المرتبطة بها، وتُبنى الإجراءات اللاحقة على ما يصل إليه التحقيق من أدلة وقرائن.

ماذا يحدث عندما تكون الثروة مختلطة؟ إذا امتلك شخص ثروة جزء منها مشروع ومثبت المصدر، وجزء آخر حوله شبهات كسب غير مشروع، كيف تفصل اللجنة بين الاثنين؟ وهل يمكن أن يتأثر المال المشروع بالإجراءات المتخذة؟

الأصل لدينا واضح: اللجنة تلاحق الأموال المتحصلة من الكسب غير المشروع.

فإذا ثبت أن جزءاً من الثروة ناتج عن إرث، أو عمل مشروع، أو أي مصدر مشروع مثبت، فلا يكون هذا الجزء موضع مساءلة لمجرد أن صاحبه أو صاحبتها يخضعان للدراسة.

لكن بعض الملفات أكثر تعقيداً، وخصوصاً عندما تكون أموال الكسب غير المشروع قد هُرّبت أو نُقلت إلى خارج البلاد، في مثل هذه الحالات قد يكون من الضروري اتخاذ تدابير تحفظية على الأموال والأصول المتاحة إلى حين استيفاء حق الدولة أو حسم الملف وفق الأصول.

كما أن هناك فرقاً في طبيعة الملفات، فنواة النظام والدائرة الأقرب إليها تخضع لتتبع واسع لأموالها وأصولها، بينما تدرس اللجنة أوضاع رجال وسيدات الأعمال المرتبطين بهذه الدوائر بحسب طبيعة العلاقة ومصدر الأموال، وقد ينتهي الملف إلى التحقيق أو الإفصاح الطوعي أو التسوية.

إذا انتقلت الأموال أو العقارات إلى أسماء أفراد من العائلة أو شركاء أو شركات أخرى قبل بدء التحقيق، إلى أي مدى تستطيع اللجنة تتبع سلسلة الملكية للوصول إلى المستفيد الحقيقي؟

بدء الاسم المسجل ليس دائماً هو نهاية التحقيق.

اللجنة تدرس انتقال الملكية والعلاقات بين الأشخاص والشركات، وتبحث عن المستفيد الحقيقي من المال أو الأصل، فالمال قد ينتقل إلى قريب أو شريك أو شركة، وقد تتغير صورته أكثر من مرة، لكن ذلك لا يلغي ضرورة معرفة مصدره ومن بقي مستفيداً منه.

ولا تعني القرابة أو الشراكة بحد ذاتها وجود كسب غير مشروع، ما يعنينا هو ما تكشفه الأدلة: مصدر المال، ومسار انتقاله، والعلاقة بين الأطراف، ومن يملك السيطرة أو المنفعة الفعلية من الأصل.

وهذه من الملفات التي تحتاج عملاً مالياً وقانونياً دقيقاً، ولذلك لا نكشف تفاصيل أدوات التتبع التي تستخدمها اللجنة.

ماذا عن الأموال الموجودة خارج سورية؟ وما الأدوات المتاحة للجنة لتتبعها وتجميدها واستردادها؟ وأين تنتهي صلاحيات اللجنة وتبدأ صلاحيات الجهات القضائية والدولية؟

لدينا هنا مساران:

في الملفات التي دخل أصحابها في تسويات مع اللجنة، فإن الأموال والأصول الموجودة خارج سورية التي شملتها التسوية تم استردادها لمصلحة الدولة وفق ما تقرر في كل ملف.

أما الملفات المتعلقة بنواة النظام والدوائر المرتبطة بها، ولا سيما من غادروا البلاد ونقلوا معهم أموالاً وأصولاً إلى الخارج، فلها مسار أكثر تعقيداً.

تعمل اللجنة على تحديد الأموال والأصول وبناء الملف المالي والقانوني اللازم لاستردادها، بالتعاون مع وزارتي الخارجية والعدل، والجهات المختصة في وزارة الداخلية، ومكتب الإنتربول السوري والقضاء.

وبحكم الطبيعة السيادية والحساسة لهذه الملفات، تقود وزارة الخارجية مسار التعاون والاسترداد الدولي، بينما تقدم اللجنة ما لديها من ملفات ومعطيات مالية وقانونية مرتبطة بالأصول المطلوب استردادها.

استرداد أصل موجود في دولة أخرى عملية قانونية ودبلوماسية معقدة، وتحتاج إلى تعاون عدة مؤسسات ودول، وليس إلى قرار داخلي من جهة واحدة.

الإفصاح الطوعي: أين ينتهي التسامح وتبدأ المساءلة؟ وكيف تميز اللجنة بين شخص يبادر إلى الإفصاح وشخص يحاول استخدام البرنامج لإخفاء جزء من أمواله؟

الإفصاح الطوعي ليس عفواً، ولا صك براءة.

من يتقدم إلى البرنامج يوقع ابتداءً على نماذج قانونية واضحة، ويلتزم بالإفصاح الكامل عن الأموال والأصول التي تدخل ضمن نطاق البرنامج، وتقوم اللجنة من جانبها بالتحقق من المعلومات بصورة مستقلة ومقارنتها بما لديها من بيانات وتحقيقات.

ومن الضمانات المهمة أن المتقدم أو المتقدمة يقرّان قانوناً بالتنازل عن أي أموال أو أصول مرتبطة بالكسب غير المشروع لم يتم الإفصاح عنها وتكتشفها اللجنة أثناء التحقيق أو بعده.

أما مرتكبو الجرائم الجسيمة، فلا تسوية لهم ضمن هذا المسار.

والقاعدة التي أعلناها مراراً واضحة: لجنة مكافحة الكسب غير المشروع لا تمنح أحداً صكاً للخروج من المسؤولية؛ التسوية تأتي بعد تحديد حق الدولة في الأموال التي اكتسبت بصورة غير مشروعة واستيفائه وفق الأصول.

هل يمكن أن يصبح الفساد أكثر ذكاءً من أدوات مكافحته؟ ومع استخدام الشركات المتعددة والملكية غير المباشرة والتحويلات المالية، هل أصبح تتبع المستفيد الحقيقي أصعب من السابق؟

بالتأكيد أصبحت الأدوات المالية أكثر تعقيداً، فالشركة الواحدة يمكن أن تكون جزءاً من سلسلة شركات، والملكية قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، والأموال تستطيع الانتقال بين أشخاص وكيانات ودول بسرعة كبيرة.

ولهذا لم يعد التحقيق المالي الحديث يستطيع الاعتماد على وثيقة منفردة أو سجل واحد.

اللجنة تبني قدرتها على ربط المعلومات المالية والقانونية، وتحليل شبكات العلاقات، والوصول إلى المستفيد الحقيقي، وتستخدم لذلك نظاماً رقمياً مدعوماً بأدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التعاون مع المؤسسات المالية وأجهزة إنفاذ القانون والجهات الرقابية.

المواجهة هنا بين شبكة وشبكة: شبكة استُخدمت سابقاً لإخفاء المال، ومنظومة مؤسساتية اليوم تعمل على كشف مساره واسترداده.

ماذا عن الطرف الثالث حسن النية؟ إذا انتقلت أصول مرتبطة بأموال غير مشروعة إلى أشخاص اشتروها بصورة قانونية ولا يعرفون مصدرها السابق، كيف تحمي اللجنة حقوق هؤلاء؟

هذه من أعقد الملفات التي نتعامل معها، وفيها مبدآن أساسيان: حماية حق الدولة والشعب السوري، واحترام حق الأطراف في اللجوء إلى القضاء.

اللجنة جهة تحقيق، وليست الجهة التي تصدر حكماً نهائياً في حسن نية المشتري من عدمها، فالقضاء هو صاحب الكلمة الأخيرة.

ولهذا نصحنا المشترين مراراً بالتدقيق قبل شراء الأصول، وطلب بيانات الملكية، ودفع الثمن بصورة نظامية وقابلة للتتبع داخل سوريا، وأن يكون الثمن متناسباً مع السعر الرائج للأصل، كل هذه عناصر تساعد المشتري أو المشترية في إثبات حقيقة الصفقة وحسن النية عند الحاجة.

وفي المقابل، هناك حالات تكشف فيها التحقيقات أن الأمر يتجاوز الشراء إلى المشاركة في إخفاء الأموال أو غسلها أو تهريبها، وهذه تحال إلى الجهات المختصة.

وأحياناً يكون السعر المتدني بصورة غير منطقية إشارة تستوجب التدقيق؛ فالاستفادة من أصل لمطلوب أو ملاحق بثمن بعيد عن قيمته الحقيقية قد تفتح أسئلة تتجاوز مجرد الشراء.

أما إذا كان انتقال الملكية قد تم بحكم قضائي، فنحن نحترم الحكم القضائي، وإذا ظهرت للجنة لاحقاً وقائع جوهرية لم تكن معروضة أمام القضاء عند إصدار الحكم، فإن هذه الوقائع تُعاد إلى القضاء المختص ليقول كلمته فيها.

وهناك تعاون كبير في هذا المجال مع وزارة العدل، والقضاء يبقى في النهاية صاحب الكلمة الأخيرة.

اللجنة تعالج ملفات نشأت في الماضي، لكن هل لها دور في تحديد الثغرات الاقتصادية والإدارية التي سمحت بتكوين هذه الثروات؟ وهل ترفع توصيات لمنع تكرارها؟

القانون السوري ليس جديداً على مكافحة الكسب غير المشروع، وهناك تشريعات سورية تناولت هذا الموضوع قبل إنشاء اللجنة.

أما نحن، فننفذ الولاية التي حددها لنا القرار الرئاسي رقم /13/ لعام 2025، ونعمل ضمن القواعد والمعايير التي تضمنتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضمت إليها سوريا، ومنها المادة /20/ المتعلقة بالإثراء غير المشروع.

ونتعاون مع الأجهزة الرقابية وجهات إنفاذ القانون، ونتبادل معها المعلومات والمعارف والخبرات التي تكشفها الملفات.

أما جوهر المهمة الحالية للجنة فهو واضح: معالجة الكسب غير المشروع المرتبط بفساد النظام البائد ونواته والدوائر التي ارتبطت بها، واسترداد حقوق الدولة والشعب السوري الناتجة عنه.

متى يستطيع المواطن معرفة نتيجة عمل اللجنة؟ وكيف توازنون

بين سرية التحقيق وحق المجتمع في معرفة ما تم استرداده وما أحيل إلى القضاء؟

هناك فرق بين حق المجتمع في معرفة النتائج وحقه في الاطلاع على التحقيق وهو لا يزال جارياً.

اللجنة تحافظ على سرية التحقيق وعلى خصوصية الأشخاص والشركات في أثناء دراسة ملفاتهم، ولهذا لا نعلن عن كل اسم يصل إلينا، ولا عن كل إجراء تحوطي نتخذه، وقد تنتهي بعض الدراسات إلى عدم ثبوت الشبهة، ومن واجبنا ألا نؤذي شخصاً أو مؤسسة لمجرد أن ملفاً خضع للتحقيق.

أما عندما يصل الملف إلى نتيجة، فهناك مسارات واضحة: ما يُحال إلى القضاء يصبح في مساره القضائي، وما ينتهي إلى تسوية تعلن اللجنة عنه بالقدر الذي تسمح به طبيعة الملف، وما يتم استرداده لمصلحة الدولة يوثق وفق الأصول.

وقد قلنا دائماً إن الأرقام الإجمالية للأموال والأصول المستردة يجب أن تعلن بصورة مؤسسية ومدققة، لا على شكل تقديرات إعلامية متغيرة مع كل ملف جديد.

سرية التحقيق تحمي العدالة في أثناء العمل، والشفافية تبدأ عندما تصبح هناك نتيجة قابلة للإعلان.

حاوره محمد راكان مصطفى