تشهد السوق السورية ظهور شركات تعلن عن بيع وشراء عملة USDT مقابل عمولة محدّدة، في وقت يثير فيه هذا النشاط أسئلة قانونية وتنظيمية حول طبيعته، وما إذا كانت التشريعات السورية الحالية تسمح بممارسته، أم إنه لا يزال خارج الإطار القانوني المنظّم، ولا سيما مع توسّع التعامل بالأصول الرقمية وظهور جهات تقدّم خدمات مرتبطة بها بصورة مباشرة للمتعاملين.
الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم قال لـ«الوطن»: إنه قبل الحديث عن القانون، لا بد من توضيح ما هي هذه العملة أصلاً، فالـUSDT، وتسمّى تيثر، هي عملة رقمية من نوع خاص يسمّى العملة المستقرة، والفرق بينها وبين البتكوين أن سعر البتكوين يصعد ويهبط بحرية، أما هذه فقيمتها مثبتة عند دولار واحد.
والذي يثبّتها ليس دولة ولا مصرفاً مركزياً، بل شركة خاصة تتعهد بأنها تحتفظ لديها بدولار حقيقي مقابل كل رمز تصدره، وتنتقل هذه العملة من شخص إلى آخر عبر ما يسمّى البلوكشين، وهو ببساطة سجل إلكتروني مفتوح يسجّل كل تحويل يجري بين محفظة وأخرى، من دون أن يمر عبر أي مصرف.

نشاط غير مرخص ولا ترخيص له أصلاً
ويشير عبد الكريم إلى أن هذا النشاط اليوم ليس فقط غير مرخص، بل لا يوجد ترخيص يمكن أن يحصل عليه أصلاً، وهذان أمران مختلفان، فالقاعدة في عالم المال أن أي نشاط تتوسط فيه بين الناس وأموالهم ممنوع حتى تحصل على إذن، عكس التجارة العادية حيث الأصل أنك حر ما لم يمنعك القانون.
وسوريا لا تملك حتى اليوم قانوناً ينظّم ما يسمى دولياً مزوّد خدمات الأصول الافتراضية، وهو الوصف الذي يطلق على كل من يبيع أو يشتري أو يحفظ أو ينقل عملات رقمية لحساب غيره ولا توجد جهة رسمية مخوّلة بمنح مثل هذا الترخيص.
وقد قال المصرف المركزي هذا بوضوح حين أعلن أنه لا ينظّم أي نشاط من هذا النوع، واعتبر عمليات البيع والشراء بهذه العملات باطلة قانوناً وكلمة باطل هنا ليست مجرد وصف، بل نتيجتها العملية أن من يخسر أمواله لا يوجد بيده عقد يستطيع أن يرفع به دعوى، لأن العقد الباطل في نظر القانون كأنه لم يوجد.
نصوص قديمة
لكن الخطر الحقيقي برأي عبد الكريم على هذه الشركاتّ لا يأتي من نص يتحدث عن العملات الرقمية، فهذا النص غير موجود، بل يأتي من نصوص قديمة كُتبت لغرض آخر تماماً وتنطبق عليها، فالمرسوم التشريعي 6 لعام 2024 عدّل قانون الصرافة رقم 24 لعام 2006، وجعل عقوبة من يمارس الصرافة أو ينقل الأموال بلا ترخيص السجن من 5 إلى 15 سنة، مع غرامة تعادل 3 أمثال المبلغ المضبوط.
ومن يشتري ويبيع للناس أداة قيمتها بالدولار، ثم يستلم أو يسلّم مقابلها ليرات نقداً أو حوالة، فهو يمارس عمل الصرّاف فعلياً مهما سمّى نفسه، لأن القاضي ينظر إلى حقيقة العمل لا إلى اسمه.
ويوجد نص ثانٍ هو المرسوم 5 لعام 2024، وهو يفرٍق بين أمرين مهمين: أن تحوز عملة أجنبية، فهذا غير مجرٔم ما دامت لم تأت من جريمة، وأن تستخدمها لتدفع بها ثمن سلعة أو ديناً داخل سوريا فهذا مجرّم، والتفريق ذاته ينطبق هنا، أن تمتلك USDT شيء، وأن تسدّد بها التزاماتك داخل البلد شيء آخر.
فراغ في تصنيف الأصول الرقمية
وتحت كل هذا توجد مشكلة أعمق من الترخيص، وهي أن القانون السوري لم يقرّر بعد ما هذا الشيء أصلاً فأي أصل مالي لكي تشرف عليه جهة رقابية، يجب أولاً أن يُصنّف: هل هو عملة، أم ورقة مالية كالسهم والسند، أم سلعة؟
والـUSDT ليست أيّاً من هذه الثلاثة في التشريع السوري، ليست عملة لأن حق إصدار العملة محصور بالمصرف المركزي، وليست ورقة مالية فلا تدخل تحت إشراف هيئة الأوراق والأسواق المالية، وليست سلعة لها سوق منظّم، ونتيجة هذا الفراغ أن الشركة لا يطلب منها التحقّق من هوية عملائها، ولا الإبلاغ عن أي عملية مشبوهة، ولا امتلاك حد أدنى من رأس المال، ولا الفصل بين أموال العملاء وأموالها الخاصة.
فارق سعر الصرف
ومع ذلك، فإن الظاهرة لم تظهر من فراغ، موضحاً أن السعر الرسمي للدولار اليوم عند 121.50 للشراء و122.50 للبيع، بينما السوق الموازية عند نحو 131، ويصل في الحسكة إلى 145 أي أن الفارق يقرب من 7 بالمئة في دمشق و19 بالمئة في الأطراف، وما دامت العمولة التي تأخذها الشركة أقل من هذا الفارق، يبقى التعامل معها مربحاً للزبون.
لذلك فالوصف الدقيق أن هذا نشاط ليس مباحاً وليس مجرّماً بنص خاص، بل يعمل خارج الإطار المنظّم، وعند أول ملاحقة تطبّق عليه نصوص الصرافة غير المرخصة، ويبقى زبائنه بلا حماية ولا تعويض.
الوساطة أم نشاط مالي؟
وفيما إذا كانت الشركة التي تتقاضى عمولة مقابل بيع وشراء USDT تمارس مجرد وساطة بين البائع والمشتري، أم إنها تمارس نشاطاً مالياً أو نشاطاً مرتبطاً بالأصول الافتراضية يستوجب ترخيصاً وإشرافاً من الجهات الرقابية، يوضح عبد الكريم أن الوساطة بالمعنى القانوني، وتسمى السمسرة، لها معنى محدد: أن تجمع بين شخصين ليتفقا مع بعضهما مباشرة، وتأخذ أجراً على التعريف بينهما، من دون أن تدخل أنت طرفاً في الاتفاق، ومن دون أن تمر الأموال أو البضاعة من يدك.
وهذا هو الاختبار البسيط الذي يفصل في الموضوع، فإذا استلمت الشركة الليرات من المشتري ثم أرسلت له الرمز من محفظتها هي، أو استلمت الرمز من البائع ثم سلّمته نقداً من صندوقها، فهي لم تُعرف بين اثنين، بل حلٍت محلهما وصارت هي الطرف المقابل لكليهما وهذه وظيفة مالية لا وظيفة سمسرة.
وأوضح أن هناك ثلاث علامات تحسم الأمر عملياً الأولى: هل تمسك الشركة بأموال العميل أو بما يسمى مفتاحه الخاص؟ وهو الرمز السري الذي يفتح المحفظة الرقمية، ومن يمسك به يملك المال فعلياً مهما كان اسم صاحب المحفظة، والثانية: هل تعلن سعراً للشراء وسعراً للبيع في الوقت نفسه؟ من يفعل ذلك ليس وسيطاً، بل تاجراً يبيع من بضاعته الخاصة
ويتحمّل خسارة تغيّر السعر، وما يسميه عمولة هو في الحقيقة فرق سعر بين ما يشتري به وما يبيع به، أما الثالثة: هل يتكرّر العمل ويعلن عنه للناس؟ التكرار والإعلان هما ما يحوّل التصرّف الفردي إلى مهنة، والمهنة تحتاج ترخيصاً.
المعايير الدولية تحسم طبيعة النشاط
وبالمعايير الدولية ينتهي النقاش بسرعة أكبر، فالتعريف المعتمد لمزود خدمات الأصول الافتراضية يشمل خمسة أعمال: تبديل العملة الرقمية بالعملة العادية، وتبديل عملة رقمية بأخرى، ونقلها، وحفظها أو إدارتها، والمشاركة في خدمات مالية مرتبطة بإصدارها أو بيعها.
والشرط الوحيد المطلوب أن يمارس هذا كعمل، ولحساب شخص آخر، أي إن حتى الوسيط الذي لا يلمس المال إطلاقاً يدخل في التعريف، لأن المعيار قام على تقديم الخدمة للغير لا على إمساك المال.
أما وجود العمولة فهو دليل ضدها لا لمصلحتها، لأن الأجر هو ما يثبت أن العمل مهنة لا معروف شخصي.
البلوكشين لا يغيّر طبيعة الخدمة
وتطرّق عبد الكريم إلى نقطة أخيرة مهمة هي: وجود بلوكشين في منتصف العملية لا يغير طبيعتها، فالزبون يدفع ليرات ويستلم دولاراً رقمياً أو العكس، أي إن البداية والنهاية نقد عادي، والوسط تقنية فقط، ولهذا صنّفت أغلب الدول هذا النشاط في خانتين معاً: خدمة أصول رقمية، وخدمة تحويل أموال، وكل منهما يحتاج ترخيصاً مستقلاً، ففي الإمارات تنظّمه سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي وهيئة الأوراق المالية والسلع اتحادياً، وفي تركيا صدر تعديل في تموز 2024 أخضع هذه الشركات لترخيص مجلس أسواق المال، وفي الاتحاد الأوروبي حُدّدت رؤوس أموال متدرّجة: 50 ألف يورو لمن ينقل الأوامر فقط، و125 ألف يورو لمن يحفظ الأصول أو يبدلها بالنقد، و150 ألف يورو لمن يدير منصة تداول.
ونوه بأن المهم ليس الرقم بل المنطق خلفه: كلما اقترب النشاط من إمساك أموال الناس ارتفع رأس المال المطلوب، لأن رأس المال هنا وسادة تحمي الزبون لا الشركة، وهذا بالضبط هو المخرج المناسب لسوريا، وجود تسجيل مبسّط لمن يعرّف بين الأطراف فقط، وترخيص كامل لمن يمسك المال أو يسعٍر بنفسه.
لكن الإشكالية لا تتوقّف عند حدود الوضع القانوني والتنظيمي لهذا النشاط، إذ تمتد تداعيات التعامل بالعملات المستقرة خارج الإطار المنظّم إلى السياسة النقدية وسوق القطع والقطاع المصرفي ومخاطر المتعاملين، وهي جوانب تفتح باباً آخر من الأسئلة حول أثر انتشار USDT في الاقتصاد السوري، نستكمله في مقال آخر قريباً.








