المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الرئيس الشرع يرسم ملامح اقتصاد متعدد الأقطاب

‫شارك على:‬
20

أكد الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم أن التصريحات التي أدلى بها الرئيس أحمد الشرع خلال مقابلته مع قناة الجزيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سلسلة التحركات الدبلوماسية والاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال الأسابيع الماضية، بدءاً من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وما رافقها من توقيع شراكات اقتصادية مع شركات فرنسية، ولا سيما في قطاع الموانئ والبنية التحتية، مروراً بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وصولاً إلى زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وبرأيه، فإن هذه التطورات مجتمعة تعكس ملامح واضحة لسياسة اقتصادية تقوم على تعدّد الشركاء الدوليين، بعيداً عن الارتهان لقطب واحد.

اقتصاد متعدّد الأقطاب

وأوضح أشرم في تصريح لـ “الوطن” أن تتبّع السياسة التي انتهجها الرئيس الشرع منذ التحرير وحتى اليوم يظهر بوضوح توجّهاً نحو الانفتاح على الدول الأوروبية، بالتوازي مع الحفاظ على العلاقات مع روسيا، إضافةً إلى التعاون مع الولايات المتحدة التي لعبت دوراً رئيساً في ملف رفع العقوبات، سواء من خلال قانون قيصر أم عبر العمل على إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وأشار إلى أن هذا التوجّه لا يعكس أي تناقض في السياسة الخارجية، بل يمثّل إدراكاً بأن الاعتماد الحصري على طرف دولي واحد، كما كان الحال مع موسكو في العقود الماضية، أو المراهنة الكاملة على طرف واحد، يحمل مخاطر سياسية قد تفوق المكاسب الاقتصادية، فضلاً عن تجنب الانخراط في محاور إقليمية متصارعة.

وأضاف: إن سياسة تنويع الشركاء لا تؤدي وظيفة سياسية فقط، بل تحقّق أيضاً وظيفة مالية بالغة الأهمية، إذ يفتح كل شريك دولي قناة مختلفة للتمويل، والضمانات الائتمانية، والاستثمارات، وهو ما تحتاج إليه سوريا في هذه المرحلة بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات واستنزاف الموارد المالية العامة.

رهان إعادة الإعمار

ورأى أشرم أن الخطاب الاقتصادي للرئيس الشرع يؤكد بوضوح أن الدولة لا تتجه إلى تمويل إعادة الإعمار من مواردها الذاتية أو من الموازنة العامة، وإنما تراهن على القطاع الخاص المحلي والدولي ليكون المحرك الأساسي لعملية إعادة البناء.

وأوضح أن تصريحات الرئيس التي أكد فيها أن “من استثمر في سوريا مبكراً ربح مبكرا”، إلى جانب حديث وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار عن بناء بيئة استثمار حديثة تحكمها القوانين والمؤسسات، تعكس بوضوح هذا التوجّه.

وأضاف: إن تقديرات كلفة إعادة الإعمار تختلف باختلاف الجهات والمنهجيات المعتمدة، إذ قدّر البنك الدولي في تقريره الصادر في تشرين الأول 2025 الكلفة بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، فيما رفعت الأمم المتحدة تقديراتها إلى ما بين 250 و400 مليار دولار، كما أشار الرئيس أحمد الشرع في مقابلة سابقة مع شبكة CBS الأميركية إلى أن الكلفة قد تتراوح بين 600 و900 مليار دولار.

وأكد أن هذا التباين يعود إلى اختلاف المنهجيات، وما إذا كانت التقديرات تشمل إعادة الترميم فقط، أو إعادة التطوير الشامل، أو احتساب الخسائر الاقتصادية المتراكمة خلال أربعة عشر عاماً، إلا أن النتيجة واحدة، وهي أن هذه الأرقام تفوق بكثير قدرة الدولة السورية أو موازنتها العامة على التمويل، الأمر الذي يجعل الاستثمار الخاص الخيار الوحيد القادر على قيادة مشاريع إعادة بناء الموانئ وشبكات الكهرباء والمياه والطرق والجسور وغيرها من البنى التحتية.

فجوات أمام تدفق الاستثمارات

وأشار أشرم إلى أن نجاح هذا النموذج الاقتصادي يتطلب معالجة ثلاث فجوات رئيسة لا تزال قائمة.

وأوضح أن الفجوة الأولى تتمثّل في الثقة، فالمستثمر المحلي أو الأجنبي لا يستثمر بناء على الخطابات، وإنما يبحث عن استقرار السياسات الاقتصادية، واحترام العقود، وشفافية القرارات الحكومية، واستقلال القضاء التجاري، لأن الثقة هي أول استثمار يدخل أي اقتصاد.

أما الفجوة الثانية فتتعلّق بالمؤسسات والقطاع المصرفي، موضحاً أن المستثمر لا يستطيع العمل في بيئة تتسم بغموض التشريعات، أو تضارب الصلاحيات، أو بطء الإجراءات، أو البيروقراطية، ولذلك فإن تحديث قوانين الاستثمار، وإصلاح النظام الضريبي، وتطوير التحكيم التجاري، والتحوّل الرقمي، وتسريع الخدمات الحكومية، كلها عوامل ينظر إليها المستثمر قبل ضخ أمواله.

وأضاف: إن القطاع المصرفي السوري لا يزال بحاجة إلى إصلاحات جوهرية تتوافق مع متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF)، وإعادة ربط المصارف السورية بالبنوك المراسلة ونظام “سويفت” العالمي، مؤكداً أن غياب هذه المنظومة يرفع كلفة الاستثمار ويزيد تعقيداته، وقد يعرّض المستثمرين أو المؤسسات المالية المتعاملة مع سوريا لمخاطر العقوبات أو الإدراج على القوائم السوداء.

مفتاح تدفق رؤوس الأموال

وبيّن أشرم أن الفجوة الثالثة ترتبط بالمخاطر الجيوسياسية، إذ إن التوازن بين استمرار العلاقات مع روسيا، والانفتاح المتزايد على الغرب، بالتوازي مع الملفات الأمنية الحساسة المرتبطة بإسرائيل ولبنان، يجعل من الاستقرار السياسي العامل الحاسم في تحديد سرعة تدفق رؤوس الأموال إلى سوريا.

وختم بالقول إن المستثمر المؤسسي الجاد لن يكتفي بالتصريحات السياسية، بل سينتظر ترجمة هذه التفاهمات إلى استقرار أمني وسياسي ملموس قبل ضخ استثمارات طويلة الأجل، ولا سيما في القطاعات كثيفة رأس المال مثل الطاقة والبنية التحتية، لأن هذه القطاعات تحتاج إلى بيئة مستقرة تضمن استدامة العوائد وحماية الاستثمارات.