أسس الإبداع الفني عند دوستويفسكي.. والبطل ليس من ظواهر الواقع

| سارة سلامة

من إصدارات اتحاد الكتاب العرب في دمشق دراسة جديدة لميخائيل باختين، نقلها إلى العربية مالك صقور وشاهر أحمد نصر، حملت عنوان «أسس الإبداع الفني عند دوستويفسكي»، وجاء الكتاب في خمسة فصول هي: رواية دوستويفسكي متعددة الأصوات في ضوء النقد الأدبي، البطل وموقف المؤلف من البطل في إبداع دوستويفسكي، الفكرة عند دوستويفسكي، سمات الأجناس الأدبية والتسلسل المركب للأحداث في أعمال دوستويفسكي، والكلمة عند دوستويفسكي.
كتب الكثير عن دوستويفسكي منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، كتب عن سيرته الذاتية، ورحلته الشّاقة في الحياة، وكذلك كتب عن رواياته مؤرخو الأدب والنقاد في كل مكان وصلت إليه أعماله الأدبية بحوثاً ودراسات تناولت أفكاره الدينية، والاجتماعية، والفلسفية، والفنية، والأدبية.

وميخائيل باختين واحد من هؤلاء الكثيرين الذين كتبوا عن أعمال دوستويفسكي.
لكن باختين اتجه اتجاهاً آخر في بحثه الكبير والمهم تحت عنوان:
«Problemy poetiki Dostoievskvo»، الذي تناول من خلال هذا البحث أسس الإبداع الفني عند دوستويفسكي منطلقاً من أعماله الفنية والروائية خاصة، قد أُشبعت تحليلاً، من خلال الدراسات الكثيرة التي تناولت مسألة «المضمون»، في رواياته، وكذلك «أبطال هذه الروايات وشخوصها.
حيث اكتشف باختين في بحثه هذا «طريقة جديدة»، في إبداع دوستويفسكي، أطلق عليها «الرواية متعددة الأصوات»، وهذا ما تناوله البحث في فصله الأول، ويعد من أهم الكتب الأدبية النقدية الذي أنجزه في عشرينيات القرن الماضي، والذي تناول فيه قضايا الإبداع في روايات دوستويفسكي بطريقة جديدة لم يسبقه إليها ناقد آخر.

الرواية متعددة الأصوات
لقد توزعت أفكار دوستويفسكي الإبداعية، من وجهة نظر النقد الأدبي، إلى سلسلة من البنى الفلسفية المستقلة عن بعضها، والمتعارضة مع بعضها بعضاً، التي يستبسل أبطاله في الدفاع عنها، ويظهرون رؤى المؤلف الفلسفية في ثناياها وبعيداً عن المرتبة الأولى، يمتزج صوت دستويفسكي عند بعض الباحثين مع أصوات هذه المجموعة من أبطاله أو تلك، ويعدّ عند آخرين تركيباً خاصاً من جميع هذه الأصوات الأيديولوجية، وأخيراً، يظلّ صوته عند مجموعة ثالثة من الباحثين مختفياً ببساطة خلف هذه الأصوات جميعها، وهناك من يجادل الأبطال، ويتعلم منهم، كما يحاول تطوير رؤيته لتصبح منظومة مكتملة، يتمتع البطل بشخصيته المستقلة أيديولوجياً، وينظر إليه كمبدع لمفهومه الأيديولوجي الخاص المستوفي للقيمة الكاملة، وليس بوصفه موضوعاً يتكامل وفق رؤية دوستويفسكي الفنية الكاملة.
تناول باختين موضوع «البطل»، وموقف دوستويفسكي من أبطاله عموماً، ويناقش كيف يريد أن يكون بطله في الفصل الثاني الذي جاء بعنوان «البطل وموقف المؤلف من البطل في إبداع دوستويفسكي»، من حيث استقلاليته وحريته، ومن حيث الواقع المحيط به وموقفه من العالم، وموقف العالم منه، وموقفه من نفسه.

موقف المؤلف من البطل
توقف هذا البحث على ثلاث نقاط هي: حرية البطل النسبية واستقلاليته، وموقع صوته على ضوء مفهوم تعدد الأصوات، وعند الطرح الخاص للفكرة فيها «في الفرضية»، وأخيراً عند المبادئ الجديدة للربط والاتصال، تلك المبادئ التي تساهم في تشكيل الرواية بكاملها، وهذا الفصل مخصص للبطل، ما يهمّ دوستويفسكي في البطل، ليس بوصفه ظاهرة من ظواهر الواقع، تتميز بسمات وعلامات اجتماعية أنموذجية ثابتة وطباع فردية منطقية محددة، وليس بوصفه هيئة «شكلاً»، محددة تتآلف من جمع خصال وسمات موضوعية أحادية المغزى والدلالة تجيب في مجملها عن سؤال: «من هو»؟
ومن ثم يتنقل إلى موضوع شائق آخر في الفصل الثالث وهو «الفكرة عند دوستويفسكي»، من خلال توضيحه «للفكرة»، يطلق باختين عليه: «فنان الفكرة العظيم».

الفكرة عند دوستويفسكي
من الضروري أن تظهر خصوصية مكانة الفكرة وأصالتها عند دوستويفسكي بشكل واضح وجلي، يعد البطل عنده ليس مجرد كلمة عن نفسه بالذات، وعن الوسط القريب المحيط به، بل وفضلاً عن ذلك أنه كلمة عن العالم: إنه ليس واعياً عارفاً فحسب، إنه مفكر «صاحب إيديولوجيا»، فهو أيديولوجي في «إنسان من داخل القبو»، ولكن قيمة الإبداع الأيديولوجي التامة تحصل في الروايات، وتصبح الفكرة هنا، فعلاً بطلة العمل الأدبي تقريباً، غير أن الفكرة الأساسية المهيمنة تبقى هنا في تجسيد البطل كما هو ففي السابق: الوعي الذاتي، ولذلك تنصهر الكلمة عن العالم مع كلمة الاعتراف عن نفسها ذاتها، أن الحقيقة عن العالم لا تنفصل عن الحقيقة الشخصية، حسب رأي دوستويفسكي.
أما في الفصل الرابع «سمات الأجناس الأدبية ومحورها في روايات دوستويفسكي»، فيعود باختين إلى بدايات الأدب، والمغامرات الأولى، ويكشف عن مصادر إلهام دوستويفسكي منذ ما قبل الميلاد مروراً بتطور مراحل الأدب والفلسفة، منذ حوارات سقراط، والأدب الساخر الأوروبي، والمرحلة الكرنفالية، وهذا المبحث يعد من أبحاث الأدب المقارن.

سمات الأجناس الأدبية
إنّ سمات المسألة الفنية الإبداعية عند دوستويفسكي تقتضي مقاربة ومعالجة جديدة، حول إبداعه لرؤى وجوانب الأجناس الأدبية وتسلسل الأحداث التركيبة، لا يمكن لا للبطل، ولا للفكرة، ولا لمبدأ تعدد الأصوات في البنية الكاملة أن تطرح في أشكال الأجناس الأدبية وفي الأشكال التركيبية لتسلسل الأحداث، تلك الأشكال الخاصة برواية السيرة الذاتية، وبالرواية الاجتماعية، النفسية، ورواية الأحداث الوجودية، والرواية العائلية، أي، في تلك الأشكال التي كانت سائدة في الأدب المعاصر لدوستويفسكي، التي استخدمت من معاصريه أمثال تورغينيف، وغورتشاروف، ول. تولستوي، إذ ينتمي إبداع دوستويفسكي بوضوح بالمقارنة معهم إلى أنموذج آخر تماماً من نماذج الأجناس الأدبية وغريب عن معاصريه من الأدباء المبدعين.
ويتوقف في الفصل الخامس عند «الكلمة عند دوستويفسكي»، مبيناً أهمية الكلمة من خلال «أصوات» الأبطال، والكلمة أحادية الصوت، وثنائية الصوت والكلمة المونولوجية، وكلمة السرد مدعماً ذلك بالشواهد والبراهين.

الكلمة عند دوستويفسكي
ما يعني بالكلمة هو اللغة في كيانها الملموس والحي، وليس اللغة بوصفها مادة خاصة مميزة لعلم اللغة، التي يتم الحصول عليها عن طريق تجريد الكلمة القانوني والضروري تماماً من بعض جوانب الحياة الملموسة، لكن هذه الجوانب بالذات من حياة الكلمة، التي يجردها اللغويون منها، تمتلك أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة لأهدافنا، ولهذا لا السبب لن تكون تحليلاتنا اللاحقة لغوية بالمعنى الدقيق للكلمة، يمكن أن ننسبها إلى الميتا- لغوية، ونعني بها «ما بعد علم اللغة»، الدراسة التي لم تتم بعد صياغتها وفق ضوابط وقوانين مناهج محددة لتلك الجوانب من حياة اللغة، التي تتجاوز، وبشكل قانوني ملموس، حدود علم اللغة.
ونظراً لأهمية هذا الكتاب فقد تُرجم إلى العديد من لغات العالم، كما كُتب عنه الكثير من الدراسات والبحوث، لما أثارته وتثيره المفاهيم النقدية الجديدة التي تناولها المؤلف في حينها، وما زالت تقام الندوات، وحلقات البحث عنه لمناقشة هذه الموضوعات التي طرحها باختين للإفادة منها.