الرئيسية | ثقافة وفن | مكتب عنبر المدرسةُ العربيةُ الأولى ومصدر مقاومة الاحتلال

مكتب عنبر المدرسةُ العربيةُ الأولى ومصدر مقاومة الاحتلال

| أنس تللو

بيتٌ دمشقيٌ قديم، لا كالبيوت في حجمه ولا كباقي الأمكنة في جمال عمرانه، بيتٌ يتميز بأن الداخل إليه للمرة الأولى يشعر بالخشوع والرهبة، ويدرك فوراً أن هذا المكان لا يمكن أن يكون مجرد مكان للسكن.
بيتٌ ليس بيتاً، بل هو أشبه بمتحف لعرض فنون العمارة العربية، تتسابق غرفه وأرجاؤه في التباهي بالتنسيق الفريد الذي تتحلى به.
فسحةٌ مسقوفة فصلت عن الداخل بحاجز خشبي، ثم رواقٌ جميل محمول على أعمدة حديدية فوقه شرفةٌ بهية، ثم باحة داخلية تتوسطها بحرةٌ من الرخام تحيط بها عريشةٌ استرخت أغصانها المتشابكة فشكلت فوق البحرة قبة جميلة، باحةٌ ملأى بالأشجار المزهرة أشجارِ الحمضيات كالليمون والكباد والنارنج، وشجيرات الزينة كالياسمين والمليسة والشمشير والورد، فيها إيوانٌ رحبٌ يرتكز على أعمدة رخامية جميلة تتصدره قاعة فسيحة يُدخل إليها بباب زُيِّن إطاره بالمرمر، قاعةٌ لا كالقاعات، جمالٌ أخّاذ وفتنةٌ ناضرة؛ جدرانها مرصعةٌ بزخارف عربية تتخللها قطعٌ رخاميةٌ بديعة بينها أحجارٌ ملونةٌ صغيرة مرصوفةٌ بأشكال هندسية جميلة، أرضها مفروشة بالرخام المفصص المضيء.

وإلى جانبها رواقٌ ضيقٌ يضم على جانبيه بابين يفضي كل منهما إلى باحة ثالثة وباحة رابعة لا تقلان فتنة عن سابقتيهما بل تتسابقان معهما في الفتك بالعيون وسلب القلوب وسبي العقول عبر فتنة واضحة وروعة أخاذة تكمل ما بُدئ به لدى مدخل مكتب عنبر الأول.
بيتٌ لا كالبيوت، قمةٌ في الروعة وبلاغةٌ في الإفصاح وبراعةٌ في السحر ودقةٌ في الإتقان.
بيتٌ لا كالبيوت، إنه آيةٌ من آيات الجمال والتنسيق والذوق الرفيع.
مكتب عنبر بيتٌ من بيوت الحكمة الإلهية سطرته يد الله في صفحة هذا الكون.

تاريخ مكتب عنبر
لقد كان مكتب عنبر هو الثانوية الوحيدة في دمشق بل في سورية كلها، وكان الطلاب يأتون إليه من كل مكان ليكملوا دراستهم.
يقع مكتب عنبر في شارع (مدحت باشا) وهو الذي يصل بين باب الجابية، والباب الشرقي.
تتصدره بوابةٌ كبيرة من صفائح وقضبان الحديد، وإلى جانبيها نافذتان، وفي أعلى الباب لوحة رخامية كُتِبَ عليها (مكتب إعدادية ملكية)، وهو الاسم القديم لمكتب عنبر (قصر الثقافة الشعبية).
تم افتتاحُ مكتب عنبر عام 1887 – 1888م، وكان اسمه (مكتب إعدادية ملكية)؛ وكانت الدراسةُ فيه تصل إلى الصف التاسع فقط.
عندما بدأ زعماءُ الاتحادِ والترقي في استانبول بسياسة التتريك؛ أصبحت اللغةُ التركيةُ اللغةَ الرسميةَ في جميع دوائر الدولة، واكتملت صفوفَ المكتب إلى الصف الحادي عشر ؛ فغدا ثانوية كاملة وأصبح اسمه (سلطاني مكتبي)، وصار جهازُه الإداري وجميعُ أساتذته من الأتراك، وبعد جلاء السلطة التركية عاد الوجهُ العربيُّ إلى البلاد، وأُطلِقَ على مكتب عنبر اسم (مدرسة التجهيز ودار المعلمين) بدلاً من سلطاني مكتبي، وتم اختيارُ أساتذةٍ عرب للتدريس فيه، فقاموا بإذكاء الروح العربية وبعثِ التراثِ العربي في صفوف طلاب مكتب عنبر.
أما في عهد الاحتلال الفرنسي فقد كان لمكتب عنبر الفضلُ الأكبر في بث روح الوطنية في صفوف المواطنين السوريين؛ وفي العام 1935م انتقت وزارة المعارف مجموعةً من المعلمين المؤقتين الحائزين شهادة البكالوريا الثانية لتأهيلهم كمعلمين اختصاصيين فأحدثت في مدرسة التجهيز أي مكتب عنبر (صف التعليم العالي)، وفي العام نفسه تـمَّ إنجازُ بناء مدرسة التجهيز الحالية؛ فانتقل طلاب وأساتذة (مدرسة التجهيز ودار المعلمين) أي مكتب عنبر في العام الدراسي 1936 – 1937، إلى البناء الجديد المعروف حالياً بالتجهيز، ثم سُميَّت مدرسة التجهيز باسم عالِم من علماء الرياضيات كان يدرِّس في مكتب عنبر فأصبح اسمها ثانوية جودة الهاشمي.
ثم وبعد الاستقلال أصبح مكتب عنبر لعدِّة سنوات مقرّاً لمعهد التجهيز والفنون النسوية، ثم أصبح بناء مكتب عنبر (قصر الثقافة الشعبية) وقامت وزارة الثقافة بمساعدة محافظة مدينة دمشق بإجراء ترميمات وإصلاحات واسعة عليه، ما أعاد له رونقه وبهاءه ؛ فأصبح يتباهى اليوم بحلته القشيبة وفخامته، وغدا متعة للناظرين.

معلمو مكتب عنبر
كان يدرس العربية أستاذ مشهور جداً آنذاك هو الأستاذ سليم الجندي، الذي قيل عنه إنه ما يوجد تحت أديم السماء أعلم منه بالعربية وعلومها، ومن عباقرة الأساتذة أيضاً في مكتب عنبر الأستاذ الجليل عبد القادر المبارك… كان أستاذاً للغة… تفيض دروسه بالفوائد اللغوية الفريدة، وكان أعلم أهل زمانه بالقواميس، وكذلك كان الأستاذ الكبير الشاعر محمد البزم، ذلك الذي عَشِقَ الفصحى، وفني فيها، فما تحدث بغيرها، وكان مغرماً في اختيار الألفاظ.
وكانت لقاعة التدريس آنذاك قدسية في نظر الطلاب؛ اكتسبتها من هيبة المدرسين، لقد كان الطلاب آنذاك يعتبرون أساتذتهم الأسوة العظيمة التي يجب أن يحتذوها، كانوا يعتبرونهم آباء بمعنى الأبوة الحقيقية، يأخذون منهم العلم كما يقتبسون عنهم السلوك، ذلك أن المدرسين الآباء كان همهم الأوحد أن يهيئوا أبناءهم للحياة الحرة الكريمة.
على أن الأستاذ الأعجب آنذاك كان الأستاذ الكبير مسلم عناية أستاذ الرياضيات المشهور، ذاك الذي كان يتقن الفرنسية والألمانية والإنكليزية والتركية والفارسية والعربية، وكان موسيقياً بارعاً، كان يفوق الكثيرين علماً وذكاءً وفطنة وحدة في الذهن.
ومن نوادره أن الطلاب أكثروا مرةً من مناداته (أستاذ – أستاذ)، فقال: لو علمتم معنى هذه الكلمة لَما أكثرتم من استخدامها، إنها كلمة مشتقة من الفارسية ومعناها الفارسي (معقِّل المجانين).
ولا أنسى ذكر الأستاذ العظيم محمد الداوودي؛ عالمُ النحو والصرف، الذي كان يعتمد على رسم شجرة ليعلم الطلاب من خلالها النحو الصرف، والحقيقة أنه تمكن الداوودي من تذليل مادة النحو الصعبة بذوقه في تلقينها.
أما الأستاذ القواس أستاذ العربية الصارم فقد كان يحاسب الطلاب بدقة بالغة، وما كان أشد الحساب آنذاك، وما أصعب النجاح على الطلاب، الأستاذ القواس كانت له عبارة مشهورة، وهي:
من يخطئ في إعراب كلمة واحدة، لا يحق له النجاح في البكالوريا.
واليوم أتساءل إذا كان الجيل الجديد يجهل كل هذه الأمور، فلماذا الجيل القديم يتجاهل أموراً كثيرة؟ منها هل حقاً قد تبدلت تلك القيم والمبادئ؟
مكتب عنبر كان المدرسة العربية الأولى في سورية التي تدرِّس اللغة العربية، فأيَّةُ منهجية تلك التي كان يعتمدها في تدريسه، وأيَّةُ وسائل تعليمية تلك التي كان يوفِّرها لطلابه، وأيةُ قاعات علمية تلك التي كانت يضمها في جنباته؟
رحم الله أيامك يا مكتب عنبر!