متى سيشعر شهداء سورية أننا أنجزنا المهمة!

| د. بسام أبو عبد الله 

أن ترثي شهداء سورية الذين سقطوا في هذه الحرب الفاشية الإرهابية على بلدهم فهذه مسألة صعبة للغاية لأن حجم المأساة والكارثة يفوق الوصف، والقدرة على بلسمة الجراح، والألم الذي يعتصر قلوب كثير من السوريين لهول ما رأوه، وما عانوا منه لفقدان الأحبة أمر جلل، حتى تحول لحمنا إلى مادة على مائدة الصراعات الدولية، والإقليمية، وتحولت نساؤنا، وأطفالنا إلى مادة للتجارة الدولية، والنقاش السياسي الساخن من دون أي حس إنساني، أو شفقة، أو رحمة يمكن أن تهبط على قلوب هؤلاء النازيين الجدد.
الأمر ليس حزناً على جزء من السوريين، ضد الجزء الآخر، بل إنه حزن على السوريين جميعاً، وحتى على أولئك الذين تحولوا إلى سلعة في يد مجرمين، وقتلة، وفكر مغلق لا أفق أمامه سوى إقصاء الآخر، وسلبه حريته في التعبير أو الاعتقاد، وهؤلاء جروا خلفهم قسماً من السوريين تحت عنوان (كراهية الآخر) وقتله، وتدميره، واجتثاثه خلافاً لكل ما يفترض أنه قواعد أخلاقية، وإنسانية وسورية توارثناها عن آبائنا، وأجدادنا، وقيمنا الحضارية.
وحدها الوهابية، وامتداداتها الفكرية الإجرامية من يمكن أن يرتكب، ويحلل ما ارتكب في سورية، وضد سوريين آخرين.. هي أشياء لا تصدق، ولا يمكن وصفها أو تفسيرها إلا أنها منتهى الانحطاط الأخلاقي، والإنساني ولن نقول الإسلامي، لأن لا علاقة لهؤلاء بكل ذلك.
وإذا كانت ذاكرتنا قصيرة بسبب حجم المآسي التي مرت علينا كسوريين فإننا يجب ألا ننسى أنه في العاشر من نيسان عام 2011 بدأ التكفيريون- المجرمون مسلسلهم الدموي بذبح المواطن نضال جنود، والتمثيل بجثته، وتبع ذلك بعد أسبوع تماماً اغتيال أحد ضباط الجيش العربي السوري مع ولديه، وابن شقيقه والتمثيل بجثثهم، وفي شهر حزيران من العام نفسه تم اكتشاف مقبرة جماعية تضم جثثاً لشهداء الأمن والشرطة في جسر الشغور بمحافظة إدلب، ومن منّا لا يتذكر إلقاء جثث عناصر الشرطة في نهر العاصي من دون وازع من ضمير، أو إحساس إنساني وإذا استعرضنا هذا الشريط الإجرامي- الفاشي لوجدنا مئات المجازر، والتصفيات الفردية التي استهدفت كوادر سورية في مؤسسات الدولة المختلفة، وتبع ذلك العمليات الانتحارية وتفجير مقرات الدولة، وقتل الأبرياء في كل مكان في الأماكن العامة، والمشافي، والجامعات، والكنائس، والجوامع والأسواق، والمدارس من دون أي رحمة، أو شفقة، وترافق كل ذلك مع مجازر جماعية في أكثر من محافظة ومكان في سورية من درعا، إلى إدلب، إلى اللاذقية، إلى حلب، إلى دمشق، إلى السويداء، إلى دير الزور والحسكة، إلى القنيطرة إلى حمص وحماة….
الرابط بين كل هذه المجازر، وعمليات القتل الممنهج هو إخافة السوريين، ودفعهم لترك بلدهم كي يفترسها الإرهاب، وتضربها الفوضى، وتتحول إلى ساحة يملأ فراغاتها الصهاينة والوهابيون، والإخوان المسلمون، ولذلك فإننا نجد أن كل من تمسك ببلده، وأرضه وقاوم هذا المشروع الفاشي الإجرامي تعرض لأبشع أنواع الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية.
ليست جريمة الراشدين الأخيرة بحق أهلنا في كفريا والفوعة إلا نموذجاً لفاشية هؤلاء، ومن يقف خلفهم، وأعتقد أنها لن تكون الأخيرة، ولكن الطريقة التي نفذت بها تضع المنفذين ومن يقف خلفهم في عداد مجرمي الحرب النازيين، في طريقة تجميع أطفال أبرياء جرى تجويعهم، ثم قتلهم، بطريقة تدل على سادية، ووضاعة وانحطاط هؤلاء القتلة والمجرمين، وعلى الحقد، والضغينة التي يحملها منفذو الجريمة.
من قال إن لدى هؤلاء المجرمين عهداً، وشرفاً، ويمكن أن يؤتمنوا على أناس أبرياء، فمن كانت عقيدته الوهابية فإن جزءاً أساسياً مما يتعلمه الغدر، والخيانة، والوضاعة، والخسة، والجبن، والدناءة، إذ ليس من الشجاعة، والبطولة الاعتداء على نساء، وأطفال حوصروا لسنتين ونصف السنة، وجوعوا، وحرموا من أبسط مقومات الحياة، لينتهي الأمر بعد تهجيرهم إلى اغتيال آخر لأمل الحياة، والاستمرار، والتطلع للمستقبل.
إذ ما ذنب فاطمة الأم لستة أطفال أن تفقدهم جميعاً بعد أن قتل الجوع اثنين منهم، وقذيفة حاقدة الثالث، ولتفقد زوجها وولديها الباقيين في آخر تفجير في الراشدين، ولتبقى لديها ابنتها ما بين الموت والحياة؟ ماذا سنقول لفاطمة وأي صبر هذا الذي تحمله هذه السيدة التي قالت بعد كل هذه المأساة (الهجرة ليست عيباً، العيب أن ننهزم أمام الظلم)؟
كلمات (فاطمة) هذه يجب أن تدفعنا جميعاً من أجل هزيمة هذا الظلم، وهذا الإرهاب، فشهداء سورية جميعاً، ودماؤهم لن ترتاح حتى تعود سورية وطناً حراً أبياً، وطنا يرفض الظلم والتكفير، وإلغاء الآخر، وطناً يحترم فيه بعضنا بعضاً، ونمتلك فيه حرية الاعتقاد والدين، وطناً لا يقبل الوهابية البغيضة، والتطرف الديني، وطناً لا يحاصر جزء من أبنائه جزءاً آخر لمجرد الاختلاف الديني، أو المذهبي، وطناً يؤمن كل أبنائه أن العدو الرئيسي لنا هو إسرائيل، والعدو الآخر هو الوهابية لأنها منتج من منتجات الصهيونية.
إن ما تعرض له أهلنا في كفريا والفوعة سيبقى مأساة كبيرة لا يمكن إطفاء نارها، وحزنها إلا بالنصر على الإرهاب، وداعميه، فما بُث من صور، ومآس إنسانية تعجز الكلمات عن المواساة، وبلسمة الجراح، والألم، نتيجة فقدان الأطفال والأقارب والأصدقاء.
إنها مأساة العصر التي هي جزء من مأساة سورية الكبيرة التي لم تُبق بيتاً سورياً إلا وأصابته بشظاياها، وعزاؤنا الوحيد لكل شهداء سورية، من مدنيين، وعسكريين وآخرهم شهداء كفريا والفوعة، هو الاستمرار بهزيمة هؤلاء القتلة، والمجرمين، واجتثاثهم من الأرض السورية لأنهم في كل مرة يثبتون لنا عقم تغيير فكرهم، أو اتجاههم، أو سلوكهم، فهؤلاء نازيو العصر، وهزيمتهم واجبة على الجميع، وساعتئذٍ ستشعر (فاطمة) وأخواتها أنها أنجزت مهمتها، وثأرت لكل شهداء سورية دفعة واحدة.
أما الأهم فهو أن نرتقي جميعاً لمستوى تضحيات وآلام هؤلاء الأبطال، والمواطنين السوريين، وأن نتوقف عن الحديث عن الخنساء، ذلك أن هناك نساء، ورجالاً سوريين سيكتب التاريخ عنهم قصصاً، وأساطير في الصبر، والتحمل، والكبر على الجراح من أجل مصلحة الوطن الأبي سورية.