في دراسة حول القيمة الرائجة وقانون التطوير والاستثمار العقاري … «مداد»: إقبال المعنيين على طرح مشروعات قانونية جريئة يستوجب عدم زج السلطة العامة في نزاع مع الأفراد على ملكياتهم

سلّط مركز دمشق والأبحاث والدراسات «مداد» الضوء مجدداً على موضوع مرتبط بمشروع قانون البيوع العقارية، وفكرة أو مشروع إعادة تقييم العقارات والقيمة الرائجة، وذلك عبر دراسة قانونية بعنوان «القيمة الرائجة وقانون التطوير والاستثمار العقاري وغياب حق المواطن كبوصلة لهما» حصلت «الوطن» على نسخة منها.
وبحسب الدراسة، فإن الأهم في هذين المشروعين هو ارتباطهما بطريقة أو بأخرى بهيئة التطوير العقاري، وهنا لا بد لنا بدايةً من الإشارة إلى فكرة وجود الهيئات بشكل عام، وهيئة التطوير العقاري بشكل خاص.
تم اقتراح فكرة إحداث عدد من الهيئات العامة وخاصة في القطاع الاقتصادي والمالي خلال فترة الانفتاح الاقتصادي السورية، إذ أيقنت الحكومة السورية بضرورة أن تكون لها ذراع تنفيذية، تُترجم سياستها في القطاع الخاص، الذي ستتدخل فيه كشريك لشركات القطاع الخاص، بمعنى: إنه سيُفسح المجال أمام شركات القطاع الخاص، للعمل في تلك المشروعات المهمة والضخمة، التي كانت في وقتٍ معيّن حِكراً، على مؤسسات شركات القطاع العام، التي أصبحت اليوم ضمن ظروف انفتاحية معينة، ستُدخل القطاع الخاص إليها، فتم الحديث عن إحداث هيئات ترتبط برئيس الحكومة أحياناً وبوزارات معينة أحياناً أخرى.
وبيّنت الدراسة أنه وفقاً لهذه القاعدة أو المبدأ تم إحداث هيئة التطوير العقاري بموجب القانون رقم 15 لعام 2008، وباشرت هذه الهيئة عملها كما هو مرسوم لها أن تكون، ومن الطبيعي أن يتم اقتراح تعديل هذا القانون، في ظل التحضير لمرحلة إعادة الإعمار. لكن، يجب أن يأخذ القائمون على تعديل المشروع المقترح أموراً عدّة بالحسبان وهي:

أولاً: مشروع تعديل قانون التطوير والاستثمار العقاري
أدرك القائمون على المشروع المقترح أهميته الاجتماعيّة، فبذلوا فيه جهداً واضحاً، وأولوه عناية خاصة؛ لكن تشوبُ إشكالياتٌ قانونيّةٌ محدّدة هذا الموضوعَ، لذلك لا بدّ من إبانتها. ومنها علاقة المطور العقاري بمالكي العقارات المشمولة بمنطقة التطوير العقاري.
فقد تم تعريف منطقة التطوير العقاري على أنها: العقارات، وأجزاء العقارات المبنية، أو: غير المبنية، المشمولة بأحكام قانون التطوير العقاري. كما تم تعريف المطور العقاري على أنه: الشخص الاعتباري السوري، ومَنْ في حكمه، أو: الأجنبي المرخص له ممارسة مهنة التطوير العقاري في سورية وفق هذا القانون.
ولاحظت الدراسة بدايةً أن نية مشروع التعديل واضحة بحصر فكرة المطور العقاري بالأشخاص الاعتباريين، على خلاف ما ذهب إليه القانون الحالي رقم 15 لعام 2008 الذي عرفه كشخص طبيعي أو اعتباري، ويمكن تفسير هذا التعديل بإدراك وزارة الأشغال العامة والإسكان أهمية مشروع التطوير العقاري، وضرورة أن يكون القائمُ عليه والمنفذُ له شخصاً اعتباريّاً، أي: شركة لها رأس مالها الخاص، وإدارة متخصصة في هذا المجال، وخاصة أن هناك ضوابط لعملها يتم الترخيص لها أصولاً.
في ظل هذا التصور للمطور العقاري، ستقوم علاقة بينه وبين مالك العقارات الخاضعة للتطوير العقاري، وهنا نخص بالبحث العقارات التي يرغب فيها المطور العقاري، وبالوكالة عن مالكيها، ذلك بإخضاعها للقانون، على أن تكون وكالته عن المالك خاصة، وغير قابلة للعزل.
ذلك إلى أنَّه، في هذه الجزئية «الوكالة غير القابلة للعزل»، لا بد لنا من الوقوف على الماهية القانونية للوكالة، نظراً للآثار القانونية لها، وخاصة فيما يتعلق بالمالكين.
وأوضحت الدراسة أن الوكالة غير القابلة للعزل، هي: تصور قانوني تطور مفهومه إلى أن أخذ معنى عقد البيع، إلا أن المشرِّع لم تكن له النية لجعل الوكالة غير القابلة للعزل عقدَ بيعٍ أساساً، ولم يبوِّبْ ذلك في القانون أو ضمن العقود المسماة، فالوكالة غير القابلة للعزل يمكن أن نعطيها توصيفاً قانونيّاً على أنها: تطور للاجتهاد القضائي، عدَّها كأثر قانوني، كما وكأنها عقد بيع منتج لآثار عقد البيع، وهذا واضح في استقرار محكمة النقض السورية عليه.
إلا أن الاجتهاد العام في محكمة النقض السورية، كان قد ذهب أيضاً «نقض رقم 1693 أساس 3125 لعام 1991 سجلات النقض القاعدة 121، ملحق الدوري الأول، استنبولي ص 342» إلى أن الوكالة وإن كانت قد ذكرت عبارة غير قابل للعزل، فإن الأمر يُفسر في موضوع العزل على تعلق مصلحة الوكيل فيها.
وبما أن أمرَ الوكالة غير القابلة للعزل خاضعٌ للتفسير القضائي، وكي لا يقع المشرع في فخ ترك تفسير إرادته للقضاء الذي قد لا يصيب إرادة المُشرع، ويُرتب أعباء مالية، كفرض ضرائب البيوع العقارية، على أساس تفسير القضاء ومؤسسات الدولة أن الوكالة غير القابلة للعزل، إنما تأخذ في آثارها آثار عقد البيع فيما يتعلق بمشروع التطوير العقاري، فإنه يجب تعديل المشروع المقترح فيما يخص المادة 13 الفقرة 5 منه والخاصة بالوكالة غير قابلة للعزل، إما بالنص صراحةً على أن الوكالة غير القابلة للعزل المذكورة في هذا القانون، لا تُعَدُّ بيعاً ولا تُنتج آثار عقد البيع، أو: النصّ صراحة على أن العلاقة بين المُطور العقاري ومالكي العقارات الداخلة في مشروع مناطق التطوير العقاري، هي: وكالة خاصة تسمى وكالة تطوير عقاري، يستمد المطور صلاحياته بموجبها، وفقاً لأحكام قانون التطوير العقاري، بحيث تجيز للمطور تنفيذ مشروع التطوير العقاري على ذلك، وتأخذ معنى عقد المقاولة بين المطور ومالك العقار، دون أن يترتب عليها تبعات ضريبية تأخذ معنى ضريبة البيع العقاري.
ومن المعلوم من الناحية القانونية ما لهذه المفاهيم من آثار لها انعكاسات مالية مهمة، فالكاتب بالعدل الذي يُنظم الوكالة يعاملها كأثر قانوني مترتب عليها وكأنها عقد بيع، إذ يطلب لتنفيذها براءة ذمة مالية وغيرها من الإجراءات، رغم أن المقصود بها لضرورات قانون التطوير العقاري، هو: أنها وكالة إدارية للعقار لا تنقل ملكيته، بمعنى: عقود البيع.
وبحسب الدراسة، فإن هذا الإبهامُ في استخدام المصطلحات، من حيث الأساس، يولّد خطأً في نيّة المشرّع، وتضارباً في التفسير وآلية التنفيذ، وفرض الضرائب المتأتية من توصيفها، لذلك يجب الوقوف عنده لإزالة الَّلبس عنه، وتصحيحه قبل إصداره.

ثانياً: التشاركية كبديل في الاستملاك
ورد في القانون رقم 15 لعام 2008 في المادة 11 منه، وأيضاً في مشروع التعديل في المادة 13 منه أن العقارات اللازمة لإحداث مناطق التطوير العقاري، يمكن أن تكون العقارات وأجزاء العقارات المملوكة من الأفراد التي يتم استملاكها، لغايات إحداث مناطق التطوير العقاري.
وعليه، طرحت الدراسة السؤال الآتي: هل يمكن لفكرة الاستملاك بالمعنى المطروح في قانون التطوير العقاري، أو في مشروع تعديله أن تكون آلية صحيحة منتجة للآثار المرجوة منه؟
فإذا كانت غاية المشرع تذليل العقبات التي قد تحول دون إتمام مهمة المطور العقاري عند عدم الاتفاق بينه وبين الأفراد بيّنت الدراسة الآتي:
إن الآلية المطروحة لجهة الاستملاك، من الوحدات الإدارية، إنما تقحمها في إشكاليات المطور مع الأفراد، على حين إن الغاية من إسناد هذه المهمة للقطاع الخاص هو الحفاظ على الدور الرقابي للجهات العامة، بمعزل عن الدور التنفيذي.
كما تثيرُ فكرةُ الاستملاك، كلّما ذُكرت، إشكالياتٍ معقّدةً، وآثاراً قد تكون سلبيّة، ذلك على مستوى تطبيقها، وخاصةً فيما يتعلّق بمسألة تعويض الأفراد بقيمة عادلة، لذلك لا بدّ من مناقشة المعيار الذي تتحدّد على أساسه تلك القيمة العادلة، وخاصةً أن الدستور طالب بها، ذلك في أُفق أن مبادئ وأهداف الاستملاك تنحصر في فكرة النفع العام، وفق المفهوم الخدميّ العام.
ذلك إلى أنه في معرض الحديث عن الاستملاك لتأمين أراضي مشروعات التطوير العقاري، في ظل وجود وإصدار قانون التشاركية، يتبادر إلى الذهن تساؤل عن عدم اتجاه المشرع في إنجازه لمشروعات التطوير العقاري نحو استبدال فكرة الاستملاك بالتشاركية، ذلك انطلاقاً من الأسس التالية:
ينص مشروع القانون على أن الجهة الإدارية «وفق المادة 13 منه» ستعمل على استصدار مرسوم استملاك للعقارات، أي: إنها ستنقل ملكية ذلك العقار لمصلحة الجهة الإدارية، وتلزم فيما بعد «الجهة الإدارية» ببيع المقاسم السكنية المشيدة على العقارات المستملكة لأصحاب العقارات المستملكة في منطقة التطوير العقاري، كلّ بنسبة مساحة عقاراته التي تم استملاكها. ولا بدَّ من لفت الانتباه هنا إلى أنه قد تمَّ تطبيق فكرة الاستملاك بحدّ ذاتها، بعيداً عن موضوعها، وخاصة أن ملكيّة العقار المستملك، بعد نقلها للجهة الإدارية، أُعيدت لمالك العقار الذي تمّ استملاكه.
وعليه، بيّنت الدراسة أن الآلية المطروحة «الاستملاك» لم تكن في مكانها القانونيّ، ذلك في حال كون هدف المشرّع بعد طرحه لفكرة التشاركيّة التقيّد بها، بموجب قانون صادر!
إذاً، المبدأ مقبول، لكن تفسيره يعتمد في مداه على رغبة المشرع. بالمقابل يمكن القول: إن المشرع قد خرج عن فكرة حصر الأعمال بالقطاع العام وإشراك القطاع الخاص معه، والدلائل التشريعية في ذلك كثيرة منها: إحداث شركات مملوكة للدولة خاضعة للقانون الخاص.
وفي ظل هذا الأخير «القانون الخاص» هناك آليات يتم إتباعها من الجهات المشرفة على قطاع معين تلجأ إلى فكرة الإجبار، واستخدام السلطة العامة كحل أخير، بمعنى: يمكن اليوم بدلاً من اللجوء للاستملاك التفكير بفكرة الاستحواذ الجبري الذي تُلزم فيه الجهاتُ العامةُ المطورَ العقاريَّ ومالكَ العقار، ضمن منطقة التطوير العقاري لإتمام فكرة الترخيص للمطور بالقيام بالأعمال، أسوة بباقي العقارات المجاورة، دون أن تتدخل السلطة العامة «الجهة الإدارية» بالاستملاك وإعادة البيع كما وضحنا سابقاً.
وختمت الدراسة: إن إقبال المعنيين على طرح مشروعات قانونية جريئة تمس فكرة الملكية المقدسة لدى الأفراد، يستوجب التفكير ملياً بالآليات المتبعة، وعدم زج السلطة العامة في نزاع مع الأفراد على ملكياتهم، والحفاظ على هذه السلطة كملجأ ومشرف لحل النزاعات من دون أن تكون طرفاً فيها. وخاصةً أن موضوع الاستملاك كان أحد أسباب الأزمة التي تمر بها البلاد بعد أن تمَّ استغلاله وتوظيفه لتأليب الناس على الدولة.