«محمود الساجر.. تعبيرية بلا ضفاف» عائد ليبني عالمه الخاص

| سوسن صيداوي

إنه دائماً مسكون «بأناشيد الحياة»، وانفعالات العاطفة، وتداعيات الأسئلة، وصدى السراب. يسكب تناقضاته ولعناته فوق سطح اللوحة وبين مسامات القماش، يمنحها نسائم القلق وتراتيل الروح، يحلّق بين تجليات اللون وبين جماليات التشكيل، محكوم بمتعة الخلق ورائحة الإبداع، هذا ما وصف به المؤلف محمد جمعة حمادة الفنان التشكيلي محمود الساجر في كتابه الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، وضمن سلسلة «مسارات فنية» الذي جاء حاملاً عنوان (محمود الساجر.. تعبيرية بلا ضفاف)، في166 صفحة من القطع الكبير.

بعض من نشأة
حسب المؤلف محمد جمعة حمادة «الفنان الساجر من مواليد منبج/حلب 1955، خريج المعهد العالي للفنون الجميلة سوريكوف روسيا 1986 اختصاص ديكور وتصميم مسرحي، من عام 1989إلى عام2003، قام بتصميم وإشراف على تنفيذ ديكور عدة مسرحيات لمسرح حلب القومي، من عام1993إلى عام2000، كُلّف عمل أمين سر نقابة الفنون الجميلة فرع حلب، أستاذ محاضر في كلية الهندسة المعمارية بحلب لمادة الرسم النظري، من عام 2011 مدير مركز الفنون التشكيلية، مشارك دائم في المعارض السنوية الرسمية، أقام خمسة معارض فردية، آخرها كان عام 2008بمناسبة ذكرى مرور عشرين عاماً على رحيل المخرج المسرحي فواز الساجر». مضيفاً «تميزت طفولته باهتمام شديد:تعويذات من أجل العين، نظافة زائة، ترتيب. إذ شاع في المنطقة خوف من الحسد ومن عين الحسود وبعض المعتقدات والخرافات السائدة» وعن تجربة الفنان الساجر عن الموت يقول المؤلف: «لم تكن فكرة الموت واضحة لدى محمود، لكنه خبره عندما كان في الصف الثاني الابتدائي في منبج، يوم توفي أخوه الصغير أحمد عن عمر سنتين. كان جميلا جدا، فجأة انطفأ ومات. يقال إن العين خطفته. أما الجد والجدة فقد كانت وفاتهما طبيعية. أما عن أكثر حالة وأكبر فاجعة كانت مفاجأة العمر لهم جميعاً فهو موت أخيه فواز».

لوحات الساجر
تحدث المؤلف عن لوحات الفنان التشكيلي قائلاً:«إن لوحات محمود حضور للاحساس والانفعال واللون وإيماءات لونية وتشكيلات من أوراق الذاكرة، حالات إنسانية لا تعرف السكون، فهي قلقة دائماً تبحث عن مساحات للروح المتعبة. إضاءات لتبدد العتمة». متابعا في مكان آخر«يحاول محمود أحياناً الخروج من مفهوم اللوحة والدخول في بعض المجسمات والمواد والخامات التي تمتص قليلا من التوتر، وتمنحها كثيراً من المفاجآت والنتائج المدهشة والقيمة. قد تعتبر استراحة تطبيقية، تركيبية، لكنها في النتيجة عمل إبداعي يجمع بين كل الفنون التشكيلية. يعود إلى لوحته التقليدية بمقوماتها الأكاديمية، وقد يتجاوز ذلك إلى تعبيرية تجريدية، وحالات لونية، قد يكون تجريدا خالصا، ليس هناك مشكلة. يعتقد أنه على الفنان ألا يقيّد نفسه بأسلوب أو تكنيك، لأن ذلك سيقود إلى النمطية، والتكرار، أسير اللوحة الواحدة».

الفن التشكيلي السوري بنظر الساجر
يرى الفنان محمود أن الفن التشكيلي السوري ومن خلال فترة قصيرة جداً زمنيا، خطا خطوات سريعة جداً مهمة عالمية معاصرة منافسة لتجارب الآخرين، متابعا المؤلف في كتابه عن لسان الفنان «ولكن ما ينقص الفن التشكيلي السوري هو الإعلام المتخصص الموضوعي وعدم قيامه حين يقوم بتغطية جادة للتجارب الفنية وخاصة الشبابية وتشجيع الفنانين الواعدين، والدراسة الأكاديمية ضرورية وأساسية بالطبع. وحجر زاوية في المسار التشكيلي. والموهبة قد تكفي لإنتاج العمل الفني. لكن العملية الإبداعية بحاجة للجانبين».
الحرب في رأي الساجر

إن الحرب برأي الفنان التشكيلي محمود الساجر جميعها ضد الإنسانية والثقافة، لأنها تجر الويلات والنكبات والمآسي والآلام للناس جميعا. ليس هناك منتصر في الحروب، قد تكون هناك مبررات اقتصادية سياسية… إلخ. لكن الحرب حرب. تحمل الموت والدمار والجوع.. وتحرق سنابل القمح وبياض الروح. الآن نحن نعيش حالة من الفوضى والقتل المجاني والإرهاب بجميع أشكاله، كائنات جميلة، أشخاص أفرطوا في وطنيتهم، يغادرونك بعد لحظات من دون عودة، لا أحد يتكلم عن الحقيقة، شظية أو رصاصة قناص، قد تقرر نهايتك. وتابع المؤلف في ذكر بعض من الأعمال التي تناولت الحرب والنصر والثورات.. من أهمها:لوحة(دينيكا)حصار ليننغراد، وموسكو، الدفاع عن(سيفاستوبل1942)، فنان روسي آخر(فازنتسوف)، لوحة «بابلو بيكاسو»(غرنيكا)، جريمة «فرانكو».

ما يتم إنجازه
هناك جانب ذكره المؤلف حمادة ويتعلق بلوحات الفنان محمود الساجر حيث يقول «إنها لم تحصل على مكانتها حتى الآن. أعتقد ذلك بسبب ابتعادها عن الصياغات التزيينية(ديكور) والمناظر الطبيعية التجارية والانطباعية» مستشهدا بقول الفنان «أعمالي قد تتعب المشاهد أو العين بتعبيراتها وقلقها».
كما استعرض المؤلف اللوحات التي يعمل الفنان على إنجازها، فهي مجموعات، قياسات كبيرة، ومتوسطة، وصغيرة جدا:مجموعة صغيرة/21×21/24عملا، /20×40/12عملاً، /20×30/20عملا. جميعها تحمل روحا واحدة، التكنيك مسيطر، الحلول اللونية مختلفة، حالات إنسانية؛و مجموعة أخرى تحمل شخوصا إنسانية بتحويرات جميلة، وتأثيرات ناعمة، ودلالات مقروءة، وهناك بعض المجسمات يحاول إنهاءها فيها قليل مما يحدث حولنا.

في البورتريه
يمثل الفنان التشكيلي الساجر حالة فردية، تحمل رؤية تشكيلية خاصة، تتحلى بمقدرات من المعرفة والثقافة، مشحونة بالهواجس وحرارة القلق، تسجل انكسارات الروح وسقوط الأقنعة، تحاول التمرد على الواقع والعادات، وتحريك هذا الركود الصعب، وتطمح إلى ترك علامات مميزة فوق جدار التشكيل وفي فضاء العصر، مضيفاً: «يرسم كي يكون متفردا عن الآخر، متميزا عن مجاميع التخلف، بعيداً عن رائحة القطيع، خارجا من عباءة الجهل، وعلى زوايا التحريم، حالما في كسر عصا الطاعة، وصمت الماء. في إعادة ترتيب جماليات الفكر والملامح، يرسم صدق الرؤية وثورة التعبير. لأن فيه تتجلى جماليات الشكل وعبقرية الخط، في الرسم يأتي الخط بإيقاعاته ليزيل بعض الغبار عن تفاصيل الأشياء ويضيء زوايا الواقع، يحمل الرسم بين مسمياته نسائم التغيير ورائحة آذار ومتعة الوجود».

ألوان محمود الساجر
تنفرد الألوان، الأحمر والأزرق أو الأسود والأحمر، قبل كل شيء بتجانسها، وتعبر تماما عما يراه الفنان بداخله وليس بعينيه، ولا تقتصر مهمتها على إيقاظ إحساسنا. فبدلا من أن تتمثل الألوان الشيء وتتكيف معه، نراها تفرض ماهيتها الخاصة عليه فتغلفه وتعجنه، وعليه فإن هذه الماهية تزهر للعين الكثافة نفسها أينما حلت من دون اعتبار للوسط أو المكان الذي تشغله فلا تتغير مع تغيّر الضوء، مضيفاً: «إنها دراما بيد أننا لا نرى فيها إلا الضحية، أن قوى شريرة تعذبها لكننا نجهل كل شيء عنها،.. أن فناننا لا يكشف عن الشر ولا عن أي شكل من أشكاله، إنه يدعنا، بكل بساطة، نشعر بوجوده. الألوان تتموضع على القماش طبقات رقيقة وشفافة ولاسيما على قماش اللوحة، ولا تزداد سماكته إلا في حالات معينة، لكن إحساسنا بالسماكة يزداد لاستعمال الألوان على شكل التواءات، على حين انتشارها على شكل مساحات يمنحنا، على العكس من ذلك، إحساسا بالتيه تجاه هذا العالم، وهكذا فإن اختلاف المعجونة وتنويعاتها تقودنا، دونما توقع نحو الإيقاع. يتجلى الإيقاع بالفعل بوساطة الحركات، وتنويعات كثافة الألوان والحركة السريعة لهذا التموّج».

في اللوحة المعاصرة
أصبحت اللوحة المعاصرة تبتعد قليلا عن التعبير المباشر عن الواقع والأساطير وتقترب كثيراً من التعبير عن عوالم الإنسان الجمعية والفردية. اللوحة في الماضي خضعت لقوانين وسلطات ومحاكم. وبدأت تتحرر من هذه التبعية والوصاية في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بداية الفن الحديث والانطباعية، متابعا حمادة «لقد تخلى الفنان عن التبعية والمعايير وتخطى خطوط وقواعد الكلاسيك والأكاديمية وبدأ يغوص في سراديب هواجسه. عاد ليبني عالمه الخاص ويؤكد دوره الفردي وأهميته ويعبر عن انفعالاته وقناعاته ويحتل مكانا ومساحة في المجتمع».