اخفاق كيّ الوعي القومي العربي

| عبد السلام حجاب

إن القلاع عادة تؤخذ من الداخل، لكن الحرب الإرهابية التي تعرضت لها سورية منذ نحو سبع سنوات، جاءتها من الخارج محملة بأدوات متعددة الفعل وقنوعة ومتنوعة التأثير، فكانت تأثيراتها ثقافية وإيديولوجية وسياسية، استهدفت تجزئة وتقسيم سورية بداية، والوطن العربي لاحقاً.
في مواجهة هذا الهجوم الثقافي الهادف إلى كي الوعي القومي العربي، انعقد يوم 14 أيار الجاري، المؤتمر القومي الرابع عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، وفي أثناء استقبال الرئيس بشار الأسد لوفد من القيادات القطرية العربية المشاركة في المؤتمر الرابع عشر، تناول الحديث النتائج التي تمخضت عن هذا المؤتمر وخصوصاً تشكيل مجلس قومي يتكون من جميع مندوبي التنظيمات في الأقطار العربية.
وأكد الرئيس الأسد أن تشكيل مجلس قومي، إنما يعكس ديناميكية فكر البعث، الذي كان ولا يزال قادراً على التكيف حسب الظروف المحيطة به من دون التخلي عن مبادئه، معتبراً أن هذا التحول الجذري بالصيغة التنظيمية الجديدة عبر هذا المجلس، يعكس قدرة البعث على تلبية متغيرات العصر وبالوقت نفسه، يكرس أهمية الفكر القومي ودور البعث في صد الهجمة التي استهدفت الشعور القومي العربي في محاولة لتقسيم الشعوب العربية حسب الانتماءات الطائفية والعرقية.
وشدد الرئيس الأسد على أهمية المشاركة الواسعة من قيادات وقواعد الحزب الشابة في خصوصية كل قطر، وأن يخاطب بلغة عصرية تتناسب مع التحديات التي تواجهها في المرحلة الراهنة.
بدورهم أكد أعضاء الوفد أهمية التجديد في الصيغة التنظيمية للنهوض بالعمل القومي وتعزيز حيوية الحزب بما يمكنه من الاستمرار في ممارسة دوره على الساحة العربية القومية مؤكدين أن الانتقال من الحالة المركزية إلى الإدارة التشاركية هو خطوة مهمة للنهوض بالعمل القومي وتعزيز حيوية الحزب.
من دون شك فإن المواطن العربي يستعيد في ذاكرته، محاولة الغزو الأميركي للعراق وما فعله الاحتلال عبر الجنرال الأميركي بول بريمر الذي أقدم على خطوة اجتثاث البعث، الأمر الذي يؤكد مرة جديدة، استهداف الفكر القومي العربي، وهذه المرة في سورية، عبر الحرب الإرهابية التي شنت عليها مع ما أعد لسورية والعراق والمنطقة، من مخططات على ظهر ما سمي الربيع الدامي، وكان معادله الموضوعي الإرهاب بأشكاله المختلفة التكفيرية والثقافية والإيديولوجية والسياسية وخصوصا مع ما أعد له من رعاية ودعم وتغذية مالية وعسكرية شاركت فيها أكثر من مئة وثمانين دولة ومنظمة وجمعية ومجموعات مرتزقة خارجية وداخلية.
إن خطوة انعقاد المؤتمر القومي الرابع عشر قطعت الطريق أمام أية محاولات يمكن أن تنفذ منها بقايا الإرهاب الأسود للنيل من وحدة الأمة العربية وبنيتها الثقافية القومية ورؤيتها الاستراتيجية في الحفاظ على وحدة الوطن العربي وتحصينه من التقسيم أو التجزئة أو الأفكار الشاذة المريضة.
وإذا كان المواطن العراقي والعربي يتذكر من أفعال بريمر بوضعها قيد التداول حتى الآن كشواهد حية على أخطارها التدميرية للفكر القومي العربي، فقد لا تكون الأخبار المتداولة في الشارع العراقي، مبالغاً فيها بأن بريمر لم ينقل بطائرته الأميركية الحربية سوى حقائب من الدولارات الأميركية، إلا أنها تكشف طبيعة النظرة الأميركية لأهدافه المرسومة والرؤية الصهيوأميركية لمنطقتنا العربية.
ويمكن القول: إن محاولات كي الوعي القومي العربي لم تتوقف يوماً منذ ثورة الثامن من آذار 1963 التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي، باعتبار أن فكر البعث كان دائماً يشكل الحاضن القومي لرؤية أجيال الأمة العربية في بناء مستقبل متحرر من كل أشكال الهيمنة والاستعمار القديم والحديث، ما مثل عائقاً موضوعياً أمام الأخطار والمحاولات التي كانت ولا زالت تسعى إلى تفتيت الوطن العربي إلى كيانات ودول طائفية عاجزة وضعيفة أمام الكيان الإسرائيلي وتطلع مشاريع هذا الكيان في التوسع وفق الاستراتيجية الأميركية والصهيونية والانتقال به من دولة كبرى إلى دولة عظمى في المنطقة على حساب الشعوب العربية وحقوقها بالاستقلال والسيادة وبناء أوطانها.
وتشير الدلائل التي عبرت عنها الصيغ التي جرى تداولها داخل المؤتمر، أنها ستؤدي إلى الانتقال بالنضال القومي إلى مستوى أعلى وخاصة أن الوطن العربي عامة وسورية خاصة، تشهد معركة مصيرية ستنتصر فيها العروبة حتماً.
ولعل سورية من خلال الانتصارات التي تحققها في مواجهة الإرهاب والمخططات التي تبنى على كتف هذا الإرهاب الأسود، تمكنت عبر جيشها وشعبها بقيادة الرئيس الأسد أن ترسم ملامح انتصار الأمة العربية وشعوبها وقدرة الفكر القومي العربي القادر على التجدد واختزان إرادة النضال الوطني والقومي.
إن المؤتمر القومي الرابع عشر الذي عقد في دمشق، لا يعكس فقط قدرة البعث في مواجهة محاولات كي الوعي القومي التي يتعرض لها، بل إنه امتلك من القدرة والحيوية والديناميكية السياسية والفكرية، ما جعله باستمرار بقيادة الرئيس الأسد، قادراً على التغيير والتطوير وفق معطيات المراحل المتوالية، وشكل أرضية فكرية لتعزيز الرؤى القومية لحزب البعث في مواجهة التحديات الراهنة والمتغيرات المستقبلية التي يمكن أن تواجه المنطقة العربية عامة وسورية خاصة.