مبدع الأدب كيف يقرأ التاريخ؟

| د. رحيم هادي الشمخي

يوماً قال مفكر يشغله جوهر الأحداث، فهي بالنسبة له موضوعات للتأمل كما هي لإعادة التفكير، هذا الرجل قال (اسمحوا لي أن أقول كل إنسان مؤرخ) وهذا يعني أن الفرد مثلما يفهرس التاريخ وتحولاته في ذاكرته أو ضمن ثقافته، هو يسهم في فهم جديد أو خاص لها، فالتاريخ الذي كان يوماً بيد الرواة واللاهوتيين، كان الراوي يريده لما يحتاج ويتمنى فكل له صورة لعالم الحدث، وله حكمه لكن التاريخ في القرن الثامن عشر صار أداة لأغراض الفلاسفة، صار متابعة جو ثقافي لتحولات المثال، واليوم ما عدنا نقتنع بأن نفهمه نظاماً لتعاقب الأشياء في الزمان.

التاريخ بالنسبة للمثقف غيره بالنسبة للقارئ العادي، مثلما هو موضوع تخصص قائم، هو اليوم منهج بحث، فنحن نريد التاريخ لغات وتاريخ آداب ونظماً اجتماعية وهو أيضاً منهج كتابة الاقتصاد والحب والجريمة، مع التاريخ طريق معرفة، حضرت العلوم الطبيعية فأنقذت الحقائق من هيمنة العصور الوسطى وطبعته بالطابع العقلي وبدأ زمن تفحص الحقائق بحثاً عن حقيقة الإنسان، الجو الفكري في زماننا منحته الواقعية توازناً لم يكن ليمتلكه لولاها وازدوجت النظرة، كما هي من علم وفلسفة حصيلة ثقافة وخبرة، لم يعد التاريخ كما قال فولتير (هو حاصل احتيال الأحياء على الموتى)، وإذا كانت لهذه السخرية لمسة جدوى فهي يمكن أن تشير إلى ضياع حقيقة الوعي الخاص لسلسلة غير مرئية ضائعة من العقود الممتازة، بين آراء اللاهوتيين وأصحاب الفكر الغيبي في صناعة أو تقدير الأحداث، وبين الطرف الآخر الذي عزا كل ما نراه من أنظمة وما كان من أحداث إلى صراع الطبقات، فلا كبير اهتمام بانتشار النور والطوية الحسنة، ومن هذا اللااهتمام خسارتنا كما هي خسارة المنتبهين التنويريين من قبل.
إن أحداً لم يتوقف كثيراً عند أن الثورة الفرنسية أوجدت لجنة مؤتمنين ليس للمفكرين أو الفلاسفة دور مهم فيها، وإن الثورة الروسية أقامت مثلها مجلس إنهاء، لا مجلس مفكرين، ما يعنينا من هذا هو صناعة التاريخ وفهمه، الفهم سيظل من بعد الثقافة، لا دروساً وكتباً ولكن حاجة فردية لتروية العالم، يستوي هذا الشاعر والرسام والروائي، وهنا الحاجة أكبر، فلا رواية مهمة بلا أفق إنساني وفهم حياة، هو أفق استناره لكل الفنون غير معنيين بالكتاب الاعتياديين أو الفنانين اليوميين الذين لا تعنيهم حقيقة الإنسانية ولا الإنسانية في الأرض، قد يكون هناك اختلاف في دور المثقف في صناعة التاريخ، لكن المؤكد أن المؤرخ الحديث في الجانب الثاني لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر، ثمة ملاحظات أخرى هي أن الجو الفكري لزمن الحدث هو ما ينفعنا لنفهمه وأيضاً لنضيف نضجاً لمعارفنا، هذه هي عناية المثقف المشتغل بالأدب والفن، حاجته إلى الأجواء الفكرية أكثر من حاجته لعدد القتلى والاسم وفي أي يوم بالضبط حدث الفيضان.
مرة قال المفكر الأميركي (كارل بيكر): (لو حصل لنا نحن رجال الجامعة ورجال السياسة ورجال الدين والأدب، أن التقينا بشخوص من زمن آخر، ما الذي سنسألهم عنه؟ بالتأكيد لن نضيع أوقاتنا في أسئلة عن الطقس أو عن هذا أو ذاك، السبب هو أنه لا يرى ذلك هو تاريخ ما سوف نتطلع لمعرفته، هو الأجواء الثقافية والأفكار وكيف يتصل الناس بالثقافة أو كيف تلامس الثقافات الفعل وأي الأفكار كانت وراء تلكم الأحداث وحال الإنسانية آنذاك، إن ما نريده نحن المثقفين من دراسة التاريخ هو محنة الإنسان ومدى سلامة الجوهر وانكسارات أو انتصارات القيم التي تؤسس أو تبقي حضارة، والمثقف المنتج شاعراً معنياً بدراما الحياة أو كاتباً كاشفاً عن العوالم الإنسانية أو رساماً معنياً بالجوهر، كلهم معنيون بما كسبته الإنسانية من ثمرات الكدح ومعنيون أيضاً بخسارتها.
يفيدنا هنا الاقتباس من أرسطو فانيس، (إن الملك للأعاصير، فقد أنزلوا (زفس) من العرش)، فنحن في الثقافة اليوم لا يعنينا من نزل من العرش ومن تسنمه، يعنينا الومض الإنساني الذي اشتعل، والومض الإنساني الباهر الذي في هذه الأحداث والكتابة عن هذين، كل قصيدة مجيدة وكل رواية نعتز بها في مكتباتنا أو في الذاكرة هي سلسلة من هذه الومضات.