عندما تتحول «بريطانيا العظمى» إلى مجرد جزيرة شرقي الأطلسي

| قحطان السيوفي 

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، جعل حكومتها مع رئيستها تيريزا ماي تتحملان مسؤولية إدارة أكبر اضطراب في الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، هذا الخروج هو الخيار السياسي والاقتصادي الذي ستكون له أكبر الآثار التي تواجه بريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وخروجها يصل إلى أبعد من الاقتصاد، وسيكون له تأثير كبير في الدفاع والأمن، وفي دور بريطانيا الإقليمي والدولي.
عندما دعت ماي إلى إجراء انتخابات في الثامن من حزيران الجاري، قالت إنها بحاجة إلى تفويض جديد للتفاوض على خروج بريطانيا، وكانت ماي وحدها توفّر القيادة «القوية والمستقرة» لعقد صفقة مع دول الاتحاد الأوروبي الـ27، لكن الحملة الانتخابية أظهرت أنها ليست قوية وفازت في انتخابات الثامن من حزيران الجاري، بأغلبية بسيطة.
إذا سألنا عن مستقبل التصنيع البريطاني، والحي المالي في لندن، وشكل النظام الوطني للزراعة، أو الخطوط العريضة لسياسة الهجرة الوطنية، سيكون الجواب هو الصمت! رغم الاعتداءات الإرهابية المتكررة التي تضرب العاصمة البريطانية، يلاحظ أن القواعد لدى الغرب عموماً وبريطانيا خصوصاً، لم تتغيّر، وخصوصاً في منح المتطرفين غطاءً يسمح بإدارتهم الإرهاب خارج بريطانيا أو التحريض عليه، وكانت النتيجة الطبيعية أن ارتد الإرهاب على بريطانيا نفسها، ويتم تحميل ماي المسؤولية لأنها قلصت قوة الشرطة في بريطانيا بأكثر من 20 ألف فرد، عندما كانت وزيرة للداخلية.
في واشنطن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتقد أن خروج بريطانيا فكرة جيدة، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ردت على ترامب الذي قال عن ألمانيا إنها «سيئة جداً»، أن الأوروبيين في القارة لم يعُد بإمكانهم التأكد من أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هما شريكان موثوق بهما. كانت المستشارة تلعب لعبة السياسة المحلية، لكن من حيث الشؤون الجيوسياسية كانت تقول ما هو واضح، فترامب لا يرى أي أهمية للتحالف عبر المحيط الأطلسي، وأهمية تصريحات ميركل تكمن في إدراك مدى سرعة تغير العالم.
أركان النظام في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، سواء التحالف الأطلسي أم المؤسسات لا يُمكن اعتمادها، وكل ذلك يتم في اللحظة التي تختار فيها بريطانيا الانفصال عن أوروبا، ربما فهمت ماي هذا في حرصها على التودد لترامب بناء على طلبه، أما وزير خارجيتها بوريس جونسون فمشغول في إجهاض الانتقادات الأوروبية لإسرائيل.
دائماً ما يشعر القادة البريطانيون بالقلق من التفاهم مع ساكني البيت الأبيض، لعلاقة ذلك بالأمن القومي، وقد وعد ترامب بصفقة تجارية، لذلك تعمل ماي على التملق، وهذا الأخير يقود إلى التحقير الذاتي، مع أن الولايات المتحدة في الوقت نفسه، وعلى مدى أكثر من ستة عقود، كانت المُشجّعة للتكامل الأوروبي، وترامب يُريد قلب السياسة رأسا على عقب، ويأمل أن خروج بريطانيا سيكون بداية الانهيار للمشروع الأوروبي الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للاتحاد الأوروبي إضافة إلى المفاوضات التجارية التي تتبع اجتماعاً بين ترامب وماي، وأجندة ترامب الحمائية، من شأنها التأثير في التجارة، وستكون صفقة سياسية، ووسيلة لزرع الفتنة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
حتى تستمر التجارة بعد خروج بريطانيا، يتطلب ذلك اتفاقيات التعاون، وفي يوم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيتم استبعاد بريطانيا من ترتيبات الاتحاد الأوروبي هذه مع «بلدان ثالثة»، ودخول ما يعادل الفراغ القانوني في الأجزاء الرئيسة لعلاقاتها التجارية الخارجية وفقا لبحث «فايننشال تايمز».
759 اتفاقية ثنائية منفصلة للاتحاد الأوروبي ذات صلة محتملة ببريطانيا، يتعين على بريطانيا إعادة التخاطب مع 132 جهة منفصلة، ويستثنى ما يقارب 110 اتفاقيات اختيارية في الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، يجب أن تتم غربلة جميع الاتفاقيات، ما يخلق تشابكاً قانونياً ضخماً، ومع سويسرا وحدها هناك 49 اتفاقية، في حين أن هناك 44 مع الولايات المتحدة، وتقول دراسة حديثة للبنك الدولي إنه إذا انتقلت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي إلى شروط منظمة التجارة الدولية، فإن التجارة بالبضائع مع الاتحاد الأوروبي سوف تنخفض إلى النصف والتجارة في الخدمات ستنخفض بنسبة 60 في المئة، ويبدو أن الكثيرين يعتقدون بـ«عدم التوصل إلى صفقة»، وبإمكان المملكة المتحدة من الناحية النظرية، التجارة مع الاتحاد الأوروبي، بالطريقة نفسها التي يُتاجر فيها الاتحاد مع الولايات المتحدة.
وبدلالة المفاهيم السياسية، فرض خروج المملكة المتحدة تشتتاً للجهود على شركائها في وقت عصيب للغاية، وقوضت صدقية مشروع ينظر إليه على أنه أمر وجودي من كثير من أعضائه، ويشكل خروج بريطانيا سابقة لحالات خروج مستقبلية محتملة، والمفاوضات لخروج بريطانيا حرجة وصعبة تتطلب وحدة وطنية غير موجودة.
لم تمر بريطانيا بهذا المشهد السياسي المروع منذ سبعينيات القرن الماضي، الأجواء في بريطانيا سوداء حالكة، وتبقى مليئة بالمفاجآت ولاسيما تلك المرتبطة بإمكانية انفراط عقد الحكومة الائتلافية الهشة، وحماقة الوقت الضائع أوقعت البلاد بين صخرة الاتحاد الأوروبي و«خروج بريطاني» صعب جداً، و«حالة عدم التوصل إلى اتفاق» ستكون أسوأ بكثير من أي اتفاق.
رئيسة الوزراء فقدت أغلبيتها وسلطتها، وكما أشار وزير المالية السابق جورج أوزبورن، هي «امرأة ذاهبة إلى الإعدام»، والمملكة المتحدة في فوضى مذهلة، وتحولت حكومة المحافظين إلى سلطة ضعيفة تتسول تحالفاً مع أحزاب صغيرة لتتمكن من تشكيل حكومتها.
هذه العملية الحمقاء، كما وصفها مارتن وولف في «الفايننشال تايمز» وضعت المملكة المتحدة الآن على الطريق إلى خروج فوضوي، ولطالما أرادت بريطانيا تقسيم أوروبا، لكنها الآن توحدها ضد نفسها، وتجد منذ الآن نفسها مكبوتة في علاقاتها مع الولايات المتحدة برئاسة ترامب، خوفاً من الانتقام.
في الصفقات التجارية التي ستكون مهمة مع الولايات المتحدة والصين والهند والاتحاد الأوروبي نفسه، ستكون المملكة المتحدة متوسلاً ضعيفاً، وعليها قبول ما يطلبه الشركاء الأقوياء، لذلك تُركت المملكة المتحدة الآن تكافح بحثاً عن خيارات أكثر قبولاً سياسياً، لكن أسوأ بكثير اقتصادياً من العضوية الكاملة.
الفرص الجديدة الهائلة لأمة تظهر الآن باسم جديد هو «بريطانيا العالمية»، كما تقول «الفايننشال تايمز»، ستكون خزعبلات خيالية، وستكون التكلفة، الاقتصادية والجغرافية السياسية، كبيرة، وستتحول بريطانيا العظمى، التي كانت لا تغيب عنها الشمس، إلى مجرد جزيرة شرقي الأطلسي، وكأن بريطانيا تسير «نائمة» للخروج من الاتحاد الأوروبي.