«حكايات من الزن» إطلالة على عالم من الفلسفة والعقائد

| أحمد محمد السح

تعتبر مدرسة الزن استمراراً لتعاليم البوذية أو بالأحرى هي طائفة بوذية ازدهرت في اليابان، وانطلقت من البوذية الصينية لتتأثر بالطاوية والكونفوشيوسية، لمن يجد في هذه المصطلحات غرابة فإنها باختصار مذاهب فلسفية دينية في الشرق الأقصى والهند نشأت على مراحل زمنية متعاقبة واشتقت أفكارها من الـتأثر المتبادل فيما بينها، فعلى سبيل المثال امتازت البوذية برؤيتها السوداوية للعالم، فقد سعت إلى تحرير الإنسان من دوائر الكارما أي الولادة المتكررة عبر التناسخ وضرورة التخلي عن مباهج الحياة التي تجدها البوذية إضاعة لسبيل الوصول إلى النيرفانا التي تعني الانعتاق الكامل والوصول للانطفاء في النار الكبرى، إلا أن الزن وجد ضرورة العيش في الكارما والنيرفانا في الوقت نفسه، ليعيش الإنسان كل لحظة في حياته متخلياً عن الارتباط بالماضي والمستقبل، وهو الأمر الذي يطول شرحه لوجود الكثير من الحيثيات والتساؤلات في عرضه وعرض الثقافة التي يقدمها، لكن دار «دلمون الجديدة» للنشر وجدت في اختيار عدد من الحكايات التي جاءت من ثقافة وتراث الزن السبيل الأمثل لتقديم حكمة هذه الطائفة وفلسفتها في الحياة، حيث أعدّت لنا الكاتبة «صبا الطبال» ما يزيد على خمسين حكاية لا يتجاوز سردها الصفحة الواحدة التي تمت صياغتها بلغة بسيطة وجميلة، متوائمة مع البساطة والالتحام مع الطبيعة الذي يدعو إليه أتباع هذا المذهب، الذين أعطت فلسفتهم دفعةً كبيرة لتطورات عدة في مجالات الحياة أبرزها تمثلت في قصيدة الهايكو والحديقة اليابانية والرسم وتقاليد إعداد الشاي وغيرها، حيث اعتمدت فكرة الاستغراق باللحظة بشكل إيجابي لا بشكل سلبي، والاعتماد على فتح الباب التساؤلي لأعمال الروح لا العقل، فالقصد من هذه الحكايات الاندماج التعبيري مع روح الحياة وانفعالاتها اللحظية وتغيراتها القدرية بروح متماسكة وهادئة تغوص في أسئلة التأمل لتنتصر دائماً إلى الفكرة التسليمية بإيجابية ما يحدث، لا بسلبيته، ومن هذه الحكايات ما ورد في المجموعة القصصية تحت عنوان «لا أسئلة أكثر» وفيها: (التقى طبيب نفسي بمعلم زن خلال ملتقى فقرر أن يسأله سؤالاً كان يلح عليه: «كيف تساعد الناس بالضبط؟».
فأجابه: «أقودهم إلى حيث لا يمكن أن يسألوا أي أسئلةٍ أكثر» فهذا نموذج من الحكايات الشائقة الكثيرة التي تعرضها الكاتبة وتحديداً بعد أن انتشرت هذه الحكايات ومثيلاتها ونسب بعضها إلى الزن وهي ليست منها، أو سلخت بعضها عنها وهي منها، لتأتي هذه المجموعة وتقدم وجبة مفيدة من الحكايات التي لا يمكن للقارئ أن يمل من قراءتها، ولا يستطيع خلال مروره إلا أن يكون متفاعلاً مع هذه العبر الرشيقة التي تقدم له العالم من منظور جديد لم يعتده من خلال ثقافة أبناء المنطقة التي اعتادها، فالحكايات مثيرة للاهتمام بسيطة وعميقة وتشكل مفاتيح بحثية للبحث عن هذه الفلسفة التي ستقودك إلى فلسفات مشابهة أخرى بالتأكيد، ولتغتني روح القارئ بقدر جده واجتهاده على إغنائها، وقد أوردت الكاتبة في مقدمتها عبارة تشبه ما نشير إليه عن معلم زن حيث يقول: «أستطيع أن أقودكم إلى النهر ولكن لا أستطيع أن أرتوي عنكم» لذلك فإن هذه المجموعة القصصية المهمة التي تقع في 71 صفحة، قادرة أن تكون نواة معرفية شائقة عن فلسفة الزن، التي قد تدفع إلى معارف أكثر وأكثر في هذا الاتجاه العميق والواسع.