عن الحب وسرّ الحب

| إسماعيل مروة

يسأل كثيرون أحباءهم عن الأشياء التي جعلتهم قريبين منهم، ويكثر التحليل في الأشياء التي تدفع أحدنا للتعلق بهذا الشخص أو ذاك، هذا التعلق الذي يبدأ انبهاراً، وينتهي عند حدود الدهشة، وتكثر الإجابات بعدد السائلين والمسؤولين، وكل الإجابات صحيحة، والإجابات كلها لا تصل إلى صميم الموضوع، ومنذ بدء الخلق بحث الأدباء والشعراء والفلاسفة في ماهية الحب، وفي تعريفه، وفي وضع حدود له، وربما وجدنا عند الشاعر نفسه أكثر من رؤية للحب، وعند الكاتب أكثر من تعريف له، فكتب الشعراء، وغنى المغنون، فتأوهوا تارات، وسعدوا تارة، امتدحوه مرة، واشتكوا منه مرات لا تحصى، وما من أحد يستطيع أن يقدم تعريفاً للحب وسره، إن كان سعادة أو ألماً، ولعلّ أهم ما قيل فيه (الحب في الأرض بعض من تخيلنا/ لو لم نجده عليها لاخترعناه) هو حاجة للروح، للعقل، للجسد، للاستمرار، وكل ما قيل في الحب لا يصل إلى الجوهر، وإنما هو حديث عن تجارب، لذلك ما من قائل يمكن أو يقول إن هذا الذي نعيشه هو أو الآخر من الحب أم لا..! فقد يراه أحدهم حباً، ويراه الآخر غير ذلك، ولكن لو وضعنا في حسباننا أن الحب جزء من التخيل لعرفنا أنه الحاجة المفتقدة من ذات كل واحد منا، لذلك تخيله، لذلك أراده، لذلك رآه حباً، لذلك تعصب له أيضاً وتطرّف في تقديره، لذلك قصر رؤيته للحب على المفهوم، ورأى سواه من الناس غير محبين، ولا يعرفون الحب.
كل ما كتبه الأدباء والشعراء والمفكرون والفلاسفة هو حديث عن تجربة الحب، عن ماهية الحب، ولا يدخل في إطار سرّ الحب، وإن كان ابن حزم الظاهري، وهو الأديب والفقيه قد ترك أثراً لا يمحى في كتابه الأصيل «طوق الحمامة في الألفة والألاف» فلأنه لم ينظر للحب، وإنما قام برصد وجمع حالات الحب العديدة والغنية، تلك التي عاشها مشهورو العشاق والمحبين، ومن خلالها حاول أن يستخلص مراتب للحب ودرجات، وهو ما يذكرنا بتصنيف الجنة والنار ودرجاتها، فهل كان الفقيه الأديب يقصد بهذا الإشارة إلى أن الحب حياة أخرى وآخرة، وأن لها درجات إن كان الحب سعيداً سما إلى الوله، وإن لم يكن سعيداً هبط إلى الجحيم أو ما دون؟
ربما قصد، وربما دفعه فقهه إلى ذلك متأثراً بما يدور في فلك عقله المنظم المنفتح، وهو الذي تروي الكتب أنه كان يجمع طلابه في حلقات العلم فيعلمهم ويجيزهم، ويطعمهم، ويعطيهم مكافآت مالية لقاء حضورهم جلسات العلم! قد أجزم، وسوف أجزم أنه قصد إلى ذلك، وفي علمه ارتقى إلى الوله بالعلم، فحاز جنان العلم، وحاز حب الآخر واحترامه، فكان أجدر الناس بالحديث عن المراتب في الحب، ولأنه بهذه المكانة لم يقم بتعريف الحب، وإنما حدد المراتب وصفات هذه المراتب.
الحب سرّ، لذلك كان عند نزارنا «أجمل الحب حب بعد ما قيلا» فالحب جميل، لكنه عندما يصبح على لسان صاحبه يتحول إلى ممارسة ولم يعد حباً، ويكون الحب الأجمل هو ذاك المكتنز الذي يبحث عنه منتظره، ويستحث من يحب على القول والبوح، وهذا ما يدفع إلى البحث عن الحب الذي لم يقل، وعن الحب الذي يرتقبه المحبوب، وكلما استحث المحبوب محبوبه كان أكثر تعلقاً، والعرب هم الذين تحدثوا عن مصارع العشاق، وعن المحب والمحبوب والمشموم والمشروب، وعن المنازل والديار، وعن تفاصيل ما يحب المرء، والعرب قالوا «وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا» فهو لا يقبل الجدار والجدار لحب الجدار، وإنما لحب من اختار الديار سكناً… فالحب، ومن دون وصول إلى مرحلة من دون السماء الأولى في تنزيهه، هو سر يرتبط بالمحب والمحبوب، والديار، والرب، وهذا ما خلق طبقة المتصوفة العارفين الواصلين المنقطعين إلى عشق يجعل أحدهم شهيداً «قلبي يحدثني بأنك متلفي/ روحي فداك عرفت أم لم تعرف» من ابن الفارض ورابعة إلى الحلاج وإلى يومنا هذا التلف والافتداء من أجل المحبوب وما يحب هو الطريقة المثلى للوصول إلى خلود أبدي سرمدي في حرف وكتاب ووجدان، ما دام مفهوم الوصل بين العبد والرب يؤخذ من رسول بشري يكون سراً موصولاً بالعرفان، سواء كان منزهاً عن التشييء أم غير منزه! أزعم أن الحب أصعب سرّ في الوجود، وأقول الحب، لأخرجه من إطار الحياة والممارسة التي لا تصل إلى جوهر الحب وسرّه، فالحب عرفان ووصول، خرقة وتصوف، احتراق وبقاء، فناء وخلود، تضحية وافتداء بمعناه الروحي الذي لا ينفصل عن الرابط الأرضي بما هو أسمى للروح والوله، وهو الأشبه أو الأكثر شبهاً بالإيمان بالوجود والغيب، صعب أن نفهمه، سهل أن نمارسه، بسيط أن نحكم على إخفاقنا وأول سرّ من أسرار الحب أن يحب المرء نفسه، لأنه إن أحب نفسه نزهها، وإن تنزهت ترفعت عن الصغائر، وإن أحبها أوصلها إلى حافة الغرور، والنفس المغرورة تبتعد عن الدنايا لأنها تصبح إلى العرفان أقرب، وإن أحب المرء نفسه صار قادراً على حب الآخر، لأنه يراه مستحقاً، ومن كان شريكاً مستحقاً في الحب كان شريكاً جديراً بمقاسمتك الحب والديار والأرض، ومن أحب نفسه حقّ الحب محض الآخر حباً يستحقه هو قبل أن يستحقه الآخر… فإن عجز المرء عن حب ذاته فإنه لا يرجى منه أن يكون محباً إيجابياً، لأن من عجز عن حب ذاته، فهو عن حب غيره أعجز وأكثر عجزاً..!
ولعل أهم سر من أسرار الحب التنزيه عن الغائية، فمن الطبيعي أن يحب المرء أهله وعشيرته وأسرته لأنهم دمه، ولأنهم هو وهو هم، لكنه ليس حباً لارتباطه بالغائية والمصلحة والحياة المشتركة، أما من يحب وهو ينزه حبه عن الغائية فهو المحب الحقيقي، وقد شدا الشعراء والمغنون بهذا الحب الذي أطلقوا عليه تسمية «حب بلا أمل» فلا هو أخ، ولا هو زوج، ولا هو أب، ولا هي أخت، ولا هي زوج، ولا هي أم… الحب غير الموسوم بالغائية هو مطلق الحب، وهو أقدس أقداس الحب، لأن نتيجته ليست محسومة، ولأن الحب لا يأتي نتيجة منفعة أو احتواء.
راودني الحديث هذا عن سرّ الحب منذ أمد بعيد، ولكنني لم أشأ أن أنظّر وأتفلسف في ماهية الحب، حتى أعدت قراءة طوق الحمامة للإمام الأديب ابن حزم لأجده منطلقاً مختلفاً، ونتائج مختلفة، وخاصة في ظل الحديث عن الحب والوطن والإنسان، إذ تحول كل فرد إلى المحب الوحيد للوطن، وغيره ليس محباً، ولا يعرف الحب! وتحوّل الحب إلى شيء يملكه أحدهم، وهو يسرق الوطن، ويملكه آخر وهو يمتص رحيق الوطن، ويملكه ثالث وهو يهاجم الوطن، ويملكه رابع وهو يدعو للاعتداء على الوطن، ويملكه رابع وهو يسهم في كشف عورة الوطن تمهيداً للاغتصاب، بينما المحب الحقيقي يرقب ويعجز عن الفعل، يرقب ويعجز عن الدفاع والبوح بما يعتمل في الذهن!
فهل أحب وطني لأنه يمنحني موقعاً ومنفعةً ومصلحة؟
وهل أحب وطني لأجمع ما في ضرعه من حليب وأرحل؟
إن لم يعطني الوطن ما أريده من مصلحة ومنفعة وخيرات فهل تتغير مشاعر الحب؟
إن تغيرت المشاعر بين المنح والمنع فهل يعدّ ما أقوم به وأشعره وأمارسه من طقوس الحب؟
هل يحق لأحدهم وهو يستمتع بما في الوطن أن يعلمني ويعلم الجميع مفهوم حب الوطن والوطنية؟
هل يحق له أن يدلني على طرق التضحية والحب في سبيل وطن خلقت فيه لأحبه لا لشيء آخر، وليحبني؟
وفي المقابل هل يحق لمن فعل الأفاعيل واستباح الوطن أن يتباكى حباً عليه؟
هل يحق لمن لم يعترف بوجوده أحد، وغادر ذات لحظة أن يتربع ليعلمنا كيف نحب أوطاننا؟
هل يحق لمن يدعو لتقاسم الوطن، وكل همّه أن يتربع فوق روؤسنا أن يعلمنا حب الوطن؟
يدعو إلى كل شيء مؤلم، وحين يخفق يدعو إلى الممكن- حسب رأيه- يريد أن يكون في السلطة وحسب، هل يحق له أن يدّعي الحب؟ أو أن يعلمنا الحب؟!
الحب المنزّه هو البعيد عن الغائية، البعيد عن المصلحة، فالمنصب ليس حباً، وإنما خدمة وتكليف لا غير.
أعود إلى الحب الفردي، فليس من حق المرأة أو الرجل التباهي بحب الشريك أو الادعاء بهذا الحب لأنه حب تملك وغاية… وليس من حق الطامع في آخر أن يدّعي الحب، لأنه صاحب غاية، إنما الحب هو تضحية بلاغاية، ورسالة لا أمل في استمرارها وإن تحققت، والحب مؤطر بالحلم الذي يعرّش فوق أرواحنا ليعلمنا أن الحب يكون لما يستحق ولمن يستحق، وعندها نفهم مفهوم الافتداء والتلف والعرفان والشهادة، وكلها مفاهيم لا تنتظر ثواباً، وإنما تكتسب قيمتها من خلودها وبقائها… فأثبت في مستنقع الموت رجله/ وقال لها من تحت أخمصك الحشر، ويبقى أن أجمل الحب حب بعد ما قيلا… ولك الله يا شام.