الرئيسية | ثقافة وفن | عندما يخفي ابنك وراء هدوئه شيطاناً إلكترونياً

عندما يخفي ابنك وراء هدوئه شيطاناً إلكترونياً

| هبة الله الغلاييني

لكل عصر أسلوبه الخاص الذي يميزه عن العصر الذي سبقه، ولكل جيل حالة فكرية معينة تختلف عنها عند الأجيال الأخرى، ومع تغير نمط الحياة المستمر وتطوره، قد لا يلحظ المرء ما يواجهه من مصاعب إلا حين يرزق بابن يفكر بطريقة تختلف عن طريقة تفكيره. ولا شك أن التطور التكنولوجي هو أحد الأمور التي دخلت حياتنا وغيرت علاقاتنا بآبائنا، حيث أصبحت التكنولوجيا هي العنصر المسيطر على نمط حياتنا اليومية، وخصوصاً بالنسبة إلى الجيل الحالي، الذي يرى أن عقارب الساعة تمشي بوتيرة متسارعة، وأن عليه مواكبة كل ما هو جديد من أجل البقاء على اتصال مع العصر. على حين يعتقد كثير من الآباء أنه ليس في مقدورهم مواكبة التقدم التكنولوجي الحاصل، لتكون النتيجة: فجوة إلكترونية بين جيلين.

يؤكد محمد الشامي «طالب» أنه يجد متعة كبيرة في الاتصال والتواصل مع أصدقائه والمحيطين به عبر الهواتف الذكية والحاسوب، لكن يشير محمد إلى أن هذا الأمر لا يفهمه والداه، بحكم كبر سنهما، لافتاً إلى أنهما «لا يكترثان للأمر» لأنهما يجدانه تطوراً لا بد منه وعلى أبنائهم تعلمه. وبناء على ذلك، تقوم شقيقات محمد، بدور الرقيب عليه، من هنا، فإنه من غير المسموح له زيارة أي مواقع محظورة، علما أن شقيقاته يسألنه عن كل المواقع التي زارها والأشخاص الذين تحدث إليهم عبر الشبكة العنكبوتية، وفي حال لم يحصل على علامات جيدة في الامتحان، يعاقب محمد بالحرمان من الأجهزة الإلكترونية. ويقول محمد:إنه لا يشعر بوجود فرق كبير في المعرفة التقنية بينه وبين أخواته. وهو دائماً يرجع إليهن في حالة احتاج إلى معرفة أمر تقني، أو إذا كان راغباً في المشاركة في مواقع التواصل الاجتماعي، أو أي موقع رائج، لافتاً إلى أن وجود شخص يتابع نشاطه التكنولوجي ويشرف عليه «هو أمر إيجابي» لأنه يساعده على أن يصبح مثقفاً بطريقة حضارية راقية، ويصنع منه «رجلاً قوياً وذكياً ذا طبائع طيبة معاً». لا تجد رغد صالح «طالبة في الصف الخامس الإبتدائي» أي أمر سلبي في التطور التكنولوجي الحاصل، ولا تجد أن هناك مشكلة أو فجوة تكنولوجية بينها وبين والدتها، التي تقول عنها إنها تستعير الـ«آيباد» الخاص بها من أجل أن تلعب به، وتضيف رغد: «صحيح أنني أشعر بغيظ شديد حين تأخذ أمي الـ«آيباد »الخاص بي لكي تلعب به، لكني في الوقت نفسه أشعر بالمرح وخصوصاً إذا لعبنا معاً». وتعترف رغد أنها، في الحقيقة، لا تجد أي صعوبة في التفاهم مع والدتها حول التقنيات الحديثة «بل هي من تعلمني كل جديد، وتساعدني على مواكبة كل تطور يحصل في التكنولوجيا». بحسب ما تقول. «إن المعرفة التكنولوجية، في عصرنا الحالي، أصبحت مقياساً لمدى ذكاء المرء وفطنته». بهذه الكلمات تبدأ «ولاء جباصيني»، «جامعية» حديثها عن الموضوع، لافتة إلى «أن العصر الحالي يعتمد على التكنولوجيا بشكل كبير على العكس مما كان سائدا في السابق، حيث كان الاعتماد الكلي على العنصر البشري» »وتضيف«لذا، فإن من الطبيعي أن يجد بعض الأهل صعوبة في مواكبة التطور الهائل الذي طرأ على تكنولوجيا المعلومات مقارنة بأبنائهم بسبب اختلاف الأجيال»، ولا تخفي ولاء عدم قدرتها على فهم «الأسباب التي تجعل بعض الآباء غير المواكبين للتطور التقني يتصرفون بغرابة، فيبالغون في المنع والحظر، من دون أن يفهم ابنهم السبب، ما يجعل الأخير يشعر بأن التواصل مع والده صعب، وأحياناً قد يشعر بأن والده يتصرف بشكل غير مفهوم، بسبب وجود فجوة ثقافية كبيرة بينهما»، وتنهي ولاء حديثها بالقول: «ما لا يستطيع الآباء فهمه هو أن الأمور التكنولوجية تساعد أبناءهم بشكل كبير على فهم الحياة وعلى تقبل الآخرين لهم، وهو عنصر مهم في تواصلهم مع العالم من حولهم «ويتفق حمزة السعيد «موظف» مع ما قالته ولاء، ويضيف قائلاً: «أحياناً بت أجد طفلاً عمره ٨ سنوات أذكى مني كثيراً في المجال الإلكتروني، وهذا عائد إلى أنني أنتمي إلى جيل لم يكن جل اعتماده يقع على التكنولوجيا، بل على عقله ويده». ولكن على الرغم من ذلك، لا يبدي حمزة أي تحفظ يذكر على التكنولوجيا الحديثة، ذلك أنه يرى«أنها تتيح لمستخدميها التعرف إلى العالم وإلى كل ما هو جديد، وتتيح لهم الفرصة للاطلاع على أمور كان من الصعب عليهم معرفتها في السابق، بسبب قلة المصادر المعلوماتية المتاحة». ويلفت حمزة السعيد إلى «أن عدم معرفة الأب وعدم توافقه مع ابنه في ما يتعلق بهذا التطور يعتبر مشكلة كبيرة، خصوصاً حين يأتي دور الحديث عن مسؤولية المراقبة والمتابعة» ويضيف قائلا «الأب قد لا يدري ما يفعله ابنه، على حين يستغل الابن تفوقه التكنولوجي على والده» ويشير إلى أنه «عدا المشكلات والأضرار التي قد يتعرض لها الابن إلى والديه على أنهما جاهلان أو متخلفان عن ركب الحضارة، وهذا ما يتعارض مع صورة الأب القدوة التي يجب أن يظهر بها الأب مع أبنائه»، ويختم «إذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، فسنجد أن الفجوة الإلكترونية تسهم بشكل أو بآخر في هز صورة الوالدين غير المتعلمين في نظر أبنائهما». من ناحيتها، لا تخفي فادية أياسو «ربة منزل» جهلها بالتكنولوجيا، ولا ترى حرجا في ذلك، بل هي تعتقد أنها اشترت بذلك «راحة البال» على حين أن زوجها مغرم بالتكنولوجيا نظراً لكونه مهندساً إلكترونياً، لذلك يقوم هو بدور الحارس للأولاد إلكترونيا، وهو من يقوم بمراقبتهم ومحاسبتهم»، وتضيف فادية: «إن أولادي شغوفون بالتكنولوجيا وهذا أمر ضروري بالنسبة إلى عصرهم » وتقول: «لكن بالنسبة إلي شخصيا، فأنا لا أحبذها، أستنكر تلك الآراء التي تقول إنها تصنع منك إنساناً حكيماً، لأن التواصل مع المحيطين، وجها لوجه، هو الذي يجعلك أكثر حكمة ونباهة». وتختم فادية قائلة: «للأسف، فإن أطفالنا صاروا يعتمدون على التواصل عبر الشاشات،
معتقدين أنها تشكل بديلاً عن الحياة الاجتماعية الحقيقية، وهذا ما نحاول أنا ووالدهم التعامل معه مركّزين على أهمية الحياة الاجتماعية وتفضيلها على الحياة التكنولوجية»، ولعل المشكلة الأشد خطورة من بين مشكلات الفجوة الإلكترونية بين الآباء والأبناء بحسب وصف أحمد النشواتي «موظف»، «تتجلى في عدم القدرة على مراقبة الابن وملاحظة تصرفاته»، حيث يشير السيد أحمد إلى «أن العالم الإلكتروني قد يجعل الابن يتقمص شخصية تختلف تماماً عن شخصيته التي يظهر بها أمام أهله وأصحابه» ويقول: «سمعنا عن حالات كثيرة يكتشف فيها الأهل أن ذلك الشخص المثقف والذكي، هو نفسه ابنهم الهادئ والصامت، إلا أنه يخفي وراء هدوئه شيطاناً إلكترونياً»، ويتابع محذراً «إن الجهل بالتكنولوجيا له عواقب وخيمة جداً، وقد يكون ثمنه باهظا، خصوصاً إذا وجد صدام بين الآباء والأبناء، ما يؤدي مستقبلاً إلى وجود حالة تنافر بينهم، وإلى عدم التفاهم، فيفسر الأب انصراف ابنه عنه وانشغاله بالتكنولوجيا على أنه عقوق من الابن، على حين يفسر الابن تحفظ والده بأنه نتيجة القسوة وجمود المشاعر، وأن المشكلة بسيطة جداً ولا تتعدى كونها مجرد اختلاف في المعرفة التقنية والفكرية، لكنها قد تؤذي الترابط الأسري.