داء العصر

| د. اسكندر لوقــا

إن شعور المرء بالتفوق، حين يكون مستمدا من واقع موضوعي بكل ما تعنيه الكلمة، لا يمكن أن يدل على مجرد حالة عابرة، بمقدار ما تكون حالة موضوعيّة مستمدة من شعوره بـ«أناه». وفي سياق هذا الشعور يكون التركيز عادة على الذات، وأحياناً، سببا في جعله غريبا عن أقرب الناس إليه حتى إذا هم أظهروا له غير ما يضمرون في أعماقهم، من قبيل المسايرة.
وما يجعل التفوق حالة مقبولة في حال مورست على أرض الواقع بتواضع يختلف عن الشعور بالفوقية، أعني الحالة التي تضع حدا فاصلا بين المصاب بتبعاتها وبين من هم حوله. إن ممارسة الفوقية ظاهرة مرضية ليست غريبة عن المجتمعات العربية عموما، وخصوصاً في المجتمعات التي لا تعاني نقصاً في موارد معيشتها، لكونها تملك المال والثروات الأرضية، وتعمل على جعل الآخرين بحاجة إليها.
وفي زمن الحروب، غالبا ما تتفاقم ظاهرة الفوقية عند البعض من الناس، وخصوصاً عند الذين استغلوا أو يستغلون الفرص للإثراء غير المشروع وذلك باتباع أساليب تجعل الآخرين يقتنعون بأنهم حقا هم من صنف آخر لا يمت إليهم بصلة. هذه الحالة هي سبيل إلى الانفصام في شخصية المجتمع الذي يحترم كرامة الإنسان ولا يضع شروطا لإنسانيته، سواء أكان من فئة الفقراء والمعوزين أم من فئة الأغنياء. ولهذا الاعتبار يزداد الشرخ في المجتمع مع حالة الانفصام، ويزداد حجم النقمة، لا الحسد فقط، عند البعض تجاه البعض الآخر.
في الوقت الراهن، وبلدنا يخوض حرباً شرسة في مواجهة أعدائه من الخارج فضلا عن بعض الداخل، يحتاج إلى إزالة الفوارق بين شرائح المجتمع، بحيث يُغلب العدل على سواه، مع الأخذ بعين الاعتبار، حق المرء المجتهد بأن يمارس متطلبات التفوق لا الفوقية. في الحالة الأولى تتحقق العدالة على حين تسقط العدالة في التجربة في الحالة الثانية. وبمقدار ما يكون التوازن بين هاتين الحالتين لجهة المواطن في الوطن الواحد، يكون العدل بين الناس.
في هذا السياق، أقرأ للأديب الفرنسي أونوريه دو بلزاك «1799- 1850»: إن داء عصرنا هو التعاطي مع الناس بفوقية هي نقيض التفوق بالجهد الصادق الذي نبذله في الحياة.
وأضيف: لا تزال هذه الرؤية تأخذ معناها حتى يومنا هذا ونحن نرى ونقرأ عن المصابين بهذا الداء، داء الفوقية، بيننا.