في المسرح المدرسي نُبعد الطفل عن مشاهد الحرب القاسية … سهى ياسين لـ«الوطن»: الرسم للمناهج الدراسية يقيّد ولكن الإبداع يخلق الأفكار

| سوسن صيداوي

أسباب عديدة تكون مساهمة أساسية في خلق شخصية المرء لتسهم مع ما يحيط به من ظروف في تكوين أفكاره وتقويم مشاعره وتسديد أهدافه سواء بالطريقة الإيجابية أم بالطريقة السلبية، فالموهبة وحدها لا تكفي بل على من قُدّرت له أن يسعى مستغلاً ما حوله لتطويرها واستمرارها. والفنانة التشكيلية سهى ياسين ينطبق عليها هذا الكلام لأنها منذ الطفولة المبكرة اختارت أن تكون تسليتها وجهدها المبذول، ودراستها ومستقبلها، هي الريشة والألوان. ترعرعت الفنانة في جو يقدّر الفن والكلمة كثيراً، وكبرت مع الأيام والسنين فارضة نفسها كفنانة تشكيلية لها معارض فردية ومشاركة في معارض جماعية طغى عليها أسلوب الحفر، ومضمون اللوحات فيها من الحياة في الريف السوري الحموي، إضافة إلى كونها من اللجنة المختصة بوضع الرسوم التوضيحية في المناهج الدراسية.

اهتمامك بالرسم يعود لكونك ابنة الرسام والشاعر عبد الرحيم ياسين.. حدثينا عن تأثرك بوالدك؟
أنا من مدينة مصياف، ولدت ونشأت في أسرة فنية، فوالدي رسام وخطاط وشاعر، والفن موهبة فطرية حباني الله بها وبدأت بالرسم منذ كنت في سن الخامسة، كان لاهتمام والدي بنا وإشرافه علينا أثر كبير بالتأكيد في تنمية موهبتي وصقلها، فأنا وإخوتي كنا نتشارك في طفولتنا في رسم لوحات جماعية مشكلين ورشة فنية صغيرة في منزلنا. إن الفن برأيي هو ثمرة مواهب خاصة ووحي إحساس خلّاق وخيال، وهو أيضاً خلق للجمال وتعبير عن الشعور والفكر بشكل جميل.
وبالفعل شاركت منذ سن الطفولة بالعديد من المسابقات الفنية المحلية والعربية والعالمية، وفزت بالعديد منها، ومازلت أذكر جيداً التكريم الذي تلقيته من محافظ حماة بعد فوزي بمسابقة عالمية للرسم أعلنت عنها فرنسا آنذك، وفي الك الوقت كان عمري 10سنوات، كما نلت العديد من الجوائز القيمة والتكريم بسبب فوزي بمسابقات أعلنت عنها منظمات عالمية مثل اليونسيف. وفي سن الثانية عشرة كانت لوحتي التي رسمتها بالألوان المائية والباستيل والتي تعبر عن الانتفاضة الفلسطينية وأطفال الحجارة، هي اللوحة الفائزة في مسابقة فنون الأطفال التي أعلنت عنها المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في دمشق من خلال التلفزيون السوري، وفي اللوحة رسمت فيلاً أحمر كلون الدماء وعليه النجمة الإسرائيلية، يمشي ويدمر تحت قدميه منازل ومساجد وكنائس ويقترب بدماره من المسجد الأقصى، غير أن طيور أبابيل تحلق في السماء متشحة بالعقال الفلسطيني وتعترض طريقه وترميه بالحجارة، اللوحة التي كانت سبباً كي توجه المستشارية دعوة لي لحضور حفل التكريم مع والدي في مكتبة الأسد في دمشق، ومازلت أحتفظ برسالة المستشارية حتى الآن. أيضاً شاركت في طفولتي بمسابقات رواد الطلائع التي تقيمها منظمة طلائع البعث، ونلت شرف الريادة الأولى على مستوى سورية لعامين متتاليين في سن الحادية عشرة والثانية عشرة من عمري، وبعد نجاحي في امتحان الثانوية العامة الفرع العلمي بمجموع جيد جدا، قررت أن أختار دراسة الفن وشجعني والدي على ذلك. فالتحقت بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، وفي السنة الجامعية الثانية اخترت التخصص في فن الحفر والطباعة، وكان السبب في اختياري هذا هو أن قسم الحفر لفت انتباهي كتقنية تنتج أعمالاً جميلة ومختلفة، وكنت قد أحببت هذا النوع من الفن منذ أن اطلعت على الرسوم الجميلة التي تزين رواية «دون كيخوته» للكاتب الإسباني«سرفانتس» والموجودة في مكتبة بيتنا الضخمة، ونفذّت الرسوم بتقنية الطباعة والحفر وباللونين الأسود والأبيض، وفي السنة الرابعة حصلت على المرتبة الثانية في القسم وترشحت لبعثة إلى جمهورية مصر العربية.

منذ أيام الدراسة وإلى هذا الوقت ما الذي اكتسبته ريشتك وما الذي تغير في موضوعاتك؟
عندما أراقب رسومي التي احتفظ بها منذ صغري وحتى فترة دراستي وصولاً إلى الوقت الحاضر، أرى أن دراستي للفنون التشكيلية والتعاطف معها ومواكبتها إضافة إلى تجاربي المتتالية، منحني ذلك كله نظرة جمالية وقدرة على تطوير الأشكال، والمبادرة في نهج أسلوب فني خاص بي.

الرسم في مجلة الطليعي إلى جانب الكبير ممتاز البحرة، ماذا أضاف إليك؟
في هذه المرحلة، كنت قد تخرجت في الجامعة للتو، حينها باشرت العمل في مجلة الطليعي كرسامة، ثم ككاتبة سيناريو ورسامة، كما أعددت مع والدي زاوية دائمة في المجلة تحت عنوان: (قصص الأمثال العربية)، ثم زاوية (عالم عربي) ثم (نوادر العرب)، وأرفقتها طبعاً برسوم توضيحية وتزيينية تشد الطفل للموضوع وتنمي خياله وتوسع مداركه وترفع من مستوى قدراته الفنية. استمر عملي في مجلة الطليعي لأكثر من عشر سنوات، تعرفت فيها إلى العديد من الفنانين المبدعين الذين كان لهم دور في تطوير أفكاري وأسلوبي الفني، من خلال الحوار وتبادل الأفكار معهم، ومنهم الفنان الكبير ممتاز البحرة والفنان أمجد غازي، وكان لعملي كرسامة «كوميكس» دور أساسي في الانطلاق لاحقاً نحو رسوم الكاريكاتير وذلك مع بداية الحرب على سورية.

«كلما أصبح الطفل أكبر أصبح الرسم التوضيحي أصعب».. أليس العكس صحيحاً في هذه الجملة، على اعتبار أن مدارك الطفل أصبحت أوسع؟
في عام 2010 بدأنا بالإعداد للمناهج الدراسية، وكُلفت بالرسم لمنهاج (العربية لغتي) والذي كان توجهه أن تحتل الصورة أهمية كبيرة في الكتاب المدرسي. وبالنسبة للسؤال جوابي هو أن الإنسان يميل بطبيعته إلى المعرفة والإدراك البصري، وأن عملاً فنياً متقناً صغيراً يكفي لإيصال فكرة، قد يصعب توضيحها في مقال مهما كان مهماً.

الارتباط بالفكرة في المناهج الدراسية ألا يشعرك بالتقييد.. وهل تعديل الرسومات أمر يرهق الفنان.. وفي حال اصطدام الأفكار واختلاف وجهات النظر كيف يكون الحل؟
الفنان في مجال الرسوم التوضيحية، يكون مقيداً نوعاً ما بالفكرة، غير أن ذلك برأيي لن يمنعه إذا كان محترفاً من الابتكار والإبداع، فالفنان يمتلك المرونة والأصالة التي يستطيع من خلالها تقديم إدراك الأشياء في صورة مألوفة، وإن كان عليه التقيد بالزمان والمكان والمضمون وإيصال الفكرة بأسلوب مشوق سلس للطفل، مع العمل على رفع مستوى الإدراك والذوق الفني لديه، فالطفل يتعلم في مراحله الأولى عن طريق الرسم المعبر عن الموضوع البسيط بشكل واضح دون تفاصيل كثيرة، فالثورة تعبر عن الفكرة مباشرة وبألوان صريحة واضحة، أما في مراحل عمرية أكبر ومع اتساع مدارك الطفل تتضمن الصورة ما يحفز الطاقات الخلاقة لدى الطفل، فالفكرة والتفاصيل تغني الصورة التي يبدعها الفنان بنفسه محاولاً استثارة الطاقات الخلاقة بأمثلة للإبداع الفني وأمثلة منوعة للهدف الواحد، فكلما ازداد التنوع ازداد التفكير تبعاً له، فالصورة تتيح للطفل مجالاً للتعبير والنقاش والموازنة والاستنتاج. وهنا أعود للسؤال.. بالفعل ارتباط الفكرة بالمناهج الدراسية، هو عمل يقيد الفنان نوعا ما، وبالنسبة لي فإنني قد اعتدت رسم أفكاري الخاصة بي، فأفكار الفنان وعواطفه يعبر عنها بأسلوبه الفني مترجماً أحاسيسه وأفكاره الخاصة، غير أنه الآن أمام مهمة كُلّف بها، وهي التعبير الفني عن فكرة ليست له أصلاً، ثم قد تتغير الفكرة، وهنا يجب تعديل الصورة، وقد تكون فكرة غير قابلة للتنفيذ بالرسم أحياناً، وهنا كان يجري النقاش العلمي بين صاحب الفكرة والفنان، للوصول إلى صورة فنية ذات مضمون علمي مناسب للمفاهيم المطلوب إيصالها للمتلقي.

ماذا ستقدمين اليوم للطفل السوري كي ينسى الحرب ويسعى إلى مستقبل يشبه رسوماتك وألوانك؟
أنا اليوم إضافة إلى كوني رسامة فأنا أيضاً مدربة متفرغة في دائرة المسرح المدرسي والأنشطة الفنية، وفي مجال عملي هذا نقيم ورشات فنية نستقطب فيها الأطفال من كل الأعمار ليرسم الطفل وليصنع من بقايا الطبيعة وتوالف البيئة أعمالا فنية رائعة. إننا نبعده عن مشاهد الحرب القاسية وننسيه الألم والحزن ونجذبه إلى هذا العالم الجمالي الذي ينمو بمداركه ويهذب نفسه ويسمو بروحه، كما أنني أكتب وأرسم للأطفال قصصاً تسمو بمشاعرهم وأفكارهم وحبهم للأسرة والأصدقاء والطبيعة والوطن، وتقدم لهم تمثيلاً جميلاً للواقع، فالفن يضفي على الطبيعة والواقع جمالا ويحقق التجاوب والتعاطف بين الإنسان المشاهد والإنسان الفنان من خلال العمل الفني الذي يتضمن عناصر إنسانية وعاطفية ووجدانية.

الكاريكاتير السوري اليوم.. هل يحمل قضية؟
أجل.. الحرب قاسية على بلدي، إنها حرب مدمرة، ولعل أحدهم يقول: «هذا ليس جيداً للفن ولا للإبداع، ليس من فن في زمن الحروب المدمرة». أما أنا فأرى أنه من الألم والحزن قد يبدع الفنان، وأن أجمل الروايات العالمية كتبت في زمن الحرب ولعل أجملها رواية «الحرب والسلم» للكاتب الروسي الكبير ليون تولستوي، وكذلك رواية زيفاجو، وكذلك أجمل اللوحات رسمت في زمن الحرب مثل لوحة «غرنيكا» للرسام التكعيبي بيكاسو. وبالنسبة لي مع بداية الأزمة رسمت أول رسم كاريكاتوري ذي فكرة سياسية وكان بعنوان «تمثال الحرية الأميركية في هذا العصر» والتمثال هو لإرهابي يرفع بيده ساطورا ويقف على أشلاء آدمية. سرعان ما انتشر هذا الكاريكاتير على المواقع المحلية والعربية المتضامنة مثل موقع الطليعة الإخباري المصري، وكذلك العالمية. إن الرسم الكاريكاتيري يجب أن يحمل رسالة إنسانية، إذ تتوحد الفكرة والرسم المتقن فتتكامل لتقدم عملا هادفاً جميلاً، وهكذا فإن الفنان هو قائد اجتماعي وعليه تقع مسؤولية ما ينشره من رسوم قد يكون لها تأثير عميق في المجتمع، وللفن مهمة تطهير الانفعالات وإحداث تغيير في النفس الإنسانية وتخفيف حدة العواطف وتحويل الآلام إلى وسيلة لتحرير الذات والقيام بوظيفة إنقاذ.