عبد السلام العجيلي.. الوطني المنتمي.. لسورية كلمته ونبضه … د. دخل اللـه لـ«الوطن»: المهم في هذه الندوات أن الشعب السوري يجد وقتاً للثقافة على الرغم من هذه الحرب

| سارة سلامة- ت: طارق السعدوني

الكاتب والسياسي السوري الطبيب عبد السلام العجيلي الأديب والنائب البرلماني الذي عاش حياته لسورية والطب والأدب وأسهم في جيش الإنقاذ وأصيب فيه، تعتبر كتاباته في المجال الأدبي من أغنى وأهم الروايات الأدبية في تاريخ الأدب العربي وترجمت معظم أعماله إلى العديد من اللغات، وهو من مواليد مدينة الرقة عام 1918، وحصل على إجازة في الطب من جامعة دمشق وعمل نائباً في مجلس الشعب، وبلغ عدد إصداراته أربعة وأربعين كتاباً، أطلق عليه لقب أيقونة الرقة لأسباب كثيرة منها ممارسته الطب رسالةً وخدمةً لكل الناس بلا كلل ولا أجر ولا منّة، ولأنه أهم من كتب القصة والرواية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين وبذلك يعتبر أيقونة سورية أقامت وزارة الثقافة الندوة الثقافية الشهرية السابعة بعنوان «عبد السلام العجيلي الوطني المنتمي» وذلك في دار الأسد للثقافة والفنون، وبإدارة الدكتور إسماعيل مروة. تضمن برنامج الندوة عدة محاور وهي: «حلب في منجز العجيلي الروائي» للدكتور نضال الصالح، و«العجيلي السياسي والدبلوماسي» للدكتورة منيرة فاعور، و«العجيلي الفلسطيني» للدكتور حسن حميد.

أيقونة سورية

وفي تصريح للصحفيين تحدث معاون وزير الثقافة توفيق الإمام عن الأديب عبد السلام العجيلي حيث قال: «الدكتور عبد السلام العجيلي هو أحد أهم الشخصيات التي كتبت القصة والرواية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن أهم الأعمال التي صدرت له في عام 1948 رواية (بنت الساحرة) وترجمت إلى العديد من اللغات كالإنكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والإيطالية، وكان نائباً في البرلمان السوري وتبوأ العديد من الوزارات منها وزارة الثقافة، ويعتبر العجيلي أيقونة الرقة بل أيقونة سورية والعالم العربي لأسباب عديدة منها أنه كان طبيباً بشرياً يداوي الناس مجاناً، وشارك في عام 1948 في جيش الإنقاذ بفلسطين عندما كان يؤدي الخدمة الإلزامية كضابط في الجيش العربي السوري، وتخليداً لذكراه توجد في المركز الثقافي بمحافظة الرقة قاعة باسم الدكتور عبد السلام العجيلي وتم تأسيس رواية عربية باسمه».

العجيلي يرمز لسورية
وفي تصريح خاص لـ«الوطن» أكد عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي مهدي دخل اللـه أن: «الأمر المهم من كل هذه الندوات هو الشعب السوري لأنه على الرغم من الحرب الظالمة وشدتها على سورية يجد وقتاً للثقافة وهذا بحد ذاته إنجاز وشيء إيجابي، يدل على حيوية هذا الشعب وحبه للحياة، لأننا عادة ما نرى الشعوب في الحروب تهتم فقط في قضايا الحرب أو بأساسيات الحياة من طعام ولباس وسكن ولا نجد لهم وقتاً للثقافة، أما الشعب السوري فحيوته وحبه للحياة تفرض عليه الاهتمام بالثقافة ونرى دائماً المهرجانات الثقافية والمحاضرات، واليوم نتذكر نجماً من نجوم سورية، سيتذكره التاريخ طويلاً، الدكتور عبد السلام العجيلي وهو رجل موسوعة من الطب إلى الدبلوماسية والأدب وبرع في كل منها، وكان له مكان مرموق في السياسة ويعتبر من أهم أدباء الوطن العربي واليوم اكتشفنا أنه بارع في الشعر، ولا شك أن هذه الشخصية ترمز لسورية».

الهدف من الندوات
وعن أهمية هذه الندوات وهدفها أكد الدكتور إسماعيل مروة أن: «هذه الندوات الثقافية الشهرية هي مبادرة من وزير الثقافة محمد الأحمد الذي قام بتبنيها ودعمها بكل ما أمكن لتقدم شخصيات وأعلاماً سوريين كما يجب أن تُقدَّم. إضافة لذلك نعمل على إصدار كتب عن هؤلاء الأعلام مثل كتاب (خير الدين الزركلي) الذي أبصر النور وهو عنوان الندوة الأولى».

مؤسس مدونة السرد
وفي محوره الذي تحدث فيه عن «العجيلي الفلسطيني» قال الدكتور حسن حميد: «لا أكاد أفارق رأي القائل منذ ثلاثين سنة وأزيد بأن الدكتور عبد السلام العجيلي هو مؤسس مدونة السرد المقاومة التي تحدثت أول ما تحدثت، عن التراب الفلسطيني والصهاينة والمكان، والزمان، والأبطال والأحزان الطوال التي استنبتها الضعف العربي من جهة، والظروف القواتل التي ربخت على صدر أمة العرب قروناً طوالاً من جهة ثانية، ليس صحيحاً أن كتّاب السرد الفلسطيني هم من أسسّ مدونة السرد المقاوم، وعبر فن القصة القصيرة على وجه التحديد، وإنما كان المؤسس لهذه المدونة الدكتور عبد السلام العجيلي الذي كتب قصصاً لو قيّض للمرء أن يعتصرها لسالت منها دماء كثيرة، وأحزان كثيرة أيضاً، ومواجع لا تنتهي!».

العجيلي الدبلوماسي
أما محور «العجيلي السياسي والدبلوماسي» فتناولته الدكتورة منيرة فاعور وقالت: «هناك عدة عوامل جعلت منه شخصية سياسية ريادية منها: «شغفه بالقراءة قبل بلوغه العاشرة من عمره ولاسيما قراءة كتب التاريخ القومي الإسلامي وغيره، ومعايشة الأحداث في سورية التي كان صداها وتأثيرها يصل إلى بلدته، تأثره بما رأى وسمع من تدخلات الفرنسيين في الانتخابات وتهديداتهم للمنتخبين الثانويين «ليصوتوا للمرشح العميل لهم».
وأضافت فاعور إن أول عمل سياسي انخرط فيه هو: «مشاركته في جمع التبرعات لمنكوبي فيضانات القلمون التي حلّت عام 1933 فأصبح بذلك ممثلاً رسمياً للصف، وفي عام 1937 تغير مجرى حياته جذرياً عندما كان في طليعة المضربين والداعين إلى الإضراب العام، والخروج إلى الشارع للتنديد والاحتجاج ضد المحتل الفرنسي الذي تنازل عن لواء اسكندرون للأتراك، واستلم رئيس لجنة الطلاب في الجامعة وهذا ما فرض عليه المشاركة الفعالة في كل النشاطات الطلابية والنشاطات السياسية، وفي عام1947 انتخب نائباً عن الرقة في مجلس النواب، ولم يكد يبدأ عمله السياسي حتى وقعت نكبة فلسطين عام 1948 فتطوّع في جيش الإنقاذ».

حلب حاضرة في منجزه
وعن الفضاء الحلبيّ في عالم العجيلي الروائي تحدث الدكتور نضال الصالح قائلاً: «يبدو أن الفضاء الحلبي، جغرافية، وتاريخياً، وبشراً، وعلاقات، وقيماً، وطقوساً اجتماعية، واحد من أبرز فضاءات التخييل في المشهد الروائي السوري، ليس بوصفه أحد أبرز أجزاء الجغرافية السورية فحسب، بل بوصفه أحد أكثر هذه الأجزاء امتلاءً بما يمكّن فعالية الإبداع من تشييد فضاءات زاخرةٍ بالدلالات أيضاً، ولئن بدا بدهياً، أو ربما كان كذلك، أن يكون هذا الفضاء مكوّناً أساسياً من مكونات العالم الروائي لدى سواهم من كتّاب الرواية في سورية، ولاسيما لدى عبد السلام العجيلي الذي يعد أكثر هؤلاء الكتاب حفاوة به واشتغالاً عليه».
وأوضح الصالح أن هذه السمة لا تتجلى لدى العجيلي من خلال انتماء معظم شخصياته الرئيسية إلى هذا الفضاء فحسب: سليمان عطا الله في روايته الأولى «باسمة بين الدموع»، ونديم الساعي في روايته المشتركة مع أنور قصيباتي «ألوان الحب الثلاثة»، وطارق عمران في رواية «قلوب على الأسلاك»، وسامي في رواية «أزاهير تشرين المدماة»، بل تتجاوزها إلى معظم شخصياته الثانوية أيضاً، ولئن كانت هذه السمة المميزة لعالم العجيلي الروائي تنتمي إلى ما يصطلح عليه بـ«التفاعل النصي الذاتي»، أي تفاعل نصوص الكاتب الواحد بعضها مع بعض، فإن هذا التفاعل نفسه يضمر في داخله تفاعلات نصية ذاتية ثانوية أخرى، ومن أبرزها أن الشخصيات الرئيسية التي تنتمي إلى هذا الفضاء، باستثناء نديم الساعي، ينحدر من أصول ريفية، وينتمي إلى منطقة بعينها من الجغرافية السورية، هي الشمال، فسليمان من «قضاء من أقضية حلب في الشمال»، وتتجلى السمة نفسها لدى بعض الشخصيات الثانوية أيضاً، كالمجنّد عبد اللـه رجب الذي ينتمي إلى بلدة في الشمال أيضاً، إلى «حارة السيّاد، في بلدة اعزاز».
وأفاد الصالح أن الدكتور عبد السلام العجيلي هو ابن مدينة الرقة التي تتوسد ساعد الفرات العربي السوري البهي، وكانت له وقفات حقيقية فيما يعني حلب، إذ تلقى تعليمه الإعدادي والثانوي في مدينة حلب، ثم انتقل إلى دمشق واستقر فيها ليتابع دراسته في المرحلة الجامعية في كلية الطب، لكن عبد السلام العجيلي الذي عشق حلب لم ينسَ هذه المدينة التي كان لها دور كبير في تنشئته الأدبية، وحلب تتجلى في روايات العجيلي فنكتشف ونحن نقرأ رواياته أن حلب حاضرة في هذا المنجز الروائي كما في رواية (المغمورون)».
ويذكر أن من أهم مجموعاته القصصية: «ساعة الملازم، الحب والنفس، الخائن، قناديل أشبيلية، بنت الساحرة، رصيف العذراء السوداء، فارس مدينة القنيطرة، الخيل والنساء»، أما أهم إسهاماته في الرواية فكانت «باسمة بين الدموع، قلوب على الأسلاك، أزاهير تشرين المدماة، ألوان الحب الثلاثة، حب أول حب أخير سعاد وسعيد، أرض السياد، قطرات دم، جيش الإنقاذ»، وكانت له إسهامات في أدب الرحلات مثل: «حكايات من الرحلات، دعوة إلى السفر»، توفي عبد السلام العُجيلي في 5 نيسان عام 2006 ودُفن في مسقط رأسه في مدينة الرقة.