الطقس في المثل.. كانون كنّ وعالفقير حنّ

| منير كيال

أحاط المثل الشعبي بجميع جوانب حياتنا على مدى أيام الحول، حتى لكأن هذا المثل يحكي حياتنا، بما فيها من أخذ وعطاء وسلب وإيجاب ومواقف.
وقد حرص الإنسان على التعامل مع المثل الشعبي، لما لهذا المثل من دلالة، ذلك أن هذا المثل قد تمخض عن التجربة والمعاناة التي عاشها الإنسان، فيأتي إيراده خلال التحادث كالملح على الجرح. ومن هذه الأمثال ما كان بأحوال الطقس والمناخ من حر وقر، وصحو أو غيوم، وما يرافق من تهطال.
وسنحاول في هذا البحث الوقوف مع أحوال الطقس في المثل الشعبي بإلقاء بعض الأضواء على ما كان للمثل الشعبي من دور في إقرار حالة الطقس، والقول الفصل في ذلك من دون لبس أو غموض، حتى لكأن هذا المثل قانون يجب الالتزام بما يقوله هذا المثل أو ذاك، مما انطبق على الجيل الذي سبقنا وينطبق على جيلنا بل على الأجيال اللاحقة.

فقد أدرك أسلافنا دور المثل الشعبي في تقرير وضع الطقس على الزراعة والأشجار المثمرة، فعملوا على التكيف مع هذه الظروف تارة، ومداراة صروفها تارة أخرى، توخياً للسبل التي تحد من الإضرار بمزروعاتهم، إضافة إلى ما توارثوه من أصول زراعة الأرض، ومعرفة طبيعة التربة وحاجاتها من الأسمدة، وتوصلوا إلى معرفة مواقيت زراعة كل صنف بما يعرف بالدورة الزراعية للأرض.. وصولاً إلى جني أفضل المحاصيل كماً ونوعاً.
وقد تطلب ذلك رصد ما حولهم من البيئة وأحوالها، من حرّ وقرّ وتهطال كما أشرنا، وما قد يرافق ذلك من رياح أو نسيم. وصاغوا هذه المعارف بأمثال شعبية اعتبرها الباحثون بمنزلة القوانين التي تنظم البيئة، ولا يجوز الخروج عنها، الأمر الذي جعل الفلاحين يعمدون إلى توظيف مضمون هذه الأمثال فيما يعود على محاصيلهم بالخير الوفير، ومن ثم تجنيب تلك المحاصيل كل مكروه.. فعمدوا إلى متابعة خصائص فصول السنة، وخلعوا عليها صفات استنبطوها من الملاحظة الدقيقة، والرصد، وربط الأمور بمثيلاتها لكل صغيرة وكبيرة على مدار أيام الحول، وكان ذلك من خلال مقولات أو كفايات صقلتها التجربة والمعاناة فسارت مسار الأمثال.
فالخريف في بلادنا فصل انتقالي بين الصيف والشتاء، وفي هذا الفصل تكثر التبدلات الحرارية بين حرّ وقرّ، ففي هذا الفصل تقطع أشعة الشمس في حركتها الظاهرية برج الميزان والعقرب والقوس فتقضي في عبورها برج الميزان ثلاثين يوماً، وتقضي في عبورها برج العقرب تسعة وعشرين يوماً وثلثي اليوم، كما تقضي في عبورها برج القوس تسعة وعشرين يوماً وثلث اليوم.
وعلى الرغم من بداية فصل الخريف جغرافيا في يوم 23 أيلول حيث يكون ما يسمى الاعتدال الخريفي فإن الشمس تكون في حركتها الظاهرية حول الأرض متعامدة على الدائرة الاستوائية، ويكون طول الليل مساوياً لطول النهار، وينتهي هذا الفصل في أواخر شهر تشرين الثاني، وعلى الرغم من ذلك فإن فصل الخريف في بلادنا مناخياً يبدأ مع بداية شهر أيلول بسبب تبدل معدل الحرارة نحو البرودة، وبالتالي فإن الاختلافات المناخية تكون واضحة.
وقد عكست أمثالنا الشعبية ذلك بوضوح، فهم يعتبرون أن عيد الصليب الذي يقع يوم 14 أيلول هو الحد الفاصل بين بحبوحة الصيف، وانكماش فصل الخريف، ويطلقون على الأيام التي تلي عيد الصليب أيام العبور وفي ذلك المثل القائل:
(صلّب واعبر)
كناية عن الاستقرار في البيت كما أنهم يكنون عن قصر أيام فصل الخريف بقولهم:
(أيام الزيت.. أصبحت أمسيت)
وهم يعنون تهطال الأمطار في شهرأيلول بالمثل القائل:
(أيلول.. ذنبه (أواخره) مبلول).
كما أنهم يكنون عن تهطال الأمطار، وضرورة قيام رب الأسرة بتوفير حاجات الأسرة من كساء وغذاء ووقود بقولهم: (غيم الرمان يبشر العريان).
أما في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني (تشارين)، فيتبدل الطقس فيهما من يوم لآخر، فقد تمر أيام يسود بها البرد والأمطار في شهر تشرين الأول، ويتسارع الناس إلى التكيف مع هذه الأجواء، من مأكل وملبس، وفرش للبيت وتدفئة، ثم لا يلبث الصحو أن يعود، والدفء يسود، حتى إن الناس يشعرون أن الصيف قد عاد ثانية فقالوا في ذلك: (بين تشرين وتشرين صيف ثانٍ).
(من لم يشبع من العنب والتين، يشبع من ماء تشارين).
وقد تميز فصل الشتاء بأمثال شعبية تحكي قصص الناس وسلوكهم أيام هذا الفصل، ومن ذلك قولهم للدلالة على ما ينجم عن تهطال الشتاء من أمطار وثلوج من خيرات الأرض وثمارها، في المثل التالي: (لولا الشتي ما شفنا يوم هني).
وقولهم فيما تتطلبه أيام الشتاء من مأكل وملبس وما يتبع ذلك من مفروشات للبيت المثل القائل:
(الشتاء أكابرلي)
وهم يستثقلون أيام البرد في فصل الشتاء ويتضايقون منها، فيقولون في المرء الذي لا يرتاحون إليه تشبيهاً بأيام الشتاء بأنه:
(مثل برد الشتاء)
بل إنهم ذهبوا إلى أن ما يصيب المرء من وعكات صحية سببه برد الشتاء فقالوا:
«البرد أساس كل علة»
ومن أقوالهم في برد الشتاء: «دخان يعمي ولا برد يضني».
وقد قسموا فصل الشتاء إلى قسمين، الأول أطلقوا عليه اسم المربعانية لأنه يمتد أربعين يوماً، وأطلقوا على القسم الثاني من فصل الشتاء اسم الخمسينية لأنه يمتد خمسين يوماً.
تبدأ المربعانية يوم 21 من شهر كانون الأول وتستمر حتى نهاية شهر كانون الثاني، وهذه المربعانية ثقيلة على النفوس لبردها القارس وأمطارها ووحولها، وقد شبهوا من يتضايقون منه بطين الشتاء وقالوا عنه:
«مثل طين الشتاء»
وهم يرون أن برد أيام المربعانية ينفذ من الجدران إلى عظم الإنسان، الأمر الذي يبرر انتظارهم انقضاء أيام المربعانية بفارغ الصبر، ونظراً لما تتطلبه أيام «المربعانية» من مسلتزمات، من مأكل وملبس وتدفئة كان المثل القائل:
(والشتاء شدة)
فضلاً عن ذلك فإنهم يذهبون إلى أن شدة برد أيام المربعانية لا يكسرها إلا تساقط الثلوج فقالوا:
«إذا أثلجت أفرجت»
لما يعقب تساقط الثلوج من انقشاع للسحب وسطوع للشمس ولهم رأي بالثلوج المتساقطة، وتذوق الإنسان لهذه الثلوج فقالوا عنها:
«أول مرة سم، وثاني مرة دم، وثالث مرة كول ولا تهتم» ونظراً لظروف الطقس بأيام المربعانية، فهم ينصحون المرء التزام داره وأن يقلل من تجواله، وذلك بعد توفير مؤونة البيت فقالوا في ذلك:
«بكانون كن ببيتك، وأكثر حطبك وزيتك»
فضلاً عن ذلك فإنهم ينصحون بعدم نسيان الفقير الذي لا يتمكن من توفير مستلزمات الوقاية من البرد لأسرته فقالوا في ذلك:
«بكانون كن.. وعالفقير حِنّ»
أما خمسينية الشتاء، فهي أخف وطأة من المربعانية، وهي تمتد من بداية شهر شباط حتى يوم 21 آذار، وقسموا هذه الخمسينية إلى أربعة أقسام تعرف باسم السعود، ومدة كل من هذه السعود 12.5 يوماً وهي: سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الخبايا.
فسعد الذابح يمتد من 1 إلى 12.5 شباط، وهو أكثر سعود الخمسينية برودة، ويكثر فيه هرير الكلاب وفي ذلك قول المثل الشعبي: «سعد دابح بيخلي الكلب نابح».
ولعل هذه التسمية لما يرافق أيام هذا السعد، من شدة للبرد والأنواء. ومنهم من يذهب إلى القول بربط هذه التسمية بترافق ظهور نجم شمالي مع ظهور نجم جنوبي خفيف، يبدو كأنه يهم بذبح النجم الشمالي.
ويأتي سعد بلع بعد سعد الذابح، ويمتد من منتصف اليوم الثاني عشر من شهر شباط، حتى نهاية اليوم الخامس والعشرين من الشهر نفسه، ويتميز بكثرة أمطاره، وبقدرة الأرض على ابتلاع ما يصيبها من أمطار:
وفيه يقول المثل الشعبي:
«بسعد بلع السماء تمطر والأرض تبلع»
ونظراً لبرودة أجواء سعد بلع وكثرة أمطاره ورياحه يقول المثل:
«حماك الله من سعد بلع»
أما سعد السعود فهو من يوم 26 شباط حتى منتصف اليوم العاشر من شهر آذار، وتكون بهذا السعد نهايات فصل الشتاء، وهم يطلقون على الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر شباط، مع الأيام الأربعة الأولى من شهر آذار اسم المستقرضات أو أيام العجائز فضلاً عن هذا تكثر الينابيع في أيام سعد السعود، وتدب الحياة في أغصان الأشجار ومن الأمثال الشعبية بهذا السعد قولهم:
«بسعد السعود تدب المي بالعود ويدفأ كل مبرود»
«بالمستقرضات عند جارك لا تبات»
«بعد نوّة الحسوم.. نزّل مركبك بيعوم»
لما يرافق أيام المستقرضات من برد شديد، لدرجة أنهم يرون أيام هذه المستقرضات أيام شؤم.
ويبدأ سعد الخبايا باليوم العاشر من شهر آذار، ويكون الطقس خلاله بين الصحو والغائم، فضلاً عن الرياح، ومن الأمثال بهذا السعد قولهم: «بسعد الخبايا تتفتل الصبايا».
والخبايا هي الزواحف التي تخرج من أوكارها بهذا السعد، ومن الأمثال التي قيلت بخمسينية الشتاء:
«هواء الخمسان بيشقق القمصان»
«شباط ما على كلامه رباط»
«شباط بيشبط وبيلبط»
وذلك لعدم استقرار الطقس بشهر شباط.
ونجد في فصل الربيع عدم استقرار الطقس، ويبدأ هذا الفصل من يوم 21 آذار ويمتد إلى يوم 21 حزيران، لكن تباشير الدفء تكون مع بداية شهر آذار، وحتى نهاية شهر نيسان، لأن شهر أيار أقرب مناخياً إلى فصل الصيف، وهذا لا يمنع تهطال الأمطار في شهر آذار وفي ذلك قولهم:
«خبي فحماتك الكبار لعمك آذار».
«إن أقبلت آذار رواها، وإن أدبرت آذار وراها، لذلك فإن موجات البرد تكون متوقعة حتى يحين عيد الفصح.
وهم يكنون عن تباشير الدفء في شهر نيسان بقولهم:
«إذا صارت ورقة التين أد (قد) رجل البطة، نام ولا تتغطى».
أما الأمطار التي تهطل في شهر نيسان فيقول عنها المثل الشعبي «مطرة نيسان تحيي السكة والفدان».
لأنهم يتفاءلون بأمطار هذا الشهر، حتى إن منهم من كان يستشفي بهذه الأمطار قصد التبرك وكانوا يكثرون الخروج إلى المتنزهات بسيارين للتمتع بجمال الطبيعة بشهر نيسان وهم يقولون في ذلك:
«أحسن دواء شم الهواء»
كما أنهم يحرصون على أن يعمل الفلاح بأرضه دون أرض الآخرين لحاجة الأرض إلى أصحابها، فقالوا في ذلك:
«بنيسان لا تكرِ نفسك لإنسان»
«نيسان بيطعمي الجوعان وبيكسي العريان»
فإذا كان شهر أيار، تأخذ الحرارة بالاعتدال ويستقر الطقس وتنضج المحاصيل، فكان المثل القائل:
«بأيار حميل منجلك واندار»
وفي فصل الصيف يستقر الطقس وترتفع درجة الحرارة، ويمتد هذا الفصل منذ يوم 21 حزيران حتى 23 أيلول.. ولهم به أمثال، نذكر منها:
«بساط الصيف واسع»
«الصيف كيف»
ونميز في فصل الصيف قسمين، الأول يعرف باسم المربعانية وهو بين 23 حزيران حتى نهاية شهر أيلول، وهم يكنون عن شدة حرارة الصيف بقولهم:
«شوب جهنم» ويقولون عن شهر حزيران بأنه: «طباخ المشمش».
أما القسم الثاني من فصل الصيف فهو ما يعرف باسم الخمسينية: ومدته خمسون يوماً، وهذه الخمسينية أخف وطأة في حرارتها من حرارة أيام المربعانية.
من بداية شهر آب حتى 23 أيلول وهي مقسومة إلى أربعة سعود، وهذه السعود هي: سعد اليباس، وسعد الشوب، وسعد اللهاب، وأخيراً سعد الخبايا، أما مدة كل من هذه السعود فهي 12.5 يوماً ومن الأمثال المتداولة في خمسينية الصيف:
«بتموز بتغلي المي بالكوز»
«آب اللهاب».