الرئيسية | ثقافة وفن | نهر بردى رئة دمشق ونعيمها … المدينة تشرب بالطوالع التي تؤمن المياه بنظافة تامة

نهر بردى رئة دمشق ونعيمها … المدينة تشرب بالطوالع التي تؤمن المياه بنظافة تامة

| منير كيال

من المسلم به أن دمشق هبة نهر بردى، فلولاه ما كانت دمشق، وما كانت الحضارات التي شهدتها هذه المدينة على مدى التاريخ، ذلك أن لتوافر المياه التي يقدمها هذا النهر لدمشق دوراً في قيام هذه المدينة، على ما كان للبيئة الجغرافية من أثر.
فقد عمد الدماشقة من أقدم العصور، إلى التفنن في توفير المياه اللازمة لحاجاتهم العامة والمنزلية، فضلاً عن ري غوطة هذه المدينة، وكان ذلك منذ العهد الآرامي، وذلك وفقاً لما تتطلبه حاجات المدينة وأهلها بمرافقها العامة. فلما كان العهد الأموي تعاقبت جهود توفير المياه وتوزيعها، الأمر الذي أدى إلى اتساع مساحة الأراضي الزراعية، وبالتالي نشوء قرى جديدة بالغوطة، وأصبح الماء يشاهد في كل مكان من دمشق، ذلك أن أسلافنا استفادوا من كل قطرة من مياه نهر بردى، فحفروا الأنفاق، وشقوا القنوات عبر الصخور وجروا المياه إلى كل بيت ومرفق بدمشق فضلاً عن ري بساتين الغوطة.

طريق بردى وفروعه
ينبع نهر بردى من وادٍ ضيق بسفوح جبال لبنان الشرقية، وما أن يسير النهر بسهل الزبداني حتى يتغلغل في الصحراء، ويكاد يغيب لولا مياه نبع الفيجة، التي تعيد لنهر بردى الحياة ومتابعة الجريان. وقد عمل الإنسان على حمل مياه بردى بعيداً عن مجرى النهر، وكان ذلك من أسباب توسع عمران مدينة دمشق، ولولا ما قام به الإنسان من حمل مياه النهر المشار إليه لكانت مياه النهر تتجاوز الشريط الضيق من الخضرة، الذي على جانبي مجرى النهر.
قام الإنسان منذ أقدم العصور بتفريع قناتين عن يمين مجرى النهر وقناتين عن يساره بين بلدة الهامة وموقع الشادروان، فضلاً عن القناتين اللتين اشتقتا عن يمين مجرى النهر عند الشادروان وبعد خروج النهر من خانق الربوة، ومن ثم تنتشر مياه هذه القنوات مع ما تبقى من مياه نهر بردى في مدينة دمشق على شكل مروحة تؤمن المياه لمدينة دمشق وغوطتها. وجدير بالذكر القول: إن اشتقاق هذه القنوات بمنطقة جبلية وعرة صلبة يعتبر من الأعمال المدهشة التي تشهد على ما وصل إليه أسلافنا من حضارة وتفنن، في وقت لم تكن تتوافر فيه الأدوات الحديثة اللازمة للحفر، وهذه القنوات هي: قناة يزيد وثورا والداراني والمزاوي وقنوات وبانياس.
• وقد اشتقت قناة يزيد عند بلدة الهامة، وهي تعود إلى العهد الروماني، وطورت أيام الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أما مجرى هذه القناة فمعلق على سفوح الجبال حتى موقع الربوة، وهذه القناة تموّن منطقة المهاجرين والمالكي والعفيف والصالحية وحي الأكراد.
• أما قناة ثورا، فيعود اشتقاقها إلى العهد الآرامي، وكان اشتقاقها عند بلدة دمر، وتشترك مياهها مع مياه قناة يزيد، بتوفير المياه اللازمة للمناطق المتاخمة للسفح الجنوبي لجبل قاسيون، وتشمل منطقة الصالحية، وما تبقى من حي المهاجرين والحواكير وأبي رمانة فضلاً عن الشعلان والجسر الأبيض، فشارع ركن الدين، وشارع بغداد، وحي سوق ساروجة والعمارة والقصاع والتجارة.
• كما اشتقت قناة الداراني عند موقع الطريق العام مع السكة الحديدية ومجرى هذه القناة عبر الأنفاق حتى خانق الربوة حيث تتوجه مياهها نحو كفر سوسة وباب السريجة والفحامة، وبعض أراضي حي الميدان.
• أما قناة المزاوي، فإنها تتفرع عن نهر بردى قبيل بلدة دمر ومياهها مكشوفة أول الأمر، ثم تختفي بالإنفاق، إلا من فتحات (ضوايات) تساعد على تعزيل هذه القناة، ثم تختفي هذه القناة قبيل خانق الربوة، وهي تخترق خانق الربوة راسمة الحدود بين الأراضي المروية عن يسارها ويمينها.
• ويعود اشتقاق قناة قنوات إلى العهد الروماني، وهي تتفرع عن نهر بردى على ارتفاع عشرة أمتار عن المجرى الرئيسي لنهر بردى، وقد رفع الرومان مياه قناة قنوات فوق قناطر لإسالة المياه إلى أكثر مناطق مدينة دمشق القديمة ارتفاعاً عبر ما يعرف بالطوالع، أما موقع تفرع قناة القنوات، فهو عند موقع الشادروان.
• وتعد قناة بانياس أهم الشرايين التي تمد دمشق بالمياه، وهي تتفرع عن الضفة اليمنى لنهر بردى، عند مخرج نهر بردى من خانق الربوة، وهي تساير في مجراها الحافة الجبلية المطلة على المزة ثم تنحدر إلى أسفل موقع جامعة دمشق متجهة إلى التكية السليمانية وشارع رامي وسوق العتيق، ومن مياهها ما يتجه نحو السنجقدار والسروجية والحريقة والشاغور، كما أن من مياهها ما يتجه نحو موقع السبعة طوالع والأموي ومنطقة النقاشات والقيميرية.
بذلك فإن مياه نهر بردى وفروعه تغطي مدينة دمشق، وتمدها بالمياه اللازمة لجميع مرافقها فضلاً عن أراضي الغوطة، وذلك من خلال شبكة توزيع محكمة، وهذه الشبكة تتماشى مع الطبيعة الجغرافية (الطبوغرافية) لجميع مناطق مدينة دمشق وبساتينها، وقد بدأت نواة هذه الشبكة في العهد الآرامي ثم تطورت عبر العهود اللاحقة، مع تطور احتياجات ومتطلبات العصر.

قنوات ومنشآت
أما منشآت توزيع هذه المياه فهي تعد إبداعاً فريداً، فقد عمد الإنسان منذ القدم على الإفادة من مياه نهر بردى، فحفر الأنفاق، وشق القنوات في الصخور، واشتق من النهر وفروعه القنوات والماصيات بما يتناسب والطبيعة الطبوغرافية لدمشق، ثم وزع تلك المياه على دور المدينة ومرافقها العامة عبر شبكة غاية في الإبداع والدقة، بوقت لم تكن تتوافر به القساطل ولا أدوات التحويل للضغط المعروفة في أيامنا وذلك بالاعتماد على نظام ما يعرف بالطوالع، مع المحافظة على النظافة التامة للمياه.
فشبكة توزيع المياه والحال هذه تعتمد على ثلاثة عناصر هي مأخذ المياه من النهر أو القناة والقساطل المستخدمة لذلك، وموزع المياه بذلك الطالع إلى أصحاب الحقوق من هذه المياه.
فالمأخذ هو فتحة على أحد جانبي النهر أو القناة، وهي تحدد كمية المياه التي يمكن أن تسيل عبر هذا المأخذ إلى القساطل المؤدية إلى الطالع.
أما القساطل فهي العنصر الثاني، وعبر هذه القساطل ينتقل الماء من النهر أو القناة إلى الطالع الذي يوصل المياه إلى مستحقيها، وهذه القساطل على أنواع وقياسات وفي جميع الأحوال يكون بأحد طرفي القسطل أكرة يُدخل بها القسطل الآخر عند التمديد أو التركيب.
أما طول القسطل فهو بين (20-25) سم وقطره بين (25-30)سم. وتركيب أو تمديد القساطل من اختصاص شخص يعرف بالشاوي. فيحفر لذلك خندقاً يمدد به القساطل بعد أن يفرش ذلك الخندق بما يُعرف بالتتخيتة وهي من الآجر. مستخدماً في ذلك الملاط المكون من الغضار الممزوج برماد وقود الحمام المعروف باسم القصرمل، ثم تمدد القساطل وتلحم على ذلك بملاط يُعرف باللاوونة. وهي من الكلس المطفي المعجون بزيت الزيتون. والقطن المندوف وذلك لمنع تسرب الماء من مكان تركيب أو إدخال القساطل ببعضها لدى تركيبها، وبعد ذلك يغطي الشاوي تلك القساطل الممددة بطبقة من المونة فوقها طبقة من الآجر أو الملاط.

توصيل المياه إلى مستحقيها
أما الطالع فهو العنصر الأساسي في شبكة توصيل الماء من النهر أو القناة إلى أصحاب الحقوق بهذه المياه. ويتألف الطالع من قسمين: الأول بناء هذا الطالع، والثاني موزع الماء بالطالع، فبناء الطالع يمكن أن يكون ضمن الجدار أو بارزاً أمامه، وفي هذه الحال يكون ارتفاع بناء الطالع بحسب كمية الماء المراد إيصالها إلى أصحابها أما موزع الماء بهذا الطالع فهو قطعة مربعة الشكل (غالباً ما تكون حجر البازلت) منحوت بها تجويف عمقه بين (10-15) سم على شكل بحرة بوسطها فتحة (فوهة) قطرها من (5-10)سم تعرف باسم الإماية، وعلى أطراف هذا التجويف الخارجية فتحات تسمى الواحدة منها: (عتبة) وهي منحوتة بعمق واحد، أما العرض فيختلف من عتبة إلى عتبة أخرى.

من الشاوي إلى الشبكات
وعبر هذه العتبات تمر المياه الواردة من القساطل إلى فوهة الإماية ثم إلى مستحقيها بإشراف الشاوي الذي يحول من دون عبث أي عابث بكميات كل من هذه المياه، عبر كل عتبة، ومن الجدير بالذكر أن عرض كل من هذه الفتحات يشرف عليها الفرضي. وهو الذي يقوم بفتحها أو حفرها يوزع الماء في الطالع، حسب الحصص المقررة بلا زيادة ولا نقصان، فلا ينال أحد من هذه المياه أكثر من حقه الذي توارثه أباً عن جد.
ولعل من الجدير بالذكر أن اختلاف عرض الفتحات هذه إنما هو دليل على تسلط المتنفذين وأخذ أحدهم أكثر مما يستحق من المياه.
وإذا تساءل أحدنا عن مصير شبكات المياه التي نحن بصددها، والتي كانت تمون مدينة دمشق بالمياه، فإن من الممكن القول إنه إذا استوجب التوسع العمراني الأفقي والشاقولي لمدينة دمشق عدم قدرة هذه الشبكات على تلبية احتياجات مدينة دمشق، كان لا بد من الاعتماد على أساليب أخرى لتموين دمشق بالمياه، كالآبار التي انتشرت بالكثير من الدور، ومن ثم مشروع جر مياه عين الفيجة. ولكن ذلك يتطلب الحفاظ على شبكة ري هذه المدينة وغوطتها، التي تعتبر من أقدم وأوسع شبكات الري بالعالم، لأن المساس بهذه الشبكة أو إهمالها إنما هو تنكر للتراث الذي تركه أسلافنا لنا.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من إنشاء شبكة صرف صحي مستقلة بعيدة عن شبكة ري دمشق القديمة، ومن ثم إعادة ري مدينة دمشق وغوطتها في إطار خطة تنمية لحوض نهر بردى واستثماره، بتخزين مياه فصل الشتاء، وذوب الثلوج في فصل الربيع للإفادة منها في فصل الصيف، لأن استخدام قنوات شبكة الري القديمة لسوق مطروحات المدينة أمر خاطئ.