حنين أم خط دفاعي أخير

| عبد المنعم علي عيسى

خطفت الأزمة كوريا الديمقراطية الأضواء من الأزمة السورية التي سيطرت على المنابر والمحافل الدولية وعلى فضائيات ومراكز الأبحاث العالمية، على امتداد ما يزيد على ست سنوات كانت ثقيلة، وللمرة الأولى خلا ذكر اسم سورية من الكلمة التي ألقاها الأمين للأمم المتحدة انطونيو غوتيرس في الخامس عشر من آب الجاري، وتلك كانت سابقة يجب أن تدون، فالرجل كما البوصلة وهو يمثل على الدوام نبض وهواجس المجتمع الدولي أو الأميركي، لا فرق، فالاثنان لم يتقاسما إلى اليوم إرثهما الذي آل إليهما.
كانت التراجم الميدانية لهذه الصورة الأخيرة تشير إلى حالة شلل أميركية فرضتها تطورات الأزمة مع بيونغ يانغ، مع ملاحظة أن واشنطن أصلاً سبق أن أعطت توكيلاً لموسكو خاصاً بإدارة وتسوية الأزمة السورية منذ لقاء هامبورغ بين الرئيسين الأميركي والروسي في السابع من تموز الماضي، أي ما قبل التوتر الكوري الأميركي الأخير، وفي الغضون عملت موسكو على تفعيل المؤثرات الإقليمية وجعلها تصب في خزانها السوري، مستفيدة بذلك من حالة توتر تركية إيرانية مع الولايات المتحدة بدت وكأنها لا أفق قريباً لها، وعليه فإن موسكو تطمح إلى تحويل ذلك التعاون الروسي التركي الإيراني القائم الآن في سورية، إلى تحالف من نوع ما، انطلاقاً من الزج بالعديد من المعطيات الجاذبة لكلا الطرفين حتى إذا ما تبلور ذلك المسعى أضحت مفاعيل المحاور الأخرى في المنطقة بلا جدوى، أو هي هامشية، وعلى رأسها المحور السعودي الإسرائيلي الذي يمر اليوم بمرحلة «الجذوة» المطعمة ببعض النشوة بعدما استطاع، كما يبدو، أن يوغر الصدر الأميركي اتجاه إيران وصولاً إلى زعزعة اتفاق فيينا المنجز في 14 تموز 2015 بعد أن ترسخ في ذهنية الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن ذلك الاتفاق هو الذي شكل المنصة والذريعة لطهران في مد أذرعها الإقليمية في المنطقة.
المشكلة، حتى لو كان هذا الكلام صحيحاً، فالبدائل تبدو كارثية لكن مع ذلك لا يبدو أن طرفي المحور يفكران لأبعد من إسقاط الاتفاق، وبعده فليكن الطوفان، وإلى أن ينبلج الفجر وتتضح الرؤيا فإن واشنطن تبدو ماضية في محاصرة النفوذ الإقليمي الإيراني في سورية والعراق واليمن ولبنان، ومن المؤكد أن حالة الانفتاح السعودية الحاصلة مؤخراً على قيادات شيعية عراقية مناهضة لإيران، كانت بإشارة وتوصية أميركيتين، وما كان لها أن تحدث لولا «الرص» الأميركي، واللافت هنا هو أن الرياض كانت قد سعت في خلال حالة الانفتاح سابقة الذكر، نحو الاستناد على بغداد كجسر عبور إلى الضفة الشرقية الإيرانية قبيل أن يعلن مسؤول سعودي لم يذكر اسمه في 17 آب الجاري، بأن التقارب مع طهران هو أمر مرفوض لأنها تدعم الإرهاب والتطرف، ولربما كانت التقديرات السعودية الخاطئة، كما جرت العادة، هي التي كانت تقف وراء إخفاق المحاولة التي فشلت في الإضاءة حتى ولو لدقائق معدودات، فالرياض اعتقدت أن تقارباً مع الفصائل الشيعية العراقية المعارضة لإيران، من شأنه أن يشكل عنصراً ضاغطاً على هذه الأخيرة ولسوف يجبرها على تليين مواقفها والنزول من «البرج»، إلا أن العكس هو ما حصل ولكأنما الرياض لا تدرك بأن أشد أنواع الخصومة هي تلك الخصومة الإيديولوجية التي كانت قائمة بين شقيقين كانا ينهلان من معين واحد ثم ما لبثا أن افترقا أمام إحدى المنعطفات العديدة في طرقات الإيديولوجيا والسياسة الطويلة.
إن المحاولة السعودية في العراق تبدو هامشية من حيث تأثيراتها، فالحليف العراقي ممثلاً بالسلطة المركزية ببغداد يسير من تعاف إلى آخر، ومن نجاح إلى أكبر، أما الدعم السعودي، وكذا الإماراتي، لاستفتاء الأكراد في شمال العراق المزمع إجراؤه في أيلول المقبل، فالراجح أن ذاك الفعل سوف يرتد سلباً على أعقاب الساعين والداعمين له، فالأكراد أثبتوا فعلياً أنهم الأكثر كفاءة والأكثر قدرة على خلق وتوحيد الجبهات المعادية لهم، حتى لا يمر حدث مهما يكن حجمه، إلا ويترتب على مفاعيله ولادة عدو جديد لهم، وكأنهم ماضون نحو جعل أنفسهم غصناً يابساً في المنطقة لا ضير في قصه أو الاستغناء عنه.
المحاولة السعودية في اليمن لضرب النفوذ الإيراني، تبدو هي الأخرى ثانوية، فالأزمة اليمنية تزداد تعقيداً كلما طال الوقت بها أكثر، ولربما أنتجت هذه المعادلة الأخيرة الخطأ الإستراتيجي السعودي الفادح في اليمن، فالواضح أن الرياض منذ أن أعلنت عن عاصفة الحزم في آذار 2015 كانت تعتقد أن الزمن في اليمن يعمل لمصلحتها، إلا أن ما جرى كان على النقيض تماماً من ذلك، فالسقوف السعودية ماضية من انخفاض إلى آخر أكثر انخفاضاً منه هناك، وهذا الواقع كفيل بتنامي المؤثر الخارجي لا ضعفه ومن «أولى» من الجار الإيراني بذلك؟
في سورية، تبدو المحاولة السعودية كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، فالحليف السوري لطهران ممثلا بالدولة السورية، يبدو اليوم هو الآخر أكثر قدرة وأكثر ثقة بالنفس من ذي قبل، وما قيل عن أن قيام منطقة خفض التصعيد في الجنوب السوري، إنما يمثل ضربة كبرى للدور الإيراني في سورية انطلاقاً من أن الهدف الإستراتيجي الإيراني الأكبر يتمثل بالوصول إلى جبهة تماس مباشرة مع إسرائيل في الجنوب السوري، هذا القول يمثل نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر فالمنطقة سابقة الذكر، في المجمل أدت إلى نزع ذرائع الجارين الجنوبي والجنوبي الشرقي لدمشق، والتي كانت تشكل أعذاراً لهما للقيام بتدخل عسكري أردني مدعوم أميركياً وإسرائيلياً، كان قد جرى الحديث عنه مطولاً لثلاث سنوات، وهذا بالتأكيد يعزز مكانة الحليف السوري ثم أن جبهة التماس الإيرانية المطلوبة مع إسرائيل، متوافرة في غير مكان، والأسلم هو أن يصمد عمقها الإستراتيجي الذي تمثله كامل الجغرافية السورية من أن يولد في هذا الأخير جبهة تماس أخرى مباشرة مع إسرائيل، ثم إن مناطق خفض التصعيد كأنها جاءت كـ«ختامها مسك»، فلربما سرعت هذه الأخيرة في إنضاج مناخات، أو هي أدت إلى تكاثفها أو تجمعها كمؤشر دامغ على متحول جذري جرى في النسيج المجتمعي السوري ظهر ذلك في تلك النزعة الشعبية السورية العارمة التي تحمل بين ثناياها حنينا صارخا لمناخات شباط 2011 أو تموز 2010 أو آذار 2009، ولربما كانت تلك الحالة طبيعية قياسا للمآلات التي تهادت باتجاهها الأحداث السورية، فالوصول إلى طريق مسدود كان على الدوام مدعاة لبروز نزوع أو حنين إلى الماضي، وفي حالتنا السورية لم يعد هناك كما يبدو من خطة ب أو ج أو سواهما، كما لو أن الحلفاء كلهم باتوا في «دسكرة» وحيدة، ولذا فإن الحلم بالأمن والاستقرار بات أجدى، أليس كذلك؟
هذه النزعة كانت مرئية في شعوب الاتحاد السوفييتي في أعقاب سقوط وتفكك هذا الأخير عام 1991 وعندما تبدت حجم الكوارث التي تحملها الكيانات الجديدة، تنازع الشارع الروسي كما الآخرين حنيناً إلى أيام الشيوعية الحاملة معها الأمن والاستقرار ورغد العيش، وفوق ذلك كله حاملة «الهيبة» التي بات يفتقدها المواطن الروسي في شتى أصقاع الأرض، فأثقال البشر في الخارج هي بالتأكيد نتاج مباشر لأثقال ونجاحات بلدانهم.
بشكل ما، يمكن تفسير تلك النزعة على أنها تعتبر خط دفاع أخيراً تختلقه الذات الفردية أو الجمعية لكيان أو تنظيم أو مجتمع كوسيلة لحماية الذات من الفناء حين الوصول إلى مهاو تنعدم فيها الاحتمالات، ليبقى أمامها احتمال وحيد، كما حملت تلك المناخات ظاهرة أخرى بالغة الدلالة وهي تتمثل بتنامي حالات التأييد الشعبي للسلطة في المناطق التي كانت خاضعة لحكم داعش أو جبهة النصرة أو لحركة أحرار الشام الإسلامية انطلاقاً من مقارنة الشارع فيها بين الواقعين الراهن والسابق الذي كان سائداً ما قبل الأزمة.
بتنا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، سوف تشكل فيها التقاطعات الوليدة، حالة ضاغطة على محاوري جنيف وأستانا، أيضاً بات اليوم كثير من الطروحات السابقة مسار تندر أو استغراب أو حتى مدعاة للسخرية في كثير من الحالات.