صورة الثورة الجزائرية في الصحافة السورية … دراسة لتوجهات الرأي العام السوري وتياراته السياسية

| سارة سلامة

لم تكن بلاد الشام في التاريخ الحديث ممراً أو معبراً عادياً للحجاج والمهجرين المغاربة، بل كانت نقطة ارتكاز لمتابعة المسيرة الحضارية مع الإخوة السوريين، متضمنة الأمان والتزود الثقافي والفكري من علماء الشام، والتواصل مع أهلها بحكم ما عرف عنهم من طيبة ومودة، إضافة إلى زيارة معالمها التي تشكل منارات هداية وعمران حضاري.
ومن هذا المنطلق اختار الأمير عبد القادر دمشق ملجأً وموطناً مع رجاله وأهله ومؤيديه، فصار فيها زعيماً يشار إليه بالبنان وحظي بالتفاف جماهيري من أهالي الشام بمختلف فئاتهم وطوائفهم.
الأمر الذي يبين العلاقة التاريخية بين أهالي الشام والشعب الجزائري خاصة والمغاربي عامة.
وهو ما تعالجه هذه الدراسة من خلال موقف الشعب السوري من ثورة التحرير الجزائرية، حيث صدر عن وزارة الثقافة- الهيئة السورية للكتاب، كتاب بعنوان الثورة الجزائرية وهو عبارة عن دراسة لمواقف التيارات السياسية في الصحافة السورية من «1955-1957م»، للدكتور أحمد حلواني، ويضم الكتاب ستة فصول وهي: نبذة عن تاريخ الصحافة السورية، سورية وانطلاقة الثورة الجزائرية، الثورة الجزائرية في الصحافة الحزبية السورية، الثورة الجزائرية في الصحافة السورية غير الحزبية، الثورة الجزائرية في الشعر السوري، والفصل الأخير يتناول جوانب إعلامية أخرى.
من أجل حرية الأمة العربية
وذكر حلواني في مقدمة الكتاب أن الحقائق المعروفة تشير إلى أن الثورة الجزائرية شكلت منعطفاً تاريخياً بارزاً، ليس في حياة الشعب الجزائري فحسب، وإنما في حياة شعوب الأمة العربية كلها، وكما أن هذه الثورة وحدت قوى الشعب الجزائري الحية حولها، فإنها استطاعت أيضاً أن توحد التيارات السياسية المختلفة في الوطن العربي كله حولها، وأن تبعد ما كان من خلافات سياسية بين هذه التيارات، لكي تمضي في سبيل الدفاع عن الثورة والالتفاف حولها، وتقديم كل ما يمكن من أجلها.
ولقد كانت سورية في مقدمة الأقطار العربية التي أعلن شعبها عن تأييده المطلق للثورة الجزائرية، وتعلقه بها، واستعداده لكل تضحية في سبيلها.
فعندما اندلعت الثورة الجزائرية، كانت سورية تمر بمرحلة تاريخية عاصفة، تحيط بها المؤامرات والأحلاف من كل الجهات ورغم ذلك فقد أصر الشعب السوري على تثبيت أصالة وجوهر الروابط المصيرية مع الشعب الجزائري، وأحكم انطلاقته مع الثورة الجزائرية في مسيرته الكفاحية المعادية للاستعمار، وقهر الشعوب، ومن أجل حرية الأمة العربية التي تمثل الجزائر عمقها وكرامتها.
لهذا فإن دراسة صورة الثورة الجزائرية في الصحافة إنما تمثل أيضاً دراسة لتوجهات الرأي العام السوري وتياراته السياسية المختلفة من دون استثناء.
وهذا التوجه يقودنا إلى طرح إشكالية هذه الرسالة، وهي: ماذا قدمت الصحافة السورية للثورة الجزائرية في رسالتها الإعلامية؟ وكيف صورتها؟
وينبثق عن هذه الإشكالية تساؤل واحد شامل:
ما الدوافع الحقيقية التي حركت الصحافة السورية نحو الاهتمام الكبير بالثورة الجزائرية؟
أما فرضية البحث فإنها تنكشف تلقائياً من طبيعة التساؤل وهي: كل الصحافة السورية على تباين توجهاتها التزمت بقوة بالثورة الجزائرية.

سورية وانطلاقة الثورة الجزائرية
لم يعرف التاريخ الحديث مأساة استعمارية بغيضة مثل مأساة الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1930م، فقد تجلى الاستعمار البغيض بأبشع معانيه، وانضوت سياسته وفلسفته في أقبح صورها وأشكالها، فلم يكتف باستغلال الأرض، ما فوقها وما تحتها، واستعباد الإنسان الجزائري، وتسخيره في شتى الميادين، ولكنه تعدى ذلك إلى تشويه التاريخ وإفراغه من الحقائق وذلك ليتمكن في المرحلة الأولى من فصل المجتمع الجزائري عن قاعدته المتينة التي يرتكز عليها، والمتمثلة في ثقافته الوطنية وما تحمله من ثروات روحية عارمة، ليتوصل في مرحلة ثانية إلى فرض هيمنته الثقافية، التي من عناصرها الأولى الاندماج المزيف والمسح والتذويب، بغية طمس المعالم القومية والثقافية والروحية للجزائر، ومحو الشخصية الوطنية للجزائريين.

الثورة الجزائرية والصحافة السورية غير الحزبية
وفي الفصل الرابع يتناول بالدراسة الصحافة السورية غير الحزبية التي ساندت ثورة الشعب الجزائري وقدرته تقديراً كبيراً وتوجهت إليه لتكون إلى جانبه، وقد مثل الصحافة غير الحزبية في هذه المرحلة التاريخية من الثورة الجزائرية كل من: صحيفة الأيام وصحيفة النصر.
صحيفة الأيام: كانت جريدة يومية سياسية وكان أصحاب امتيازها من كبار الزعماء السياسيين:
هاشم الأتاسي، الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية العربية السورية، ولطفي الحفار، وسعد اللـه الجابري، وهم من قادة الثورة السورية اللذين أصبحا أيضاً رئيسين لمجلس الوزراء، ثم ابراهيم هنانو، وعارف النكدي وفخري البارودي، وهم من أبرز القيادات أيضاً.
صدر العدد الأول منها في 10/5/1931، وقد شرحت رئاسة التحرير في افتتاحية هذا العدد توجه الجريدة موضحة أنها ما أنشئت إلا من أجل خدمة القضية الوطنية، والمصلحة القومية العربية عامة والقضية الشامية خاصة، وأن همها الأساسي هو خدمة الحركة الوطنية والاستقلال، وأنها ستسعى جاهدة من أجل بلوغ ذلك الهدف.

الثورة الجزائرية في الشعر السوري
انعكس موقف الجماهير السورية من الثورة الجزائرية على جميع فئات الشعب السوري وشرائحه بتخصصاته المختلفة، ويمكن أن نتوقف عند الشعراء لعلاقتهم بالإعلام الصحفي من جهة والمشاعر الحساسة والمعبرة من جهة ثانية، فأخذ الشعراء يتبارون في القصائد بألوان مختلفة للتعبير عن روح تأييد الجماهير لها ومباركتها ووضعها موضع القلب من الجسد كله.
ولقد كان الشاعر سليمان العيسى في مقدمة الشعراء الذين أفصحوا عن هذا التأييد لذلك أبدأ باقتطاف بعض الأبيات من قصيدة «ميلاد الشعب» التي أهداها إلى ثورة الجزائر.. وقود الفجر العربي الجديد.
لم أزرها هذه الأرض
التي تسقي الصباحا
بدمي، لم أنض كي
يولد تاريخي السلاحا
لم أكن خلف الصخور
السمر صدراً، وجراحا
تغسل الترب الذي
دُنس، والبغي الوقاحا؟
لم أزرها.. هذه الأرض
التي مدت جناحا
للأعالي، ورمت في
الدم للموت جناحا
جرحنا ذاك الذي
ينزف ناراً وكفاحا
واحد لم ينقسم
إلا ميادين وساحا
ثم يوضح هدفه بالاسم فيقول:
في عروقي، أنت في
آهاتنا، في كل خاطر
يا دويّ الصيحة الحمراء
في قلب الجزائر
كما أن الشعراء السوريين عموماً كانوا ينظمون القصيدة تلو القصيدة عن الجزائر وثورتها.
ونقتطف هذه الأبيات للشاعر ياسين الفرجاني، الذي كان محافظاً «والياً» لمحافظة حماة وسط سورية حين استقبل وفداً من الأخوات الجزائريات من جبهة التحرير الوطني الجزائرية زرن حماة عام 1960م زمن الجمهورية العربية المتحدة.
هذي أنا بنت الجزائر
عرباء أقتحم.. المخاطر
حطمت قيدي أستبين
الفجر في حلك.. الدياجر
أرض زرعت رمالها
للطامعين بها.. مقابر
يذكر رضا رصافي في الجزء الرابع من كتابه «على جناح الذكرى» الذي يتحدث فيه عن حكاية حياته وملامح مدينة حمص التي تقع في وسط سورية وفيها الكلية الحربية إلى جانب جامع الصحابي خالد بن الوليد، ويقول:
وفي صيف ذلك العام 1956 يلفت انتباهه، في مسجد الحي، ثلاثة شبان يؤدون الصلاة وأيديهم مسبلة، فيدرك أنهم من أتباع «المذهب المالكي»، ولا عهد للبلد بأتباعٍ لهذا المذهب، فيسأل عنهم ويعرف أنهم جزائريون، وأن لهم إخواناً أوفدتهم «جبهة تحرير الجزائر» إلى سورية، بعضهم لتلقي العلم في مدارسها، وبعض لتلقي التدريب العسكري في كليتها الحربية، حتى يعودوا للاشتراك في معارك الثورة الجزائرية التي كان قد مرّ على نشوبها سنة وبعض السنة، ويعرف بالمناسبة أن الجمهورية العربية السورية قد زودت الثورة من السلاح والعتاد الفرنسي الذي كانت قد تسلمته من فرنسا مع «جيش الشرق» يوم نالت استقلالها.
وهكذا فإن صورة الثورة الجزائرية في الصحافة السورية كانت صورة مشرقة عبرت فيها الجماهير عن آمالها الطموحة في النصر وتحقيق وحدة النضال العربي، وهذا ما يؤكد فرضية هذه الدراسة بتلاحم الصحافة والشعب بالثورة الجزائرية تلاحماً يرمز بصدق الى وحدة المصير.