كتاب يبحث عن عنوان زمن الحرب والدمار … إسكندر لوقا يوثق يوميات الحرب على سورية في قصص قصيرة جداً

| إسماعيل مروة

الحرب على سورية، الحرب على أرض سورية، حروب خارجية، علاقات عالمية، نظام عالمي جديد يبدأ من سورية، الأزمة السورية، كلها مسميات لما يجري على أرض سورية من حرب طاحنة عمياء، وفي كل الأحوال يبقى الإنسان السوري هو من يدفع ثمنها، وهو الذي يكتوي بنارها، وهو الذي يدفع دمه وحياته ثمناً لما يجري سواء كانت الحرب بأفعال داخلية أم خارجية، وكثير من المحللين والدارسين الذين ليسوا من سورية قرأت لبعضهم والتقيت بعضهم، لكن كتاباتهم تتركز حول قراءة الرائي غير المكتوي بأتون ما يجري، فمن يده في النار فليس كمن يده في الماء… هل سمعتم محللين عرباً يتحدثون عن الحرب في سورية؟! هل رأيتم حياديتهم في الانغماس وتنظيراتهم وأستذتهم عليك، وهم لا يفهمون مقدار ما دفع السوري من دمه وشهدائه وأرضه وماله واقتصاده؟!
في الحرب على سورية وحدها من دون العالم شهدت عدداً من المحللين الذين يمارسون هذه الأستذة ليعلموا السوري، وكأنهم يحللون الكرة الأرضية على مجسم لا تعرجات فيه.. وعدد من الأدباء كتبوا عن الحرب على سورية فجادوا بقصص وروايات كل ما فيها يخلو من السوري، وكأن سورية خلو من السوريين!
أين العنوان المراد؟
العنوان الذي اختاره د. لوقا لمجموعته القصصية ليس جديداً بشكل تام، فثمة كتب حملت عنواناً بلا عنوان، تبحث عن عنوان، أو أي شيء من هذا القبيل، ولكن الدراسات هي التي حملت مثل هذا العنوان الملغز، وفي ميدان القص من الصعب أن يترك العمل باحثاً عن عنوان، ومن المغامرة أن يترك قاص قصصه تبحث عن عنوانها، في الدرجة الأولى حملت سمة الكتاب، ولم تحمل سمة القصة بهذا العنوان الذي جعلها تخسر التجنيس الأدبي، وإن كان العنوان الفرعي يحاول أن يرسم معالمها.. إضافة إلى أن الغلاف لم يحمل أي رسم أو صورة، وهذا الفعل في القصة والرواية غير مسوّغ من دور النشر، فللقصص طريقة خاصة في إخراج أغلفتها، ومع ذلك ترك الدكتور الفاضل إسكندر لوقا مجموعته القصصية الحميمة تقابل قارئها مستفيدة من رهان القص، ومن إغراء القراءة.. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن ترك المجموعة تبحث عن عنوانها فيها من الحنكة ما فيها، فكما بدأت بأن تحليل ورواية الحرب على سورية صارت مرهونة بالآخر أكثر من ارتهانها للسوري الذي يعاني أوار الحرب!! فماذا سيطلق عليها من تسمية؟ سيأتي من يقول، وآخر يرفض، وثالث يصنف، وهكذا في سلسلة لا تنتهي، وكما قلت فإن الحرب على سورية وحدها كرست مفهوم الآخر وهيمنته على السوري، فهو أدرى، وهو أصدق، وهو أكثر خبرة!!
لذلك كانت حكمة البحث عن عنوان، وترك العنوان للقارئ ليضعه بنفسه، ربما اختار أحد عناوين القصص وأطلقها على المجموعة، وربما اختار صفة، وربما اختار سمة مشتركة ليصف بها المجموعة كلها. وخاصة أن أي نتاج يصدر عن أديب يعيش في سورية، ويصمم على عدم مغادرتها قد يوصف بأنه ينحاز إلى جانب النظام، والأمر أكثر تعقيداً لشخصية اعتبارية مثل الدكتور لوقا.. ولكن هذه المحاذير كلها لم تمنع الكاتب من تدوين قصصه، فمارس حقه والواجب عليه، ليدون قصصاً رآها وعاشها حتى يتقدم من ذاته راضياً بأنه لم يكن متلقياً سلبياً تجاه ما يراه وما يعيشه.

قصص قصيرة جداً
كثيرون من القراء والمتابعين ينظرون إلى الدكتور لوقا بشخصيته الأكاديمية والاعتبارية فهو أستاذ أكاديمي، وكاتب مقالة سياسية، وفي جوانب من إنتاجه هو مؤرخ على مستوى عال، وقليلون الذين يعرفون أن الدكتور لوقا بدأ قاصاً عام 1952، وله أكثر من مجموعة قصصية جاوزت عشر مجموعات، إضافة إلى عدد من الروايات، وهذا النتاج القصصي والروائي الثر لم يأخذ نصيبه من الذيوع لأن الكاتب لم يكرس جهوده لجوانب القص، وانزاح إلى الرأي والثقافة والسياسة، فغلبت الصفة البحثية عليه، وتفوقت على الصفة الإبداعية، وربما كانت هناك أسباب أخرى أجهلها أسهمت في تكريس وجوده كاتباً سياسياً على حساب الجانب الإبداعي.. وهذه المجموعة «كتاب يبحث عن عنوان» تنضوي تحت جنس القصة القصيرة، وفي بعض النصوص تحت ما يسمى القصة القصيرة جداً، تلك القصة التي تقدم فكرة محددة بسرعة وبحجم محدودين أيضاً، وضمن هذا الرأي تقرأ قصص هذه المجموعة من «عنوان القرية» إلى «زمن الفراغ» ففي تسعين صفحة قدم الكاتب اثنتين وأربعين قصة قصيرة هي من الومضات السريعة المعبرة، يدخل حدثها مباشرة، ليعطي العبرة في وقت قياسي.

أرشفة وتوثيق وخيال
«أمام جمع من الرجال وضعني الرجل بين مجموعة من النساء، وجرى تقييد أيدينا إلى وراء ظهورنا، وتحت الضغط كنا نقف الواحدة بعد الأخرى بينما المنادي يطرح سؤالاً من يريد هذه المرأة الجميلة؟ المرأة الشابة؟ المرأة التي ستكون في خدمة المجاهد منكم؟».
«تكاد لا تصدق أم يوسف أن مطار كويرس العسكري قد فك الحصار عنه، حتى سمعت بأذنها صوت الرئيس بشار الأسد يخاطب قائد المطار اللواء منذر زمام…».
«بعد أن تلاقت يدانا سألت: حادث؟ قال: قذيفة هاون على مقربة المنزل. الحمد لله جاءت سليمة.
سألت نفسي: سليمة؟ كيف والرجل لا يمكنه الوقوف على قدمين بل على قدم واحدة مع عكازه؟ كيف جاءت سليمة؟ إنه استثناء بين من عرفت حتى اليوم من مصابين في العدوان على بلدنا منذ خمس سنوات حتى اليوم. وقررت أن أزوره كل يوم. لماذا؟ لا أدري».
«ولم تنكث أمل بوعودها، عندما مرّ سمير بمدينة طرطوس في سورية تحمل صورته وصور عدد من رفاق السلاح، في طريقها إلى اللاذقية، إذ شوهدت، برّاً بوعودها، وهي كانت تركض على رصيف كورنيش المدينة وبيدها باقات من الزهور تنثرها على السيارة وعلى الرصيف أمامها، ولإيمانها بالنصر كتبت إلى قيادة الجيش ترجو منحها فرصة لحمل السلاح مع فتيات أخريات في الجيش، دفاعاً عن الوطن، وانتقاماً لروح من أحبته وكانا يتحدثان معاً في كل مرة عن المستقبل، تمت تلبية طلبها ولا تزال تقاتل».
هذه مقاطع لم تخضع لانتقاء، وإنما لو فتح القارئ أي صفحة من صفحات المجموعة التي تبحث عن عنوان فإنه سيقع على مقطع مماثل، وقد جربت ذلك ففتحت ص38 من دون أن أحدد المراد، ومن دون بحث عن قصة محددة، فقرأت عند فتحها، أمامكم أربع وعشرون ساعة فقط حتى تتركوا البيت وترحلوا إلى أي مكان. بعدها سيكون بيتكم في خبر كان وأعذر من أنذر».
وعند فتح ص79 من دون تحديد مسبق جاء في أول ص78 «لقد سبقنا ابنك باستشهاده، نصرنا على الأعداء يا أم الشهيد نويل. وأنا سأبقى أردد معك: الحياة تمضي وكدقات الساعة لا تتوقف».
وفي الصفحة 79 المقابلة نقرأ «في نهاية كل حوار بين الرجلين، الملتحيين، من زمرة أصحاب الذقون الطويلة التي تغطي حتى منتصف الصدر، ذات الألوان بين الأبيض والأسود والرمادي والأشقر وسوى ذلك، كانا يتسابقان حول الأولوية في أغرب ما قاما به من حوادث طريفة تستدعي الضحك بصوت عالٍ».

القصّ وتقنياته
إنها كما رأينا مجموعة من القصص القصيرة والقصيرة جداً، من باب الكنيسة والشهداء الذين يحتفلون باستشهادهم، فيستحي الأب الذي يحتفل بعرس ابنته منهم، إلى جريس الذي كان وكيلاً لشركة رخام، فلم يجد أمامه سوى التوجه إلى روما حيث شركته الأم، إلى هؤلاء الملتحين أصحاب اللحى الشقراء للدلالة على أنهم غرباء.. إلى آخر نص من نصوص المجموعة نجد حكايات شاهدها المؤلف أو سمع بها، أو رويت له، أو ربما رآها في وسائل الإعلام، فقام بصياغتها صياغة جديدة.. ويحمد للكاتب أنه رواها كما هي، فلم يخضعها لفن القص الذي يتقنه وله إسهامات كثيرة فيه، فجاءت قصصاً من زمن الحرب، وهي قصص توثيقية بشكل قصصي تبتعد عن الخيال والتجنيح والتخييل، وربما رأى الكاتب أن ما يجري على أرض الواقع هو أغرب من التخييل القصصي، فتنازل عن تقنيات القص والسرد ليبقى في إطار التصوير لما يجري على أرض الواقع من غرائب تتفوق على الخيال. وربما شاهد أحدنا على الشاشات، وقرأ في وسائل الإعلام أغرب من هذه القصص.. وإن كان لي من مأخذ نقدي، فهو أن الكاتب لم يقم بتعميق الحدث بما فيه الكفاية، ولم يدرس ارتداداته الاجتماعية والسياسية على المجتمع والأفراد، واكتفى بالنقل والتوثيق، وإن توارى وراء فكرة القص.

أخيراً
كتاب يبحث عن عنوان للأستاذ الدكتور اسكندر لوقا، إضافة جديدة لتراثه القصصي، ويعد امتداداً لتأثره بما يجري حوله، ويعطي فكرة واضحة عن آليات تعاطيه مع الحدث الذي يجري حوله، وكيفية صياغته قصصياً ودرامياً، ويعد شهادة حية من إنسان عاش الحياة بكل تقلباته منذ رحيله من لواء اسكندرون وإلى اليوم، وقد ظهر اللواء في أكثر من قصة، وقد أظهر شيئاً من تعاطيه مع المحتل التركي الذي شرده من اللواء، وأعطى وعوداً بالعودة.