رفيق شكري وعبقرية اللحن الأصيل مع عمر حلبي شكل نهضة الأغنية السورية الباقية وبالتعاون مع كبار الشعراء والمطربين

| أنس تللو

على الرغم من أن ندبةً محببة تلحقُ بوجوهِ معظم الـ(شكري) وتُضفي على وجوههم ابتسامةً خفيةً ناضرةً تهبُهُم بهجة وأُنساً ووداعة على الرغم من ذلك فقد ألحقت بهم الحياة خطأً كنية (الناشف).
ولو أن الحياةَ أنصفت في اختيارِ الكُنى لكان من الأولى أن تمنحَ هذه العائلةَ كنيةً أخرى تسِمُهم بنوعٍ من أنواع العبقريةِ إذ يكفيهم من ذلك فخراً أن بينهم الموسيقار العبقري المرحوم رفيق شكري الذي نهض بالألحان السورية العريقةِ وحباها رونقاً وألقاً بأن أضاف إلى المكتبة الموسيقية السورية ألحاناً عظيمةً تمَّ عبْرها تقديم أغانٍ وطنية وعاطفية واجتماعية للعديد من الشعراء الأصلاء والمطربين المبدعين.
رفيق شكري شخصيةٌ عبقريةٌ فنيةٌ فذة جمعتْ بين الموسيقا والغناء فأنتجت أكثر من خمسمئة أغنيةٍ خلال ثمانية وعشرين عاماً… غنَّى بصوته قسماً منها، ولحَّن للمطربين القسم الآخر.
في طفولته عانى ثلاثة أمور أولُّها أنه عاش يتيماً فقد توفي أبوه وهو في اليوم الأربعين من عمره، والثاني فقرٌ مدقع أمضَّهُ وأثقلَ كاهلَه، والثالث عنَتٌ وأذى من أسرة محافظة رفضت بشدة توجهَه نحو الموسيقا والغناء، لكنه أصرَّ بشدة على تجاوز المحن الثلاث وتحويلها إلى منح عطاء كبير، فكان له ذلك…

بدأ رفيق شكري حياته الفنية بأداء أغنيات محمد عبد الوهاب… لكنه لم يكن مجردَ مقلدٍ بل لقد أبدع في الابتكار، شهِد بذلك الفنان عبد الوهاب نفسه وأقرَّ بأن رفيق شكري يؤدي أغانيه بأسلوب مغاير.
درس شكري في مدارس منطقة الميدان في دمشق، وما لبث أن ظهر صوته الجميل، واكتشف جمال صوته الأستاذ صبحي سعيد، فتتلمذ على يديه وأخذ عنه علم الغناء والعزف على العود، ثم أنشأ فرقة موسيقية في دمشق كان مقرها في حديقة الشرق، ثم تعاون مع الإذاعة السورية وأخذ يسجل لديها حفلاتِهِ الإذاعية، ثم دعته إذاعة بغداد ليسجل مقطوعاته لديها، كما دُعي للغناء في حفلة تتويج الملك حسين في القصر الملكي في عمان… وقد اجتمع بفطاحل الفنانين المصريين من أمثال رياض السنباطي والشيخ محمود مرسي وعبد المطلب… وأعجبوا بفنه وصوته، وكان يشغل مدير مكتب نقابة الموسيقيين بدمشق… ومن أبدع ألحانه قصيدة اسمها (دمشق) للشاعر سليم الزركلي، وقصيدة اسمها (صوتها) من نظم الدكتور صباح القباني.
رفيق شكري شخصية سورية متميزة تحمل بين جوانحها بذوراً لمواهبَ موسيقيةٍ راقيةٍ تفتَّحت وتفتَّقت أمام عدد من كتَّاب الأغنية من أمثال نزار قباني وسليمان العيسى والشاعر الباكستاني محمد إقبال وأنور البابا وتوفيق بركات وراشد الشيخ ومسلم البرازي وعبد الجليل وهبة… فكتب هؤلاء وغيرهم كلمات راقية لأغان بديعة لحنها الموسيقار رفيق شكري.
وقد غنى له من ألحانه عدد من المطربين الكبار من أمثال ماري جبران والمطربة كروان وسعاد محمد وفايزة أحمد.
على أن التعاون الفني الأكبر كان مع الشاعر عمر الحلبي فقد جمعت المصادفة بينهما فانعقدت صداقة عميقة دامت ثمانية وعشرين عاماً وأثمرت نحو مئتي أغنية منها (غيبي يا شمس غيبي) و( خلي الحبايب يسلموا) و( خالي يا خالي)، و( يا راكبين الخيل)…
ويروي الشاعر عمر الحلبي أنه كان مسافراً بالقطار إلى درعا لزيارة أهله، وقبيل وصول القطار نظر إلى الجهة الغربية رأى مجموعة من الإبل تسير والشمسُ خلفها تعلو فبدا له المنظر رائقاً فخطر في باله المقطع الغنائي الزجلي:
بالفلا جمَّال ساري
قلتِ رايح فين
ياناري عالمحبوب يا ناري
قايدة في الجنبين
فدوَّنه فوراً، ثم وبعد وصول القطار أمضى الليلة ساهراً فأتمَّ المقطوعة الزجلية… وفي الصباح الباكر أرسلها في رسالة ورقية إلى عنوان رفيق شكري بدمشق… وبعد عدة أيام عاد بالقطار إلى دمشق ووصل إلى محطة الحجاز؛ وبينما كان يهبط الدرج المؤدي إلى ساحة الحجاز تناهى إلى سمعِهِ صوت غناء فوضعَ حقيبته والتفت يسترقُ السمعَ فبدت الكلمات كأنها ليست غريبة عنه… فإذا بأحد عمال التنظيفات يكنس الأرض وهو يردد: (بالفلا جمال ساري، قلت رايح فين).
فوجئ الشاعر الغنائي عمر الحلبي أن كلماته الزجلية قد تم تلحينُها وغناؤها بهذه السرعة العجيبة وأنها انتشرت بين الناس خلال أيام قليلة على الرغم من عدم وجود تلفزيون ومن قلة انتشار المذياع.
وهكذا سجل الفنان رفيق شكري صفحة مشرقة في تاريخ سورية الفني خلال مسيرة حياته التي امتدت من 1923 حتى 1969.
أما اليوم فإنه لمن المؤسف جداً أن نقول إن موجة الأغاني الهابطة تكاد تُنسي الأجيال الجديدة عبقرياتٍ غنائيةً وفنية قديمة كانت تُشغل الناس وتأخذ بألبابهم.
ألا ليت لدينا مدرسة تكتشفُ عباقرةَ الفنونِ وتنمِّي مواهبهم… أو لجنةً صارمةً لا تقبل فناناً إلا من المبدعين الحقيقيين.