عن الشهوة… وسرّ الشهوة

| إسماعيل مروة 

لا داعي للبحث في المعاني اللغوية القريبة والبعيدة للشهوة، ولا لسرّها، ولكن الشهوة والاشتهاء هما مفردتان قادرتان على تحويل الحياة إلى متعة وجمال لا مثيل لهما، أو إلى جحيم وكابوس لا يمكن أن يخرج الإنسان من الدنيا إلا وقد ناله قدر كبير من الضرر الروحي والمعنوي، وخرج مطروداً مذموماً من الجنة الحقيقية الوحيدة التي يمكن أن يدركها دون الحياة كافة، فهي المفردة الوحيدة التي تصلح لكل فضيلة، وتصلح لكل أمر ذميم سلبي مرذول، وأول ما يتبادر إلى الذهن ذلك المعنى السلبي، فالشهوة والاشتهاء إن لم يتم توصيفهما انسحبا إلى المعنى الأخلاقي مباشرة، وتراءت إلينا تلك الصور السلبية منداحة من واحدة إلى أخرى… لذلك قد يتحرج أحدهم من الحديث عن الشهوة، فقد جاء في الأخبار أن اللغة تستدعي صوراً وخواطر كثيرة، لذلك قد يدفع استخدام لفظة إلى شيء يشتت الذهن، فقد قيل: إن أحد الأئمة له أخ صوفي تقي، وكان لا يصلي وراءه، وعندما عاتبه تقدم ليأتمّ به، وفي أثناء الصلاة انسحب التقي، فسأله أخوه بعد أن انتهت صلاته عن سبب انسحابه، فاستحلفه ذاك: أما جاءت إلى ذهنك صور المرأة المعذورة بكل حالاتها، لأنك كنت تقرأ آيات تتعلق به؟ قال: بلى… قال: فسدت صلاتك لأنك لم تكن منسلخاً عن شهوتك!
هذه الأخبار يرويها الرواة لبيان أهمية التفرغ للصلاة والعبادة، وضرورة الاطمئنان والانسلاخ عن العالم المادي إلى العالم الروحاني، والابتعاد عن شهوة، ولكن هل تقتصر الأمور عند شهوة الجسد؟
قد يتحدث أحدهم عن المال والدين والعقود، وفي قراءته التعبدية قد يقرأ آيات تتناول المال والسيطرة على الآخر مادياً، فيتذكر ما له وما عليه، وتأتيه شهوة المال، فالمال وإن حمل مسميات مادية هو من أهم مغريات الاشتهاء، والإنسان إذا وقع تحت شهوة المال تغير كل شيء فيه، فشهوة المال تقتل، وشهوة المال تدفع إلى الجريمة، وتدفع إلى الاستغلال، وكل حروب العالم، حتى البدائية عند العرب كانت تحت ضغط شهوة المال، فهذه قبيلة رعوية تريد أن تهيمن على قبيلة زراعية بغرض الكلأ، وبالمحصلة بغرض المال والحصول على المال، وكل الحروب العالمية والإقليمية والداخلية لا تجري بغير شهوة المال والسيطرة، والرغبة الحقيقية في السيطرة على المال ومصادره… وقد أدرك المتحكمون بالعالم الحديث خطورة المال وشهوته وأهمية السيطرة عليه، فكانت الإمبراطوريات المالية والمصرفية، وكانت الشركات المتعددة الجنسيات، وجاءت الثروات الباطنية لتكشف شهوة المال وخطورتها.. وحتى لا يذهب الأمر إلى حد التكذيب والاستهجان لشهوة المال، نقترب أكثر فأكثر من أوساطنا، ونلمس ما نراه اليوم من تأثير للمال، فكم من حاكم من أجل المال أفسد كل شيء؟ وكم من إنسان دفعته شهوة المال إلى بيع وطنه؟ وكل من إنسان باع مبادئه من أجل المال؟ بل إن شهوة المال هي أخطر ما يمكن أن يحيق بالإنسان، فهي القادرة على جعل الإنسان يتخلى عن وطن وشرف وعرض وفي المحصلة عن ذات- والغريب أن هذه الشهوة تملك القدرة على التحكم بالإنسان، وتملك القدرة على تزيين الفعل الشائن بفعل المال، فهذا حاكم يعطي، فهو بعطائه قادر على استثناء ذاته، وعلى تزيين شهوة المال السلبية له، وهذا دفعته شهوة المال لفعل شائن، لكنه يزين نفسه بالمال والمجوهرات فله ولأسرته صدر المجالس، ولا أحد يلتفت إليه وإلى ما جمعه ما دام لديه المال الذي يدفعه في الأفواه.
تذكر كتب التاريخ أن معاوية بن أبي سفيان أراد استمالة خصومه فأرسل لكل واحد منهم صرّة من المال، فأخذها من أخذها وصمت، إلا أحد كبار معارضيه، الذي طلب من ابنه أن يحمل الصرة ويضربها في وجه معاوية، وعندما وصل الشاب، خمن معاوية ما في يديه، فقال له بحنكة ودهاء: اضرب بها وجه عمك يا بني، وكن رفيقاً، فاستحى الشاب، واحتفظ بالمال، وصار من أصحاب معاوية والتابعين له، وتخلى عن متابعة والده في خصومة معاوية، فالحاكم أدرك قوة المال، وما تفعله شهوته، فاستعان به، ولم يعمد إلى القوة وحدها، فأسس الدولة الأموية القوية التي لم تشهد في عهده هزات قوية لحكمته البالغة، ومعرفته تأثير المال أمام من يملك شهوة له.
الشهوة وما أدراك ما تحمل من معان عميقة، والشهوة التي تنتج عن المال، أو ينتج عنها المال هي شهوة السلطة، وكم سمعنا عن أناس في يسار وبحبوحة، ملكوا الأموال الطائلة في الشرق والغرب على السواء، لكنهم دفعوا من ثرواتهم ليحصلوا على سلطة أو موقع! فشهوتهم للسلطة أنستهم الحياة ومتعها، بل وبعض هؤلاء قد يخسر كل ما لديه من أجل موقع.. وحين يصل أحدهم يتعامل كأي جائع نهم، ولا يبقي ولا يذر، ولا يعفي قرشاً واحداً من الدخول إلى جيبه الخاص..! وفي الجانب الآخر هناك من تمثل السلطة شهوة لديه، وهو لا يملك شيئاً، ولكنه يريدها ويرفع الشعارات ليصل ويغتني، وهذا في بلداننا العربية أكثر من أن يحصى! يدخل فقيراً مدافعاً عن الفقراء، ويخرج غنياً مترفاً، يمارس مالا يمارسه أغنى الأغنياء بالأصالة، وهذا تمثل شهوة السلطة لديه طريقاً للسلطة والمال والتعويض، وبما أنها شهوة، فإن أحدهم لا يشبع منها، ولا يتوقف عن طلبها، فإذا ما نال مالاً يطلب المزيد، وإذا ما حصل سلطة تشبث بها، فكم من مدير أصيب بداء عند إعفائه، وكم من وزير أو أقل أو أكثر صدمته دهشة إعفائه فقرر أن يصبح خائناً، وقرر أن يقف ضد وطنه، وهنا، أنا لا أصنف الأمر على أنه نظام ومعارضة، بل وطن وخيانة، فالمسؤول الذي يبتز وطنه ويسرقه خائن، والذي يحارب وطنه من خارج الحدود خائن، ويرتفع منسوب الخيانة عندما يكون هذا المعارض قد مارس كل شهواته، فملك في أحضان الدولة التي يشتمها، والنظام الذي ينتقصه المال، ومارس شهوة السلطة والحكم كما يشاء، وها هو يمارس شهوتيه ضد الوطن! ألم أقل لكم إن الشهوة خطيرة، والاشتهاء لا يتوقف عند حد معين فالشهوة فوق الحاجة، ولا تطفئها التخمة..! قلنا الشهوة وسرّ الشهوة، ومن الشهوة أن يتحول صاحبها إلى غول إنساني، فهو ملك المال، وملك السلطة، وفي طريقه لا ينسى أن يستعبد الناس، فعدد لا حصر له من الخدم، وعدد من الجواري، وإذا كان هذا في موقع ما، فكل النساء له، ولو جاءت متسولة يظن بشهوته أنها طلبت منه لأنها عشقته! يتحول صاحب الشعارات، الدميم، البخيل، الوضيع إلى كازانوفا، فيزرع ويصنع ويشدّ كما لو أنه حسناء تتقدم إلى مسابقة جمال، ولأن شهوته أقوى منه يريد لكل امرأة أن تتبعه، ويرى أنه اللائق بكل نساء الأرض، فهو من هو، كيوسف حسناً، وكقارون مالاً، وكسليمان قدرة!! كم وكم تعرفون من هؤلاء الذين لم يكونوا على قدرة لامتلاك لباس تحولوا إلى مشتهين، وكم تفعل الشهوة، ولا يقع اختيارهم إلا على كل حرة وصاحبة أصل وكرامة، لأنه يريد أن يحقق شهوته بالانتقام من كل امرأة حصان، يساعده في ذلك ما حققه من شهوتي الموقع والمال! وإذا ما مال الزمان بالكريم وضعه تحت رحمة الآخر، فكيف إن كان هذا الآخر صاحب شهوة..؟ أمن فراغ قال عنترة «وأغض طرفي ما بدت لي جارتي»؟ أمن فراغ رأى يسوع أن النظر حرام؟ أمن فراغ حذر محمد من النظر إلى حليلة الآخر.. النظر من دون رضا حالة من اغتصاب، ومن يشتهي يجب أن يسأل نفسه: لو لم يحقق شهوتي السلطة والمال فهل يمكن أن يحظى بما حظي؟ لو صاحب المال أعطى بعفة، ولو صاحب السلطة قضى حوائج محتاجة كما يمليه عليه الموقع فهل سيحصل على شهوته الدونية؟
ولأن العالم تطور تطورت الشهوات، فهذا يريد أن يصبح كاتباً، وذاك أن يصبح معلقاً، وذاك أن يصبح أكاديمياً، وكل هذه الشهوات تترافق مع عدم وجود المؤهل، وما أدراك عندما يستخدم الشهوات السابقة من مال وسلطة ونساء للوصول إلى بقعة الضوء!
وشتان ما بين عشق الأشياء والاشتهاء، فعند العشق يتحقق الخلود والبقاء ويصبح الفسق رسولاً إلى جنات خلدـ وفي الاشتهاء تنقضي الأشياء من دون أن تترك إلا أثراً مادياً يصل بالمشتهي إلى ندامة حين تبدأ بؤرة الضوء تنزاح لتتركز على شهوة أخرى أكثر إغواء وجدّة.