الغرب بين الليبرالية المتصدعة وشعبوية ترامب الحمقاء.. ولا طريق ثالثاً

| قحطان السيوفي 

بعض ملامح المشهد قد تذوب في التفاصيل، وهذا يحدث الآن مع تصدع النظام الليبرالي في الغرب، مع خروج بريطانيا، وفوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقوميته الغاضبة، وسياساته الشعبوية الحمقاء، وجميعها يتم التحدث عنها في الإعلام ومناقشتها بصورة مستفزة.
تسوية ما بعد عام 1945، رغم عيوبها، بشّرت بفترة من السلام النسبي، لكن الأخطاء كثيرة؛ غطرسة في واشنطن، وسياسيون فاسدون في أوروبا، ومصرفيون جشعون في كل مكان، وقد تتقدّم الحرية خطوة في غياب الحرب بين القوى العظمى.
الذي يوحد السلام في الخارج مع الديمقراطية في الداخل عادة سيادة القانون، وإذا حلت السلطة التعسفية محل الديمقراطية، فإن الدول تسقط في مسار الحرب، والمجتمعات تتراجع نحو الاستبدادية، لذا فالمجتمع الدولي اليوم قلق جداً؛ فالرئيس ترامب يتحدى حق القضاة في الولايات المتحدة في دعم الحريات الأساسية، ويزدري التعاون الدولي لمصلحة قومية أميركا أولاً، تم قلب التاريخ رأساً على عقب، مع ما يشير أكثر إلى تراجع الهيمنة الأميركية بسبب القومية الاقتصادية.
واجه الليبراليون في كل أنحاء العالم حظر الحدود الأخير الذي فرضه ترامب، ففي كل مرة تفرض فيها الدولة إجراء بدعوى مكافحة الإرهاب، مثل إجراءات ترامب، تخرج الإحصاءات لتُظهر أن عدد الغربيين الذين قتلوا في الهجمات الإرهابية، أقل من الذين يلقون مصرعهم في الحوادث اليومية بهدف اللعب على عقول الناس!
النظام الذي تأسس بعد عام 1945 على قوة الولايات المتحدة، استمر وتوسّع بعد الحرب الباردة، لأن الولايات المتحدة كانت جزءاً من قواعده ومؤسساته التي أنتجت المزيد من القتل والدمار في فيتنام والعراق.
دول مثل الصين، كانت من بين أكبر المستفيدين من نظام التجارة المفتوحة بقيادة الولايات المتحدة، والتحدي كان حول إمكانية إعادة النظر في النظام الديمقراطي الليبرالي الغربي، لاستيعاب طموحات الدول الناشئة!
تم تزوير العولمة لمصلحة نسبة 1 بالمئة، والسياسيون المفتونون بالأسواق، تآمروا وتشاركوا من أجل السرقة بعد الأزمة المالية، والمصرفيون الذين ينبغي أن يكونوا في السجن لا يزالون يقبضون المكافآت بالمقابل، ولا ينبغي أن يدّعي أي أحد أن الشعبويين لديهم الحل.
السياسة الحمائية ربما تؤدي إلى إفقار الجميع، وتشويه صورة المسلمين ستلحق ضرراً بالأمن العالمي، وبالتالي فإن ارتفاع الشعبوية عادة ما يوفر خلفية للحروب.
المنافسة الشديدة على أشدها في الأسواق العالمية، وفي سبيل الفوز بالحصص، تشتعل الحروب التجارية بين الشركات العابرة للقارات والشركات الوطنية، ولهذا تتفاقم ظاهرة الإغراق بشكل غير مسبوق، وهذا يحول ساحة التجارة العالمية إلى ساحة معارك قانونية.
في عالم يخوض تغييرات عميقة، فإن الضغوط الشعبوية في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، مدفوعة بالأجور الثابتة أو المنخفضة، والتحوّل الأهم في العقود الماضية، كان في تراجع أهمية البلدان ذات الدخل المرتفع في النشاط الاقتصادي العالمي، والتغير يتعلق كثيراً بصعود آسيا، وبشكل أكثر أهمية، صعود الصين.
من المؤكد أن الصين ستُصبح ذات نفوذ كبير في الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين، والبلدان الناشئة والبلدان النامية لم تُصبح مهمة على نحو متزايد فقط في الإنتاج العالمي، وإنما أيضاً من الناحية السكانية، بالمقابل البلدان ذات الدخل المرتفع تشهد تراجعاً في السكان، وبالتالي فإن التقارب الاقتصادي والتحوّلات في السكان هما عنصران مهمان في صورة النظام العالمي الاقتصادية.
الضغط الشعبوي في كل أنحاء الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، يجعل التعامل مع هذه التحوّلات أكثر صعوبة بكثير، ويبدو أن ما يصل إلى ثُلثي السكان في البلدان ذات الدخل المرتفع كانوا يعانون دخلاً حقيقياً ثابتاً أو منخفضاً بين عام 2005 وعام 2014.
أكثر الفنون خبثاً في السياسة تكمن في توجيه خصم الشخص نحو مواقع هامشية من دون علمه، وهو ما عمل عليه قادة «الطريق الثالث» كمحاولة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير؛ ولكن جميعهم فشلوا، وهم فعلوا ذلك من خلال الإمساك بالوسط بشراسة، حيث إنه لم يكن هناك أي مكان يمكن أن يذهب إليه خصومهم، باستثناء مناطق الراحة الأيديولوجية المريحة لهم، وهم من خلال التطرف، يُراهنون على كون ذلك كافياً لتحريض الليبراليين نحو رد فعل مُبالغ فيه، ومن ثم يراهنون على أن الناخبين سوف يفضلونهم كيمين.
رهاب ترامب من الأجانب، وصعود الشعبوية في كل أنحاء أوروبا، يتغذّى من تهاون المؤسسة السياسية التي تُسيطر على الرأسمالية غير المقيدة، وما يُسمى الديمقراطيات الغربية يمكن أن تنقلب على النظام الذي قامت هي نفسها بإنشائه، والسؤال: هل بإمكانها إدارة التمرد في الداخل ضد ما خلقته وتميّزت به؟ وبريطانيا فعلت شيئاً مماثلاً من خلال رفض الاتحاد الأوروبي.
ألمانيا واليابان وحدهما من يحاولان الآن التمسك بالنظام القديم المتعدد الأطراف، وعلى ضوء هذا المشهد العالمي ثمة أسئلة عديدة: هل الليبرالية الغربية مهددة من الشعبوية الترامبية الحمقاء الغاضبة؟ وهل المواجهة بين الليبرالية والشعبوية يمكن أن تنتج نوعاً من الطريق الثالث؟ ولعل من المزايا الخُلبية لشعبوية الرئيس ترامب، أنه في الوقت الذي يمتلك فيه كثيراً من الأفكار السيئة لا يكون ملتزماً بها دائماً، مثل الوعود ببناء جدار مع المكسيك، وتمزيق اتفاقية «نافتا»، والتمييز ضد المسلمين، كلها أفكار مدمرة تماماً، لكن على الأقل متابعة تلك الأهداف كانت متقطعة، ويبدو أن ترامب يفضل الشكوى من الفضاء السياسي الأميركي، بدلاً من قيادته.
إن المواجهة بين الشعبوية الترامبية الغاضبة والليبرالية الغربية التقليدية، لن تكون سهلة ولن تؤدي بالضرورة إلى إنتاج طريق ثالث، ويقيناً فإن آفاق الترامبية الشعبوية ليست واضحة إن لم نقل أن مستقبلها مُلبد بالغيوم.