مصر المتمددة ومصر المنكفئة

| عبد المنعم علي عيسى

خجولة هي المواقف المصرية تجاه قضايا المنطقة وتجاه الأزمة السورية تحديداً، وعلى الرغم من أن العلاقة السورية المصرية لم تنقطع حتى بعد أن أعلن الرئيس المصري السابق محمد مرسي عن قطعها، ذلك الإعلان الذي تنبأ بالنهاية، فهو لم يبق بعده أكثر من ثمانية عشر يوماً لا غير كأن بحقائق التاريخ تريد أن تسجل أن من لا يملك فليس له أن يتصرف.
يقول الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل: إنه وفي إحدى لقاءاته مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنحر التي جرت في أعقاب حرب 1973 وقبيل توقيع اتفاقيات فك الاشتباك العام 1974 أن هذا الأخير كان قد طلب إليه عندما يتحدث أن يتحدث عن مصر وحدها دونما ذكر لأي دولة أخرى، عندها أجابه هيكل: إن مصر هذه التي تريدونها وحدها معراة من ثقلها، ودورها العربي هي التي تحتاج إليكم، أما مصر الممثلة لطموحات الشارع العربي وكذا لدوله أو كياناته، فأنتم الذين تحتاجون اليها.
لربما تختصر هذه الحادثة الجيوبوليتك المصري كله على مر المراحل، فمصر لم تكن يوماً دولة موارد وإنما كانت دولة دور وحراك، ولربما من المهم هنا الإشارة إلى أن مصر عندما كانت تلعب دورها الإقليمي الذي تتيحه لها عوامل التاريخ وعوامل الجغرافيا في المرحلة الناصرية، كان الاقتصاد المصري يمر بأفضل حالاته والمستوى المعيشي المصري جيد كما كانت العقود وكبرى الشركات العالمية هي التي تتهافت عليها لا العكس، أما مصر التي تخلت عن دورها ومحيطها وانكفأت وراء حدودها زمن أنور السادات وحسني مبارك ومن تلاهما، فمصر هذه مديونة بأرقام خيالية والمستوى المعيشي فيها ينتظر تأخر الجرعة الداعمة لأسابيع فقط لينفجر إن هي تأخرت على الرغم من وعود الرخاء والازدهار التي استطاع كيسنجر، وكذلك رئيس مجلس إدارة بنك تشيز مانهاتن العملاق ديفيد روكفلر، إقناع السادات بها.
بعد حادثة المنصة واغتيال السادات في 6 تشرين الأول 1981، استمر الانكفاء أيضاً لثلاثة عقود، هي مدة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على الرغم من أنها شهدت عودة مصر إلى جامعة الدول العربية عام 1989، إلا أن تلك العودة لم تكن بخطوط حمر فقط، وإنما كانت بأثقال يصعب عبرها التفكير حتى بالنزوع إلى محيطها العربي وتفعيل دورها من خلاله، وما حدث فيما بعد هو أن تلك الانكفاءة لم تعد كافية كما يبدو زمن الأعاصير والأزمات، فكانت قطيعة مرسي في 15 حزيران 2013 التي تعتبر بحق كامب ديفيد ثانية، بكل حيثياتها ومفاعيلها، لتستمر تلك الحالة وإن كان بصباغ آخر وألوان مختلفة، في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، فالعلاقة الأمنية لم تنقطع ناهيك عن بقاء علاقات هي بين السياسية والاقتصادية، لكن بمستوى منخفض ولا يليق بعلاقة أزلية على مر التاريخ، حتى أنها كانت في العديد من المراحل والأزمات، الرهان الأخير لوقف مسلسل الانهيارات التي تشهدها المنطقة، يقول الخطاب شبه الرسمي المصري في تبرير هذه النمطية من العلاقات: إن عودة العلاقة المصرية السورية إلى سابق عهدها هو أمر دونه معوقات كبرى وأزمات لا مصلحة لمصر بإيقاظها، وفي ذلك إشارة إلى حالة احتياج مصرية للرافعة المالية السعودية بدرجة كبرى، والتي لا يمكن خسارتها تحت أي ظرف من الظروف فهي الكفيلة، يتابع هؤلاء، بوقف تداعي الانهيار الاقتصادي المصري البادئ مع «الربيع العربي» والمستمر حتى الآن، وليس سراً، يضيف أصحاب الرؤيا السابقة، إن تلك الدفوعات السعودية لا بد لها من أثمان سياسية ولا يخفى على أحد موقف المملكة من النظام السوري وسعيها المستميت لإسقاطه، ناهيك، والكلام لا يزال للخطاب نفسه، عن وجود مخاطر هائلة تحدق بمصر داخلية وخارجية وتتربص بها العديد ممن «جيوبهم ممتلئة» ولا يعرفون كيف يصرفون أموالهم أو كيف يمكن لهم استخدام «البوتوكس» لتضخيم الذات أو الدور؟ ولربما كان القولان هما غاية في الدقة خصوصاً في ظل عالم باتت تحكمه براغماتية مفرطة أو مطلقة، إلا أنهما لا يتركان حيزاً كبيراً لعوامل أخرى هي بالمطلق أهم بكثير من تلك المخاطر المحدقة على أهميتها.
نشرت صحيفة «الوطن» المصرية في 8 تشرين الأول 2013 تقريراً قالت فيه: إن وصول محمد مرسي إلى السلطة يعتبر الإنجاز الأكبر لـCIA واللافت أن مرسي الذي كان قد اعتقل في 27 كانون الثاني 2011 ، أي بعد يومين من قيام ثورة 25 يناير، بتهمة التخابر مع دولة أجنبية، كان ملفه الأمني عشية وصوله إلى السلطة 24 حزيران 2012 يخلو تماماً من أي تهمة أو جناية، وهو ما يشير إلى حالة كارثية قد لحقت بالعديد من مؤسسات الدولة المصرية العميقة بدءاً من مجلس الأمن القومي المصري وصولاً إلى المخابرات العامة المصرية بأفرعها العديدة، وبمعنى آخر أن الاختراق الحاصل لتلك المؤسسات دفعة واحدة وعلى أعلى المستويات، ما كان له أن يحصل لو بقي جهاز واحد من تلك المؤسسات التي تهتم بالأمن القومي المصري غير مخترق، وإلا لما حدث ما حدث فقد كان باستطاعة هذا الجهاز الافتراضي الأخير أن يرمي بقنبلته تلك في بحيرة الشارع المصري التي لم تكن راكدة محملاً إياه مسؤولية تاريخية انطلاقاً من أنه لا يستطيع حملها لأن الجميع كانوا قد قطعوا وشائجها، المهم هو أن الثمار كانت قد بدأت تتساقط في «الحرج» الأميركي واحدة تلو الأخرى إلى أن تهاوت أثمنها عندما أعلن مرسي في خطاب متشنج بدا كل شيء فيه غير طبيعي عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق مساء يوم 15 حزيران 2013.
ما نريد قوله: إن المخاطر المحدقة بمصر وسورية والمنطقة برمتها هي أهم بكثير من «الرافعة» السعودية ما دام الوجود هو المهدد، فهل يمكن الإيمان أو البحث عن رافعة اقتصادية لكيان غير موجود؟ وإذا ما كانت هذي الأخيرة لازمة بقوة في مرحلة من المراحل لأجل تثبيت أركان النظام فاليوم مضى ما يزيد على أربع سنوات على وجوده في السلطة، وهل ستكون تلك الرافعة لازمة للأبد؟ أم إن شعب وادي النيل العظيم يريد أن يعيش على «الصدقات» السعودية المدفوعة الثمن من الأمن والسيادة واستقلالية القرار؟ ثم إن التصدي لمخاطر الخارج، قصدوا به قطر وتركيا وهو حقيقي، سيكون بفعالية أكبر بما لا يقاس، إذا ما كانت العلاقة المصرية السورية في وضعها السليم.
إن أقسى ما يعبر عن تدهور الثقل المصري بدرجة مهينة غير مقبولة، كان قد تجلى في مساجلة جرت مؤخراً على قناة «الجزيرة» القطرية بين «باحث» قطري ونظير له مصري، كان فيها سؤال هذا الأخير لخصمه وهو يعتقد بأنه سوف يوجه ضربة قاضية له: هل يعقل أن تفكر دولة صغيرة لا يزيد عدد سكانها على نصف مليون في السيطرة على بلد عملاق يزيد عدد سكانه على مئة مليون؟ أجاب سليل البداوة المغمسة أخيراً بالنفط: ولما لا؟ التاريخ يتحدث عن مئات التجارب التي استطاعت فيها شعوب قليلة السيطرة على شعوب تفوقها بعشرات المرات في عديدها! ثم أضاف: وقبل أن تسألني عن معقول آخر أقول لك إنه يتحدث أيضاً عن شعوب بدائية كانت قد استطاعت السيطرة على حضارات مترامية الأطراف!
الراجح اليوم هو أن قيود كامب ديفيد «الثانية» لا تزال هي الحاكمة بل لا تزال بكل مفاعيلها حاضرة وبقوة من مثل حالة الاختراق التي أدت إلى سجل عدلي نظيف لرئيس حكمته محكمة النقض المصرية يوم 16 من الجاري بالسجن مدى الحياة، لا تزال تلك الحالة ماثلة وأكبر دليل عليها هو أن أكبر الثمار المصرية التي كانت قد تهاوت في الحرج الأميركي لا تزال تلك الثمرة في الحرج إياه وهي لم تغادره، فالعلاقة مع مصر أكبر من أن تكون أمنية أو اقتصادية أو حتى سياسية، إنها علاقة مصير واتصال شرايين الدم بقلب واحد، كان أول ما قاله الزعيم المصري جمال عبد الناصر عشية الانفصال: «ليس مهماً أن تبقى سورية متحدة مع مصر إنما المهم أن تبقى سورية».