عن الإغواء .. وسرّ الإغراء

| إسماعيل مروة 

كنت أردد على الدوام قول شاعر الشام خير الدين الزركلي في نجواه الخالدة مخاطباً شآمه وسورية بلوعة لا مثيل لها في فريدة من فرائد الدرر والقول (يا موطناً عبث الزمان به/ من ذا الذي أغرى بك الزمنا)، وكنت أقف عند مدلول أغرى وتشعباتها، وهي المأخوذة من الإغراء.. وتعود بي الذاكرة إلى وقوفنا أمام دور السينما أيام زمان مع صور البارعات عربياً وعالمياً، وكل واحدة منهن يرافق اسمها تعبير نجمة الإغراء، ولهذه الاستعمالات مفهوماتها السلبية التي تعود على الإغراء.. بل صرت أتحفظ في استعمال كلمة الإغراء لاعتقادي بأن هذه الكلمة تحمل مدلولاً سلبياً.. فالدنيا إغراء، فالمال إغراء، والسلطة إغراء، وكل ما يجذب الإنسان رجلاً أو امرأة أو طفلاً هو إغراء، والإغراء يخرج عن الجادة.. وعندما كنت أبحث عن سبب يدفعني إلى أمر ما لا أجد سوى كلمة الإغراء مناسبة لما أنا فيه، فهناك شيء يغريني للوصول، وصار الإغراء يحمل معنى إيجابياً، فالعلم إغراء والتحصيل إغراء، ولحظة العشق التي تترافق بدهشة اللحظة وخلودها إغراء، وللوصول إلى أمر ما لابد أن يغريك حتى تسعى للوصول إليه، وفي كل مرة أحاول أن أبتعد عن استخدام الإغراء لما فيها من دلالة، وربما عاد أحدنا إلى استخدام تعابير أخرى منها الرغبة والحب والدافعية، ومع مرور الوقت وارتفاع منسوب الحصيلة اللغوية يكتشف المرء أن كلمة الإغراء أقل دلالة سلبية من الرغبة، لكن الاستعمال الدائم أوهم بغير ذلك.
وحين بدأت البحث عن السر في بعض ما يعترضني كانت كلمة الإغراء بين الكلمات التي أردت الدخول فيها، وعند كل حلقة من هذه السلسلة كان صديقي أبو الأديب سماحة المفتي العام يعطيني وقتاً من وقته الثمين لمناقشة المادة بعد صدورها، سواء كان الرأي سلباً أم إيجاباً، وما من مرة مرت دون أن يقف منتقداً في جوانب ومشيداً في أخرى، وحين كان يناقشني فيما نشرت قبل أسابيع قلت له إنني أبحث في الإغراء وسره، فوجدته يقول: يغريني هذا الأمر، والبحث فيه مهم، وكل الفضائل يجب أن تغري الإنسان الباحث، وأمام دهشتي قال لي: أبحث في الموضوع، فالإغراء لازم، والإغواء مذموم، واستدل على ذلك بما ورد في نص القرآن الكريم عن الغواية والغاوين.. وهنا قَدحت الفكرة واستأذنته في أن أعمل عليها بطريقتي ولغايتي التي وضعتها للسلسلة فوافق، وكأنه يقول هذه الأفكار وجوهرها، فلِمَ نبتعد عنها؟
هنا فهمت قول الزركلي على حقيقته، فما يمتلك وطننا من محاسن وجمال وخيرات جعله هدفاً وغاية وإغراء لكل ناظر إليه، فكان الزمن على امتداده وعظمته هو الذي يحسد وطننا وما يملك، ويغريه أن يضع عليه بصمته ولو كانت سلباً، ومن هذا الفهم العميق أخذت أدلف إلى معنى الإغراء، والإغراء جذب، فأنت عندما تعانق صفحة وجه الوطن وتفتديه بكل شيء، فإنما تفعل ذلك لأن ثمة ما يغريك بفعل ذلك، وقد يكون ما يغري محجوباً عن الأعين والعقل.. وبالمقابل فإن من يخن وطنه في الداخل والخارج فهناك ما يغريه لفعل ذلك من مكاسب وأموال وما شابه ذلك. والإغراء لا يقتصر على أمر ما، وإنما يمكن أن يكون عاماً ومعمماً على كل الأمور الإيجابية، فعندما يكون أمامك عالم مميز من بشر أو غيره فإنه يدعوك إليه بدافع إغرائي مميز، وحين تقترب من هذا العالم تبدأ كشف خطوطه وخيوطه لتصل إلى الجوهر، وفي هذه الرحلة الإغرائية يصل أحدنا إلى عوالم من الإبداع والإدهاش لم يكن ليتخيل وجودها في الحياة عامة، ولكنه أمام لحظة إغرائية مهمة اكتشف، وربما اكتشف أيضاً أن كل ما عاشه من حياة وقناعات لا يصل إلى مستوى الدهشة التي حصل عليها في رحلته الإغرائية المهمة، أما ما يتعلق بما أغرى المرء، فهو يشير إلى غنى مطلق، وربما إيمان مطلق، وربما دهشة تتجاوز حد التصديق.. ومن هنا يمكن أن نفسر ما يدعى بالترغيب من باب الإغراء الذي يدفع رحلة من أمل بما يستحق فعمل للحصول عليه أو للوصول إليه، ولو كان بعد رحلة من معاناة، ومنه يمكن أن نجد الإغراء أو ما يغري عاملاً من تحويل الحياة إلى واحة جميلة، وإلى أسلوب لتنظيم حياة الإنسان في رحلته الدنيوية.. أما أغري من أغري بأنهار العسل والحور، وبدل أن يعمل للوصول إلى هذا الإغراء، استغول في ظلم أخيه الإنسان الآخر، وأراد الاستئثار بكل ما هو دنيوي ملموس، وبكل ما هو خاضع لفكرة الإغراء بما ينتظر الإنسان!
ومن الإغراء ننتقل إلى مرحلة مذمومة هي الاستغوال، ومرحلة أعلى هي الإغواء، وشتان ما بين إغراء وإغواء، ولأن الإغراء أمر محمود خصه اللغويون بباب الإغراء، وذلك لمكانته في حياته، أما الإغواء فهو مرحلة من الضلال والغواية، وهو ما أشار إليه سماحته الصديق عندما فصّل وسرد نصوصاً عديدة عن الغواية والغاوين والمغوي، فالإغراء دعوة للغوص في الجوهر، واستلال خيوط النور لتظهر الطريق أمام من لا يرى، أما الغواية فهي ضلال وابتعاد عن الجواهر المغري، ويمكن أن أستخلص هنا أن من لا يُغر تكن غوايته قاتلة وسهلة، قاتلة له وللآخرين، وسهلة على المغوي… وهذا يعطينا تفسيراً لمن ضلّ عن سبيل الهداية والحب، فهو ضلّ لأنه غوى، ولأنه لم يدخل في مرحلة الإغراء، تلك المرحلة التي تستدعي الوصول إلى التفاصيل، وهنا قد تنقضي الأعمار، فتمضي عشرة آلاف سنة والإنسان يبحث في تفاصيل التفاصيل، وتنتهي الأعمار، والمرء يحاول اكتشاف كنه ما أغراه.
ليت تفاصيل التراب والأرض تغرينا
ليت تناتيف من نحب تطمرنا بإغرائها
ليت وليت لنبقى في تلافيف التفاصيل الموحية بالإغراء المطلق، هذا الإغراء الذي إن وقعنا فيه وصلنا حد التماهي بما أغرانا، ونبتعد عن الضلال والغواية، فاكتشاف الجمال واللون والنغم إغراء، هذا الإغراء يصل بنا إلى الفهم الصحيح الذي يجعلنا في عالم متخيل نود الغوص فيه وعدم الخروج منه، وبذلك نحقق حياة أخرى تدفعنا إلى التنازل عن كل ما يغوي ويدخلنا في الضلال والانحراف.
هل درى اللغويون قديماً ببساطتهم وحضارتهم البدائية عمق البعد الصوفي للإغراء فخصوه بباب من الإعراب والنحو، فقالوا: الحب الحب، الإخلاص الإخلاص، العلم العلم؟ ربما.. لأننا لو عدنا إلى ذلك الباب اللغوي فلن نجد أي مثال سلبي لديهم، فالإغراء لغة ومعنى يتوجه إلى الإيجاب، وإلى ما يجعل حياتنا أكثر جمالاً، بل أكثر إيماناً.
أما من الناحية المعنوية فإن الإغراء هو دعوة للصلاح، ودعوة لحياة أفضل من دون أن يمارس من استخدم الإغراء وسيلة أي نوع من التوجيه أو الترغيب أو الترهيب، هو يرشد ويغري ويترك لك حرية أن تمشي إلى ما أغريت به لتكتشف جوهره، فالعلم وتشعباته ومنعرجاته وفضائله تصل إليه بالإغراء ولا بشيء آخر، إغراء من القدوة، إغراء من النتيجة، إغراء من الوجاهة… ولكن الطامة الكبرى تكون عندما يدفعك الإغراء، وتسقط في الإغواء، فالعالم سواء كان علمه دنيوياً أو دينياً أغراه العلم، والغواية حولته إلى ضلال لا ضلال بعده، فصار يرى نفسه قمة العلم، ومرجع الفتوى، ولا يحق لغيره أن يحيا كما يشاء، بل عليه أن يعود إليه في كل تفصيل من تفاصيل حياته… فاستأثر علماء الدنيا بمفهوم الطبقة والنخبة التي لا تتزحزح من مكانها ولا ترى سواها، واستأثر علماء الدين برؤية حولتهم إلى طبقة تحقق مصالحها، وتفرض على المجتمع الانصياع التام لهذه المصالح، وصاروا وكلاء لله على الأرض، فضاعوا في الغواية، وأضاعوا الآخرين، ولا أقول الأتباع، فما من أحد يرغب في التبعية، والضياع، بل ضاع أولئك الذين لم يملكوا إغراء المعرفة ونزلوا تحت عباءة الغواية التي لبسها العلماء فأسبغوا على أنفسهم ألقاباً لم يسبغها الإله على ذاته!