عبد القادر الجنابي، فسحةٌ للأفق في سديم اللغة

| أحمد محمد السّح

يعيش العراق تجربة السياسة المريرة منذ أن تشكلت دولة العراق، فيضفي العصفُ السياسي القاحلُ العطشَ على الأرواح التي تسكنه، ويسكنها، ليتبلور ذلك قاسياً عند الشعراء تشرّداً في الروح وهمياناً متصعلكاً يصيبُ المكان والزمان حيث لا شرق بعد العراق، ولا شرق قبله. في زمنٍ كانت الشرطة تركل المواطن– الإنسان فتتلقفه الحانةُ لتلم شتات انتمائه مهما كان، وسط هذه المرارة اليومية، ينطلق عبد القادر الجنابي متفرداً ومتناغماً مع هارمونية الوحشة شاعراً يكتب حيث تتسعُ الكتابةُ للوجع، وحيث تحشرُ السوريالية التيه في مواجهة القمع. يسير مع جيلٍ عرّف الجيليةً في مفهوم آخر حيث عرّفهم: «لم نكن شيئاً. كنّا نجهل كل شيء، وفي الوقت ذاته نتبحر في كل شيء» الشاعر الذي ابتعد عما يكتبه العرب بلغتهم ليكتب بلغةٍ مستقاة من تجربة الحياة للشعر الأوروبي، منحازاً إلى نبعِ بودلير منطلقاً في أنطولوجيا موسعة ضمن كتابه: «ديوانٌ إلى الأبد (قصيدة النثر/ أنطولوجيا عالمية)» الصادر عن «دار التنوير» وحين يضع مفردة «معيارية» لوصف قصيدة النثر ليقدم وجهته في قصيدة النثر تمييزاً لها عما هو شائع. فالكتاب كما يقول الشاعر والصحفي حسين بن حمزة: «الكتاب (الأنطولوجيا) كله قائم على هذا التمييز الذي تنشغل به مقدمة الكتاب، التي يبدؤها الجنابي بسؤال: ما قصيدة النثر؟ محاولاً تعريف أو إعادة تعريف هذا المصطلح الذي بدأ بالشيوع منذ القرن الثامن عشر، قبل أن يقدمه بودلير «كجنس أدبي قائم بذاته»، مانحاً الريادة الحقيقية لهذه القصيدة إلى اليزيوس برتران في كتابه «غاسبار الليل». وهو الشاعر الذي ولد عام 1944 وانتقل إلى لندن عام 1970 ثم إلى باريس ولكنه ظل إلى يومه هذا يبحث في سديم اللغة (كما يقول الشاعر محمد علي شمس الدين) منطلقاً من أصوله المشرقية حيث يلتزم، وهو المبحر في تصوفه برؤى ابن الفارض وابن عربي متوائماً مع الغرب مرتكناً إلى صمته باحثاً في روح الأشياء، منفلتاً بتلقائية الشعر ومنضبطاً أحياناً بأوزان الفراهيدي وتناميات بدر شاكر السياب وبلند الحيدري فيدوّر تفعيلاته كما يدور الصوفيون في رقصاتهم:
«لا يعرف الموتى مصيرهم
ولا يدرون أنهم قد ماتوا
وأنّ كل ما أتوا به ما هم لو مدى زمان يلتمع
مصيره الصفار والمجاز والغبار… أدلجوا وهم لا يعلمون أنهم موتى فقط
في ظلمة لم يعهدوا
كأنهم لم يولدوا
لا ذكريات لا ندم
لا دمعة لا ومضة تريهم إنجاز ما ابتغوا»
مقدّماً قصيدة مضبوطة الوزن مبكلةً بالمجاز وذكريات الموتى. وهو الدائب البحث يراه الكثيرون عنوان التيه في حين يجده الآخرون سوريالياً وقد يكون في جذر السوريالية الدادائي حيث يبحث في «سيرة الطائر»:
«ذات يوم
كان الطائر المهاجر يعدو في ممرَّات النظر
يتقاذفه نوم هائج
ثلاثة أطفال يلعبون
صافحهم بحرارة ألقت بهم في النهر
كما لو أنه أطلق رصاصاً طائشاً
تحَّولَ المارة إلى طيور»
وهو الذي يجد في الشاعر طائراً ينفصل عن ظلّه معتبراً أن الشعراء يولدون للسكون وليكون رمز السكون، ويذهب إلى اعتبار أن الإنسان انفصل عن عزلته مذ طُرد من مركز الكون وهو يخوض أنطولوجيا ضخمة سماها «كائنات العزلة» ليبحث في عمق ذاته عن عزلته وعزلة الشعراء واضعاً نماذج لشعراء أجادوا التغريد عن العزلة المثالية مترجماً بدقةٍ وحرفية نصوصاً لكل من شارل بودلير ونيتشه وعاشور الطويبي وجورج مينوا وكريستيان بوبان وسواهم. مضيفاً إلى الزخم الشعري الذي قدمه في حياته بدءاً بديوانه الشعري «كيف أعاودك وهذا أثر فأسك 1973»- ثم «في هواء اللغة الطلق 1978»- «مرح الغربة الشرقية 1988» مستمراً بإطلاق دواوين شعرية متباعدة المسافة الزمنية متبعاً أسلوب الشاعر الباحث خلف ستار الصوفية وهو ستار تعايش فيه مع رغبته الدائمة في الانطلاق بقصيدة النثر وربطها بأصولها الشعرية الغربية وانطلاقتها الحقيقية للأهداف الأسمى التي عاشت من أجلها غير قاطع شرايين التواصل مع الأوزان لرجلٍ يعرف أصول النغمة ونغمات الحروف موشجاً كل ذلك برؤية فلسفية منطلقة من الصوفية والسوريالية وكأنه يريد لهذه التيارات والرؤى والتشكيلات الفكرية أن تجتمع عنده ويعقد معها حلقة للنشوةِ بالشعر مطلقاً روح الأشياء شعراً أصيلاً بلا حدود.