التراث في «أغاني مهيار الدمشقي» .. إشعاعات وجدانية وفنية ومعرفية عميقة في الثقافة العربية لشخصيات ذات تأثير

| د. راتب سكر

مدخل:
«نحن أبناءَ هذا الزمان الصغيرْ.
أسْلمتْنا البحار الأمينهْ
البحار التي ترتّلُ مرثيّة الرحيلْ
أسْلمتْنا إلى المتاهْ»

-1-
كان أدونيس في السابعة والعشرين من العمر عندما أصدر ديوانه الأول «قصائد أولى» عام 1957، وديوانه الثاني «أوراق في الريح» عام 1958، المسكونين بغنائية رومانسية أمينة على وشائج صلاتها بالقيم الفنية الشعرية الكلاسيكية العربية الجديدة، من جهة، وعلى مجداف مركبها المتوحد بحزن فياض بتوقه إلى جزر خضراء بمفردات طبيعة بكر، من جهة أخرى. توحد سيظل يدفق موجات فيضه النورانية، ذات الآفاق الصوفية العالية، في تجربته الشعرية اللاحقة، موقظا بين سطورها حنينا رومانسيا إلى أم صوفية بعيدة، تستعين رغبته في التواري بما ملكت يداها من قدرات على استحضار شخصيات ثقافية تراثية، ويرن على جناح من ذلك التواري قول شارل بودلير: «إن الرومانسية تركت فينا جراحا، لن تندمل!».
بعد ثلاث سنوات فقط مرت على صدور ذينك الديوانين، أصدر أدونيس ديوانه الثالث «أغاني مهيار الدمشقي»، عام 1961، مكملا بنهج استلهام التراثين العربي والعالمي، على جناح من تقانات الرمز والقناع والمرآة والتناص وغيرها، الأسس الجوهرية التي بشرت بها دواوينه الثلاثة الأولى، مسارا أساسا لتجربته الشعرية اللاحقة كلها.

-2-
تفتتح عتبة العنوان في ديوان «أغاني مهيار الدمشقي» ، موكبا من أغان، لائقا باستحضار شخصية شاعر غنائي مهم من التراث، هو مهيار، فتتهادى القراءة منذ مفتتحها، على جناح معرفي يستعيد نصوصا غائبة من سيرة مهيار الديلمي (ت1037م)، وقصائده، تلميذ الشريف الرضي في بغداد، الذي تفتح له صفة «الدمشقي»، فرصة ذهبية لوحدة جوهرية مع ذات الشاعر من جهة، وجغرافية الوجود واتجاهات مكوناته من جهة أخرى. تلك الفرصة ستجد في استلهام شخصيات ذوات إشعاعات وجدانية وفنية ومعرفية عميقة في الثقافة العربية، مثل: «مهيار، وعمر بن الخطاب (ر)، وجبلة بن الأيهم، وأبي نواس، والحلاج، وبشار بن برد»، وشخصيات ثقافية إغريقية مثل «أورفيوس، وأوديس، وسيزيف»، وشخصيات دينية مثل «آدم ونوح» (ع)، حوامل فنية مناسبة لتجلي بريق وحدة جوهرها.

-3-
تتعالق تقانات استلهام التراث في ديوان «أغاني مهيار الدمشقي»، بائحة بسر جوهري من أسرار مكانة المرآة، بينها، تلك المكانة التي ستتبلور في دواوينه اللاحقة، بعد أن بدا حضور مهيار المنبثق من جوهر الوجود والذات في وحدة مطلقة، يسوغها مفهوما التماثل والتوءمة، بصياغتهما رؤية النص الشعري لذوات مكوناته في مقابلة الوجود والعالم، بمثل قول الشاعر:

«الليلُ أبوابٌ وساحرات
في رئتيْ مهيارْ
في وجهه الأصفر في يديهْ
مُتْ مثلَنا ضِعْ معنا يا آدمَ الحياةْ
أبْحِرْ بنا إليهْ
توْءمُنا وتوْءمُ النهارْ».
إن إشراق انبثاق «آدم الحياة»، في صورة مهيار، بعد «موته مثلنا، وضياعه معنا»، يضمر رؤيا تموزية، تؤسس بها التوءمة، في مآل النص الشعري، وشاطئ ختامه، «توءمنا وتوءمُ النهارْ»، ولادة جديدة، سريرها الفكري جوهر وحدة الوجود، وأراجيح فنها العالي وحدة الشكل والمضمون منبثقة من مرايا التوحد والتماثل والتوءمة.

-4-
يتألف ديوان «أغاني مهيار الدمشقي»، من عدد كبير من وحدات شعرية تشكيلية، يستقل كل منها بعنوان خاص، ويتعالق مع غيره في فضاء مشترك، تعالقا يهيمن فيه جوهر من ثنائيات الموت والانبعاث، وهو جوهر ذو طبيعة تموزية ستتأسس بها التجربة الشعرية اللاحقة للشاعر، في بعديها الفكري الرؤيوي المضموني، والفني التخيلي التشكيلي.
هذا الجوهر المنبثق من شفير هوّة بين غياب وحضور، بين طوفان وخضرة، بين موت وحياة، يجد هنا باستلهام شخصيات من التراث الثقافي الديني، أو التراث الأدبي، مكونات مفيدة لغاياته المعرفية. تتكرر مع حضور شخصيتي «آدم» و«نوح» (ع)، ثنائيتا الصمت المساوي العدم، وموت البشر المساوي العدم، مقابل الجنة المساوية الحياة، ورجعة الحمامة المساوية الحياة، فيقول الشاعر في مقطوعة «آدم»:

(وشوشني آدمْ
بغصّةِ الآهِ
بالصمتِ بالأنّهْ –
«لستُ أبا العالمْ
لمْ ألْمح الجنّه
خذني إلى الله»).
صمت آدم ونكرانه أبوة العالم، يبدوان نفي نفي لعالم غير مرغوب فيه، وتوقا إلى تمرد لغوي وفكري ووجداني ينتصر لجانب الحياة، في ثنائيات العدم والحياة، انتصارا ستتعمق دلالاته في المنجز الشعري اللاحق للشاعر. وما نفي الرغبة في رجعة الحمامة إلى السفينة في لوحة التشكيل الشعري الذي جاء بعنوان «الطوفان» إلا شكل من أشكال نفي غايته إثبات عودة حمامة من رجاء، يضمر انبعاثا، فيصبح وصف الطوفان الغامر العتيق في كوكب لا يدور، مضمرا لتمرد على ما هو كائن، يصل ذروته في رفض الرجاء المعلق بجناح رجعة الحمامة، إلى السفينة، فيقول الشاعر:

«إنّ طوفاننا كوكبٌ لا يدورْ
إنّهُ غامرٌ وعتيقْ –
ربما نتنشّقُ فيه إلهَ العصور الدفينَه
فاذهبي، لا نريدكِ أن ترجعي يا حمامة».
ثمّة شك ويقين يحتضنان تمردا فكريا ووجدانياً في صياغة ثنائية الوجود والعدم، عدم يغرق في وحوله وجود العالم، وتتوق رؤيا الشاعر إلى مواجهة هذا العدم برفض متمرد يضمر توقا إلى انبعاث الحياة، في فضاء شعري ستمتد آفاقه في غير اتجاه من رحلات رؤى لا تنضب سلالها في دروب قصائد الشاعر.