السيسي وكذبة «الدور التاريخي لمصر»: عندما يموت «عبد الناصر» مرتين

| فرنسا – فراس عزيز ديب 

غالباً ما تستند الأنظمة السياسية على اختلاف مشاربها إلى بعض الصحفيين أو الشخصياتِ العامة الذين توكل إليهم مهمةَ تلميعِ صورةَ هذه الحكومة أو تلك، هؤلاء وظيفتهم التطبيل للحكومات وإدانةَ المحكوم، حتى لو كانت مطالبهُ أقلَّ بكثيرٍ مما يستحق. هذا الأمر موجود في كل دول العالم، ففي سورية مثلاً كان هؤلاء ولا يزالون سلعة تتاجر بها الحكومات المتنوعة للاستثمار بمواقفهم وكتاباتِهم، فبالنسبة لهم فإن انتقاد المناهج المدرسية هو ضربٌ للروح الوطنية، والحديث عن «مهزلةِ» تكريم الإعلام الرسمي لنفسه هو عمل الطابور الخامس وقد يكون تنفيذاً لأجندات استخبارية خارجية يُعاقب مطلقوها بـ«الحجر الفكري» لأنها وحسب خطابهم الخشبي المتعفن لا تساهم ببناء جيلٍ ثوري! تطول السلسلة التي تجعلنا متأكدين بأن هؤلاء الطفيليات لن ينتهي دورهم، بل نكاد نجزم أننا في سورية وفق المعطيات سنحظى بعد الحرب بطبقةٍ من بائعي المواقف تجعلنا نترحم على أيام سابقيهم. أما في مصر فإن هذه الطبقة واجهت العديدَ من المصاعب منذ سقوط عهد الرئيس الأسبق «حسني مبارك»، فهم كانوا يطبلون لـ«جمال مبارك» كرئيسٍ شرعي قادم لمصر فوجدوا أنفسهم فجأة مضطرين للذهاب إلى الجامع 5 مراتٍ في اليوم لأداء فريضة الصلاة تماشياً مع وصول الإخوان المجرمين إلى الحكم، ومع سقوط حكم الإخوان ووصول «عبد الفتاح السيسي» لكرسي الرئاسة استمر هؤلاء في سياسة التقلب بالمواقف لكنهم هذه المرة رفعوا سقف الشعار الترويجي الذي يخص الرئيس الجديد القادم من حضن المؤسسة العسكرية ليقولوا: ها قد جاء خليفة جمال عبد الناصر…
منذ وصول السيسي للسلطة لم يفوِّت هؤلاء فرصةٍ ليحدثونا عن عودةِ مصر لدورها الإقليمي، لكن حتى تاريخ خطابه قبل أيام من على منبر الأمم المتحدة، فإن هذه الطبقة بات عليها أن تختار بين احتمالين: إما أن «جمال عبد الناصر» كان عبارةً عن كذبةٍ كبيرة في التاريخ تنضم لباقي الأكاذيب التي يفيض بها نهر ماضينا الملوث بدماء الأبرياء، أو أن تلميع صورة السيسي لهذا الحد ليس أكثر من استمرارٍ لدورهم في بيع المواقف وتلميع صورةٍ مسبقةَ الدفع لا أكثر. بالتأكيد لسنا بحاجةٍ للكثير من التحليل لنختار الجواب الأدق، لكن يبقى السؤال المنطقي:
هل حقاً أن كلمةَ السيسي في الأمم المتحدة دقت المسمار الأخير في نعش مصر ودورها؟!
بقراءةٍ واقعية للعبارات التي تضمنها خطاب الرئيس المصري من على منبر الأمم المتحدة، فإن الثابت الوحيد فيها هو تأكيد المؤكد بأن مصر اليوم هي أضعف بكثير من أن تحمل لقب «الأخت الكبرى» أو «نقطة التوازن» وما إلى هنالك من ألقاب، فالرئيس المصري حاول منذ بداية كلمته الظهور بمظهرِ الحاكم لدولةٍ تحمل الهمَّ الإفريقي والإقليمي على حدٍّ سواء عندما قال إن إفريقيا في قلب السياسة الخارجية لمصر، لكنه لم يسأل نفسه ما حدود التأثير المصري في المجال الحيوي الإفريقي إذا كانت هذه السياسة أساساً شهدت تقسيم السودان وتحويل إثيوبيا لقاعدة «إسرائيلية» وما تعنيه هاتان الدولتان لأمن مصر كونهما صمام أمام «الأمن المائي»، حتى نهاية الكلمة التي اختتمها بعبارة «تحيا مصر»؛ عبارةٌ بدت خارج السياق العام لأنه في النهاية ليس بمهرجانٍ خطابي في حارة شعبية يريد من خلالها شحن الحس الوطني لدى الحاضرين. من جهةٍ ثانية كان لافتاً أن يتحدث الرئيس المصري عن «الحروب الأهلية» التي تحيط بمصر، لا نعلم حقيقةً عن أي الحروب يتحدث وكأن مصر هي «سويسرا الشرق»، فهو إن تجنب خلال كلمتهِ وبشكلٍ كامل الحديث عما يجري في اليمن كي لا يضطر لتبريرِ الجرائم التي يرتكبها تحالف حلفائهِ من أحفاد شخبوط و«آل سعود» بحق المدنيين، لكنه مر على ليبيا التي لم يجرؤ أن يقول إن ما جرى بها أساساً هو نتاج قرار المنظمة التي يقف على منبرها ويكيل لدورها المدائح عندما مهد مجلس الأمن الطريق للناتو لاحتلال البلد وتدميره. أما إن كان يقصد سورية فإن عليه قبل غيره أن يعي أن مصطلح «الحرب الأهلية» في سورية سقط منذ اعتراف المنظمة التي يكيل لها المدائح بوجود تنظيمات إرهابية مدعومة بالمال والسلاح من الخارج، إلا أن كان مفهوم السيسي للحرب على الإرهاب هو «حربٌ أهلية»، عندها سنسأله وماذا عما يجري في سيناء من ملاحقة لتنظيم «داعش»، ماذا عن المواجهات بين المسلمين والأقباط وسعي اللوبي القبطي في الولايات المتحدة الجاد لبناء كانتونٍ ما على أنقاض مصر، هل هذا الكلام يمكننا تسميته أيضاً بـ«الحرب الأهلية»؟!
أما النقطة الأهم التي وردت في حديثه فهي مخاطبتهُ لمن سماه «الرأي العام الإسرائيلي». اللافت أن خطاب السيسي تزامن مع نشر أحد المعارضين السوريين ممن كانوا رمزاً للفساد والسلطة في سورية منشوراً على صفحتهِ الشخصية في فيسبوك يتغنى بـ«إسرائيل» كدولة، بل قال إنه معجبٌ بها منذ عقود أي منذ أن كان هو وعائلتهِ يصولون ويجولون فساداً وسلطة، ويبيعون الفقراء شعاراتٍ عن «الصمود والتصدي»، يومها هناك من نشر كلام هذا المعارض السوري وبعضهم مصريون يقدمون أنفسهم كحاملين للـ«فكر العروبي» للحديث عن انبطاحية هذه المعارضة، لكنهم وبعد كلام السيسي صمتوا!
السيسي كما يقول المثل الشعبي «كبرت الخسة برأسه» هو لم يشأ أن يخاطب «الرأي العام الإسرائيلي» كرئيس لمصر، أو ناطق باسم مشيخات البترودولار بل خاطبهم باسم العرب جميعاً عندما قال «إننا – العرب – جاهزون للسلام»، لا نعرف من أعطاهُ الحق ليتحدث باسم العرب ولا نعرف ماذا يمثل «سيادته» لينقل للطرف الآخر رسالة بهذا الحجم، أنت هنا لتمثل بلدك من على منبرٍ يضم الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي عليك التحدث باسم المصريين، حتى محاولة البعض تسويغ مواقفك هذه بأنك أردت القول إننا نمد اليد للسلام لكننا جاهزون لكل الاحتمالات هي أشبه بتبرير شيوخ الفتنة للدعوات إلى الديمقراطية بأنها «شرك بالله» فقط عندما تكون موجهة لحكام «آل سعود». هل يستطيع أحد أن يشرح لنا ما الاحتمالات الجاهز لها السيسي إذا كان الدخول لسيناء لمحاربة تنظيم «داعش» يحتاج إذناً من «إسرائيل» لأنه قد يكسر اتفاق «كامب ديفيد» حول العدة والعتاد المتعلقة بالقوات المصرية الموجودة هناك؟
لكن السيسي فجأة تحول من ناطقٍ باسم العرب إلى ناطقٍ باسم الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، كيف لا وهو طالب «الإسرائيليين» أن يلتفوا حول قيادتهم. للوهلة الأولى تشعر بأن من يتحدث ويطلب هذا الطلب هو زعيم ديني ما في إحدى المنظمات الصهيونية من المعجبين بـ«الفكر العنجهي والإجرامي» لنتنياهو، لكن عندما تستدرك نفسك بأن من يرقص على طبول الحملة الانتخابية لهذا الفكر هو زعيم دولة عربية يلقبونه «خليفة عبد الناصر»، هنا تشعر بأن المشكلة لديك لم تعد بمن لم يقتنع أن هذا «السيسي» مجرد أداة يحركها البترودولار كيفما يريد، المشكلة كيف سنقنع الأجيال القادمة أن عبد الناصر لم يكن كذلك؟
تربينا كجيلٍ مهتمٍ بالشؤون السياسة على فكرة أن لمصر «دوراً تاريخياً في المنطقة»، ويا للأسف ما زلنا نبحث في الكتب والمراجع عن هذا الدور التاريخي، لكننا لم نكتشف إلا «تاريخية» الدور الذي أدى لوقوعنا في مطب «كامب ديفيد» المشؤوم، والذي بدورهِ أدى إلى انشقاق لارجعةَ فيه حتى بما يتعلق بأبسط بديهيات الحقوق وهي «القضية الفلسطينية»، والمشكلة أن كُثراً ومن بينهم مصريون ما زالوا يعيشون بشعاراتٍ وأوهامٍ عفا عنها الزمن، لأنه بدا واضحاً أن مصر باتت دولة غير قادرة على إنتاج قيادة سياسية مستقلة بقرارها أو على الأقل قيادة سياسية مستقلة بخطابها، فهل يا ترى كان السيسي يجرؤ عندما تحدث عن إنشاء «دولة المواطنة البعيدة عن التمذهب» أن يُسمي من الدول أو المشيخات القائمة أساساً على تحالف «السيف والدين»؟ أم إن هذا الكلام قد يُغضب «أولياء النعمة». هل مازال هناك من هو مقتنع بأن قرار عدم إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سورية هو قرار مصري؟! نحن هنا نتحدث لا لكي نجلدَ مصر الدولة والشعب التي نحب ونحترم، بل نحاول أن نقول وعلى طريقة عبد الناصر عندما خاطب جحافل الرجعية بالقول أن من يستقبل قواعد أميركية لايمكن له أن يحارب ليسترد فلسطين، فما بالنا عندما يتحول رئيس لدولة بحجم مصر لناطقٍ باسم نتنياهو و«أيتامه» في مشيخات البترودولار، عندها ليس علينا فقط أن نرثي للحال الذي وصلوا إليه، لكننا نحاول إيقاظ النائمين من غفوتهم لنقول لهم وببساطة: استيقظوا فـ «عبد الناصر» مات ولم يعد…