قطاع الزراعة الروسي وتحدي العقوبات الاقتصادية والسياسية الغربية

| قحطان السيوفي 

العقوبات الاقتصادية والسياسية الظالمة التي تفرض على الدول والشعوب، عادة ما تكون حافزا للإبداع والاعتماد على الإمكانات الوطنية، وهذا ما شهدته الدولة الروسية، وهي السادسة من حيث القوة الشرائية، وصاحبة أكبر احتياطي للغاز في العالم، وسادس أكبر احتياطي للذهب، والدولة المساهمة بربع الإنتاج العالمي الإجمالي من الألماس، ومالكة مؤسسات قوية في مجالات صناعة الفضاء والأسلحة والإنتاج الزراعي، وهي الدولة الـ12 على مستوى العالم لجهة الناتج المحلي الإجمالي.
يعتمد الاقتصاد الروسي بصورة رئيسة على صادرات النفط والغاز التي توفر اليوم للدولة أكثر من 40 بالمئة من إيراداتها، وتأثر الاقتصاد الروسي نسبياً بسبب تدني أسعار النفط من جهة، والعقوبات الاقتصادية الأوروبية والأميركية المفروضة على موسكو من جهة أخرى، وتوسعت روسيا في الإنفاق العسكري خلال عام 2016، حيث صارت تحتل المرتبة الثالثة على مستوى العالم، بزيادة تعادل 5,9 بالمئة.
كان هدف العقوبات الغربية الظالمة إضعاف الاقتصاد الروسي، لكن قطاع الزراعة الواعد تحدى العقوبات، وحقق طفرة في صناعة الغذاء والزراعة في البلاد بسبب القيود المفروضة على الواردات الغربية في أنحاء البلاد، فالمزارع والحقول ومستنبتات البيوت المحمية، ومصانع الأسمدة تزدهر بسبب لجوء المستهلكين إلى الأغذية المُنتجة محلياً وفي أسوأ فترة من العلاقات بين موسكو والغرب، وحصلت بعد أن فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة العقوبات على بعض الشركات الروسية عقب إعادة روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، وكان رد موسكو حازماً بحظر شامل على واردات الأغذية الغربية؛ حيث تم حظر نحو 60 بالمئة من إجمالي واردات اللحوم والأسماك، و50 بالمئة من واردات منتجات الألبان والخضروات والفواكه، ما أوجد فرصة للمنتجين المحليين، وانخفض إجمالي واردات الأغذية من الاتحاد الأوروبي 40 بالمئة في الفترة بين عامي 2013 و2016.
يقول الرئيس التنفيذي لـشركة الأسمدة الروسية الكبرى «فوساجرو»: إن «الزراعة الروسية تزدهر، ونحن نرى بالتأكيد كثيراً من الاهتمام من المستثمرين الأجانب».
أنتجت شركة «أكواكالتشر» الروسية أسماكاً أكثر بنسبة 664 بالمئة في النصف الأول من عام 2017 مقارنة بالعام الماضي، وافتتحت أخيراً مزرعة تنتج 1500 طن من الأسماك، وهي جزء من خطط لمضاعفة مخزونها من الأسماك خلال العام المُقبل، بالمقابل مبيعات «روساجرو» وهي أكبر شركة زراعية روسية، ارتفعت 16 بالمئة عام 2016، مقارنة بالعام السابق، بما في ذلك زيادة بنسبة 49 بالمئة في مبيعات المحاصيل، مثل القمح والذرة، ويقول المحللون إن الشركات الغذائية والزراعية في روسيا ضخت خمسة مليارات دولار نفقات رأسمالية في عام 2016.
زادت شركة الزراعة الإسبانية «جروبو فويرتس» مؤخراً حصتها في مؤسسة «تشيكيزوفو» إلى 8 بالمئة، ليصل إجمالي استثمارها إلى 77 مليون دولار، ويُقدّر المراقبون أن شركات الزراعة المُدرجة في روسيا تُتداول بسعر منخفض بنسبة 35 بالمئة مقارنة بشركات مماثلة في الأسواق المتقدمة والناشئة الأخرى، وتوفّر فرصاً استثمارية جذابة على المدى الطويل. ووفقاً للشركات الاستشارية في مجال الزراعة، تتوقع روسيا إنتاج أكثر من 130 مليون طن من الحبوب هذا العام، ما يعني تجاوز الرقم القياسي الذي حققه الاتحاد السوفييتي في عام 1978، خلال فترة من الاستثمار الكثيف في المزارع الجماعية التي تديرها الدولة.
وتستطيع روسيا تصدير رقم قياسي من الحبوب يبلغ 40 مليون طن هذا العام، كما قال وزير الزراعة أليكسندر تكاتشوف مؤخراً، وتجاوزت روسيا الولايات المتحدة العام الماضي في صادرات القمح للمرة الأولى منذ عقود، ومن المتوقع أن تنتزع مركز الاتحاد الأوروبي على اعتبارها أكبر مُصدّر في العالم هذا العام، وذلك وفقاً لوزارة الزراعة الأميركية، وبعد عقوبات جديدة فرضتها واشنطن في الأسابيع الأخيرة، بات من المستبعد أن تتحسن العلاقات بين البلدين قريباً، ما يعني أن شركات الإنتاج الزراعي تستثمر على المدى الطويل.
حسب «فايننشيال تايمز»، فإن العقوبات منحت روسيا انطلاقة وحافزاً على الإبداع، والمزيد من الإنتاج، ويقول المستثمر الأميركي جيم روجرز الذي يملك بعض الأسهم في «فوساجرو» وهو عضو في مجلس إدارتها: «الغرب يُلحق الضرر بنفسه، كان الهدف من العقوبات إلحاق الضرر بروسيا، لكن الزراعة الروسية تطورت».
ويُضيف: «الأموال تأتي، والخبرة تأتي»، ويتابع: «ينبغي لبعضهم الطلب من الأميركيين رفع العقوبات الآن قبل أن تترسخ هنا صناعة عملاقة ضخمة وذات كفاءة وذات تمويل جيد».
ومع أن 145 مليون روسي يوفّرون سوقاً محلية ذات حجم جيد، إلا أن كثيراً من شركات الزراعة المحلية ترى نموها على المدى الطويل في الصادرات، ويؤكد الخبراء أن روسيا ستُغذّي العالم، فلديها أراض صالحة للزراعة ومياه وتكنولوجيا وبنية تحتية.
ببساطة ستجد البلدان نفسها في مواجهة ندرة الغذاء، لذلك ستنظر إلى روسيا، وتستثمر في روسيا، لحماية مصالحها وأمنها الغذائي.
مركز الدراسات الذي يديره وزير مالية روسيا الأسبق، يوصي في دراسة أعدها مؤخراً، بالمزيد من تنويع الاقتصاد الروسي، وأيضاً تنويع الأسواق المستوردة لصادرات موسكو من النفط والغاز والسلع الأخرى.
بالمقابل سوف يتعزز الدور النفطي لروسيا في السوق الأوروبية على المدى القصير بسبب تراجع الإنتاج والتصدير في بعض الدول النفطية من ناحية، وتزايد حاجة أوروبا إلى الطاقة من ناحية ثانية، ويشير المحللون إلى تعافي نمو الاقتصاد الروسي تباعاً بعد امتصاصه الصدمة الأولى المتأتية من العقوبات الغربية، وإلى قرارات موسكو الواقعية والجريئة في المجال الاقتصادي، ودليلهم أن الاقتصاد انكمش بنسبة 3,7 بالمئة في عام 2015، فيما لم يتجاوز الانكماش نسبة 7 بالألف في العام التالي، ويقول المراقبون المحايدون إن عام 2018 سيشهد بداية ازدهار وانطلاقة جديدة للاقتصاد الروسي.
ونشير هنا إلى أن تقرير المركز الإستراتيجي الروسي تضمن جزءاً خاصاً حول الشرق الأوسط والدور الروسي فيه، فموسكو تقف مع الشرعية الدولية وحق الشعوب، لذلك ساندت الدولة السورية في حربها ضد الإرهاب من أجل الحفاظ على مؤسسات وسيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها.
اختصاراً؛ قطاع الزراعة الروسي كان رائداً في مواجهة وتحدي العقوبات الغربية ضد روسيا، وهذه العقوبات الظالمة كانت حافزاً للإبداع، والاعتماد على الذات الوطنية، وأسهمت في تطوير ونمو في قطاع الزراعة الروسي دعماً لصمود روسيا كدولة عظمى على الساحة الدولية.