كل فيلم قصير استعار بحرية من الأفلام الأخرى .. لا يزال الفيلم بحاجة إلى غرض يؤديه وإلى شكل لصنع كلّ متماسك

| سارة سلامة

مع أن كتباً كثيرة ألفت عن كتابة السيناريو، ما عدا استثناءات قليلة معنية بكتابة الفيلم الطويل، فإن معظم الكتب الحديثة ركزت على البنية وابتعدت عن القضايا التي اهتم بها سابقوها. نتيجة لذلك فإن صلة هذه الكتب بكتابة الفيلم القصير تطرح مقارنة بين بنية الفيلم القصير وبنية الفيلم الطويل التي هي في جوهرها بنية الفصول الثلاثة، هذه العلاقة بين الفيلمين القصير والطويل في كل من النسب والشكل هي في أفضل الحالات ضعيفة وباهتة، وفي كثير من الأفلام القصيرة، يمكن أن تكون بنية من فصل واحد أو فصلين أسلوب كتابة أكثر ثمرة. وزبدة القول هي أنه لا يزال الفيلم نفسه بحاجة إلى غرض يؤديه وإلى شكل لصنع كلّ متماسك.
صدر حديثاً عن وزارة الثقافة- المؤسسة العامة للسينما كتاب «كتابة الفيلم القصير»، وهو ضمن سلسلة «الفن السابع»، من تأليف: بات كوبر – كن دانسيغر، وترجمة: محمد منير الأصبحي، ويقسم هذا الكتاب إلى أربعة أجزاء، يعالج الأول منها الصفات الجوهرية الكامنة في سيناريو الفيلم القصير، والثاني يسير بالكاتب من الأمور الجوهرية إلى إستراتيجيات حكاية القصة، والتصور البصري، واستخدام الأسلوب الدرامي، والشخصية، والحوار، ويعنى الجزء الثالث بتشكيل القصة، ويشير الجزء الأخير إلى توجهات مستقبلية.

استعار من الأفلام الأخرى
ومما جاء في المقدمة أن «المستهدفين من هذا الكتاب هم طلبة السينما والفيديو أو صانعو الأفلام والفيديوهات المستقلون الذين تواجههم ضرورة كتابة سيناريو روائي قصير، ولأغراضنا سنعتبر أن الفيلم القصير هو الذي يستغرق ثلاثين دقيقة أو أقل، باعتبار أن الأفلام الأطول من ذلك تحتاج عادة إلى خط حبكة ثانوي للحفاظ على اهتمام المشاهدين، وإضافة إلى ذلك فاحتمال أن تكون مؤهلة للمشاركة في المهرجانات أو ملائمة للعرض كنموذج لعمل صانعها ضعيف جداً، ومع أن تركيزنا الأساسي هو على الأفلام القصيرة الروائية، فنحن ننوي أن نبين كيف أن كل فيلم قصير استعار بحرية من الأفلام الأخرى، فمن المهم أن يدرك كتّاب السيناريو الأقل خبرة أنه حتى حين تسير كتابة سيناريو فيلم روائي أو وثائقي أو تجريبي بطريقة غير رسمية– مثل اللجوء إلى الارتجال- لا يزال الفيلم نفسه بحاجة إلى غرض يؤديه وإلى شكل لصنع كلّ متماسك، وهذا صحيح حتى عن القصص التي تركز اهتمامها الأول على الشكل، أو الشكل كسياق، كما هي الحال في أحيان كثيرة بالنسبة لأفلام وفيديوهات ما بعد الحداثة».

حكاية القصة
حمل الجزء الأول عنوان «أمور أساسية: وضع الأساس» وهذا العنوان ضمّ عدة أجزاء: حكاية القصة بشكل عام، حكاية القصة بالصور، استخدام الصور لحكاية القصة، اكتشاف شخصية أساسية واستكشافها، رواية قصة درامية، كتابة سيناريو قصير أصلي، حول المراجعة: الجوهر والأسلوب.
وفي «حكاية القصة بشكل عام» وفي تعريف مبدئي لأغراض هذا الكتاب يبين القصة على أنها رواية لأحداث أو وقائع تتعلق بكيفية حدوث شيء ما لشخص معين، وسيعتبر هذا الشخص الشخصية الرئيسية في القصة، وإذا أضيف عنصر السببية إلى حكاية كيف حدث شيء لتلك الشخصية، فسينظر إلى القصة على أنها تحتوي على حبكة، ويعطي إ. م فورستر في كتابه «جوانب الرواية»، مثالاً دقيقاً وموجزاً لهذه العملية: جملة «مات الملك ثم ماتت الملكة» جملة تصريحية، وجملة «مات الملك ثم ماتت الملكة حزناً عليه» هي «حبكة»، وبصورة عامة يعطي السيناريو القصير، مثل القصة القصيرة، أفضل النتائج حين لا تكون الحبكة معقدة، حين تتاح لنا نظرة إلى شخص في لحظة خاصة- يحتمل جداً أن تكون محورية- في حياته أو حياتها، لحظة تحرّك فيها حادثة معينة أو خيار بسيط سلسلة من الأحداث.

الدراما المغالية
وجاء الفصل الثالث بعنوان: «الأجناس: صياغة القصة» وفي هذا الجزء يلقي النظرة على أربعة «أجناس أعلى»، تلك التي تسمو فوق الأجناس الأكثر تحديداً ومع ذلك تشمل، على سبيل المثال كل فيلم رياضة وكل فيلم عصابات وكل ملهاة تهريجية تحتوي على طبقة من «الميلودراما»، ومع أننا سنستخدم أفلاماً طويلة لنضع الأجناس المختلفة في سياق محدد، لن ننظر إلا إلى الأجناس الأعلى التي تناسب الفيلم القصير، هذه الأجناس الأعلى تتقبل الصفات الخاصة بالفيلم القصير- علاقته بالقصة القصيرة أو بالصورة الفوتوغرافية- كذلك الرابط الذي يربط الفيلم القصير بأشكال غير سردية مثل الشعر والفن التجريدي، ومن الأجناس الأعلى ودورها في كتابة الفيلم القصير: «الميلودراما، الدراما الوثائقية، الدراما المغالية، الحكاية التجريبية، فرصة التجديد».
وإذا ما تحدثنا قليلاً عن «الدراما المغالية» فهي بعيدة بطرق كثيرة عن الميلودراما والدراما الوثائقية كلتيهما ومع أن الدراما المغالية تحافظ على العناصر البنيوية الأساسية، إلا أنها عكس الواقعية في اللهجة والواقعية الفعلية في الجنسين الأعلى الآخرين، بهذا المعنى، كلا المبالغة المفرطة والخيال مكونان أساسيان في الدراما المغالية، ومع أن المقارنة مع الحكاية الخرافية شديدة التقييد، فالعناصر المتوازية موجودة: هيمنة الصراع الأخلاقي الجوهري، في «ذات الرداء الأحمر»، الخطر معروف، وهو الذئب، ويتعلق الصراع الأخلاقي باحترام من هم أكبر سناً.

فرصة التجديد
أما الجزء الرابع فكان تحت اسم «اتجاهات جديدة» وفي أميركا الشمالية، الفيلم القصير هو صيغة قصة تدريبية، وفي أوروبا لقي القبول منذ سنوات كثيرة كشكل من أشكال الفن، لكن التغييرات التقنية والإبداعية، وخاصة في السنوات العشر الماضية، توحي بأننا على حافة تغيير لا يستهان به، والغرض من هذا الجزء من الكتاب هو طرح اتجاهات عملية وتخمينية يمكن أن يتبعها التغيير في الفيلم القصير.
و يقول في «فرصة التجديد»: من كان يظن أن (مارتن سكورسيزي، وسبايك لي)، اللذين بدأا مسيرتهما كصانعي أفلام وهما طالبان، سيعودان إلى الفيلم القصير في منتصف مسيرتيهما؟ فشركة (bmw) تعاقدت مع كل منهما لعمل فيلم قصير عن سيارته كي تعرضه على موقعها على الشبكة، وقد نجح الفيلمان إلى حد أنه جرى توزيع أحدهما على الأقل في صالات سينما مختارة كما أن السلسلة متوافرة ويمكن شراؤها على أقراص مدمجة، وكان سكورسيزي قد عاد إلى الفيلم القصير من قبل لصنع فيديو مايكل جاكسون «سيئ» المتضمن في ألبوم مثير، ويصنع سبايك لي أفلام دعاية بشكل مستمر، وهكذا تستمر الأفلام القصيرة في أن تكون عنصراً مستمراً في المسيرة الإبداعية لكل من مارتين سكورسيزي، وسبايك لي.