«الفتق» الأول في نسيج سايكس بيكو

| عبد المنعم علي عيسى

إذاً، لم تنفع جميع التدخلات التي جاءت من قوى كبرى أو دول محيطة مؤثرة، في إقناع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني بتأجيل، أو بإلغاء، الاستفتاء الذي أجري أول أمس، وبات مؤكداً أن بارزاني قرر رمي كرة النار في كل هذا اليباس العربي والإقليمي وليكن الطوفان بعدها، فالاستفتاء «في أيدي الشعب الكردي» وهو جرى «ليس من أجل رسم الحدود، ولكن من أجل تأكيد حقنا في الاستقلال» على نحو ما جاء في خطاب ألقاه يوم الجمعة الماضي.
لا يمكن تفسير هذا الإصرار الكردي على المضي قدماً في لعبة ذري النار، سابقة الذكر، إلا على محملين اثنين: الأول أن هناك موقفاً أميركياً مبطناً، وهو مغاير تماماً للموقف المعلن والرافض لإجراء الاستفتاء، الثاني أن قيادة الإقليم قررت المقامرة والراجح أنها ترى أن الظروف الحالية هي المثلى لإجراء الانفصال، وإذا لم يتم استثمارها الآن فإن ذلك لن يحدث في يوم قريب.
في الاحتمال الأول من المؤكد أن المصلحة الأميركية هي في بقاء عراق موحد في مواجهة إيران، وهي إستراتيجياً لطالما اعتمدتها واشنطن لإبقاء التوازنات الإقليمية عنصر ضبط وسيطرة للأمن الإقليمي، مثلما فعلت في شرق آسيا، فلم تكد الهند تعلن عن أنها أضحت دولة نووية عام 1998، حتى بادرت باكستان بعد أيام قليلة إلى فعل الأمر نفسه، وإذا ما كانت واشنطن فعلاً تضمر غير ما تعلن، وهو أمر معقول، فإن ذلك سيكون استجابة لضغوط إسرائيلية تماماً كما حدث في العام 2003 عندما ضغطت تل أبيب على واشنطن التي ضغطت بدورها على أنقرة للقبول بحكم ذاتي كردي موسع الصلاحيات في شمالي العراق.
في الاحتمال الثاني، صحيح أن المنطقة تعيش مرحلة وهن وتشرذم غير مسبوقة، إلا أنها صمدت في الحفاظ على إبقاء حدود سايكس بيكو قائمة، وهي لم تنجح في تلك المهمة بقواها الذاتية فقط، وإنما بفعل مصلحة أميركية روسية ترى وجوب المحافظة على حالة الستاتيكو الجغرافية القائمة منذ عام 1916، وصحيح أيضاً أن هناك حالة انقسام كبير في الموقف الإقليمي بين دول متضررة ترى أن ما يجري يمس أمنها القومي المباشر، ودول داعمة له بقوة انطلاقاً من حسابات إقليمية مرحلية أو مؤقتة يمكن إيضاحها عبر الحالة السعودية.
الرياض لم تخف دعمها لانفصال الإقليم على الرغم من أنها ترى في عراق قوي وموحد سبيلاً وحيداً للوقوف بوجه الأطماع الإيرانية وهو ما أثبتته الحرب الإيرانية العراقية ما بين عامي 1980-1988 إلا أنها ترى أن من شأن تلك الخطوة، أي تفكك العراق، أن تؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى زعزعة استقرار تركيا، القوة الإقليمية الكبرى التي تنافسها على الزعامة الإسلامية السنية، لكن الصحيح أيضاً هو أن دعم دول المنطقة لقوى ذات توجهات انفصالية أمر من شأنه أن يشكل خطراً مباشراً عليها جميعها حتى ولو لم تكن في بعضها رواسب إثنية أو عرقية فالرواسب عديدة وما من بيت عربي إلا جدرانه من زجاج.
بعيداً عن التداعيات المحتملة للحدث، وهي عديدة ومن الجائز أن تصل إلى حدود إضرام نار حروب عرقية إقليمية تعيد المنطقة إلى مناخات قرون عديدة مضت، بعيداً عن ذلك، فإن ما أفرزه الحدث حتى الآن من ظواهر يعتبر كافياً لتلمس الآتي.
وعلى الرغم من أن الغالبية القصوى لتلك الظواهر هي سلبية، إلا أن بعضها النادر جاء إيجابياً، ففي ظل المكاشفة «الغلاسنوست السوفيتية» العربية الكردية الجارية حالياً، بدا واضحاً حجم «التقية» الاجتماعية والأخلاقية التي يمارسها الطرفان كل منهما في مواجهة الآخر، وظهر ذلك في نزعة جارفة تريد أن تثبت أن كل ذلك التعايش المشترك على امتداد قرون وقرون، كان مجرد كذبة مستترة، وهي تنتظر مجيء اليوم الحاسم لتصحيحها، والذروة في هذا السياق كانت في الخطاب الكردي الذي تم استخدامه للوصول إلى حالة التعبئة القصوى.
إن هذا الخطاب يقوم بالدرجة الأولى على توجيه العديد من التساؤلات أبرزها: ما الذي عند العرب غير المذهبية وداعش والحشد الشعبي؟ ثم يجيب، ذلك الخطاب، بأن الاستفتاء هو لحظة افتراق كردية مع كل ما سبق، ولذا فهو يعتبر مبرراً بكل المقاييس، إلا أن الإيجابيات التي نزعمها قد تمظهرت في حالة انجذاب السنة إلى الشيعة العرب العراقيين، في مؤشر يؤكد أن القومية العربية لم تكن في يوم من الأيام «وهماً» أو «كذبة» كما حاول البعض من أعدائها أن يقولوا، وهي لا تزال تمثل الحاضنة القادرة على حمل راية المجتمعات العربية على الرغم من انقساماتها المذهبية والدينية أو حتى العرقية أيضاً.
خطوة بارزاني التي تناغي مشاعر وطنية وإنسانية سامية هي في الآن ذاته تمارس عملية التحطيم الذري لتلك المشاعر، فقيام الدولة هنا يقوم أساساً على رهان بوجود حوامل إقليمية ودولية بعيدة لكنها كفيلة بالتعويض عن تلك الحوامل الطبيعية المحيطة في دورها الإنعاشي، وهي تضع نصب عينيها تجربة الكيان الإسرائيلي على الرغم من التفاوت الكبير بين التجربتين سواء أكان في المعطيات المكونة لكل منهما أم في الدور الوظيفي الموكل إليهما والذي يستدعي، ولطالما استدعى مراراً، تقديم الدعم الأميركي والغربي المباشر في حال تعرض الكيان الوليد لخطر تهديد الوجود، ناهيك من أن ذلك الرهان لا يأخذ بالحسبان رهانات أخرى مماثلة وجميعها فشلت.
ألم يفشل رهان الرئيس المصري محمد أنور السادات على انكفاء مصري وراء الحدود اعتماداً على دعم أميركي وغربي؟ ألم يفشل الرهان السعودي على المظلة الأميركية الحامية التي تظلل نظام آل ـسعود على الدوام، وهو ما تأكد خطأه بدءاً من عام 2015 فصاعداً؟ ثم ألم يفشل الرهان الكويتي على المظلة نفسها ففضلت الولايات المتحدة التضحية بالكويت لأجل اصطياد صدام حسين؟
في المطلق فإن الخطوة الكردية تشكل مرتكزاً مهماً في صناعة الشرق الأوسط الجديد بعدما استطاع حزب اللـه القضاء عليه وهو في مهده، وهي ستكون مقدمة تقود إلى سلسلة من الانقسامات لا تنتهي، وتبدأ بتقسيم الدول العربية إلى دول شيعية وأخرى سنية، وتقسيم هذي السنية إلى دول معتدلة وأخرى متطرفة، والسنية المعتدلة إلى دول عاقلة وأخرى غير عاقلة، والسنية المعتدلة العاقلة إلى دول حضارية وأخرى غير حضارية، حتى إذا ما وصلنا إلى التقسيم الأخير كانت السياقات قد استولدت انقسامات أخرى جديدة.