حرام الأمس أصبح حلالاً اليوم … كيف تغيرت فتوى «علماء الدين» لغايات سياسية؟

| وائل العدس

لقي القرار الذي أصدره رأس الهرم في نظام آل سعود بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة اهتماماً عالمياً كبيراً، وهو رد فعل طبيعي نظراً للقلق السابق من المنظمات الحقوقية الدولية على وضع المرأة في المملكة وحرمانها من حقوقها. هذا القرار فتح المجال لنحو 10 ملايين سيدة سعودية ومقيمة يحق لهن قيادة السيارة.
المرأة السعودية كانت الوحيدة في العالم التي لا تستطيع قيادة السيارة بحرية وتنتظر دائماً رجلاً ليخرج معها إلى أي مكان، لذلك مملكة آل سعود تعد أسوأ الدول فيما يتعلق بسيطرة الذكور في العالم.

نظام مستبد
قالت الكاتبة السعودية والأستاذة الزائرة بمركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، مضاوي الرشيد إن القرار الملكي لا يبدو إلا محاولة لتجميل نظام مستبد يضطهد النساء والرجال معاً ويحاول استخدام هذه الإصلاحات الشكلية لإرضاء الغرب؛ ليتغاضى عن حقيقته.
وأشارت في مقال نُشر بصحيفة الغارديان البريطانية، إلى محاولة النظام السعودي تقديم نفسه على أنه المنقذ للمرأة والمدافع عنها في مواجهة ادعاءات بظلم المجتمع والدين لها، على حين اعتقل النظام نفسه الأسبوع الماضي فقط أكثر من 30 شخصاً من المهنيين ورجال الدين والنشطاء من دون سببٍ واضح إلا لنشر الرعب والتخويف.
وأشارت إلى أنه على الرغم من أن حرية التنقل حق عالمي، لا تزال النساء السعوديات مقيدات، فلا يمكنهن الزواج، أو العمل، أو الدراسة، أو السفر، أو طلب العلاج إلا بموافقة أوليائهن الذكور، ولا يمكن أن تتزوج السعودية برجل أجنبي إلا بموافقة وزارة الداخلية، كما لا يمكنها نقل الجنسية لأطفالها، الذين يصبحون حينها بحاجةٍ للحصول على تأشيرة لدخول المملكة، ولا يمكنها حتى أن تلجأ إلى الحكومة في حال تعرضت للإساءة من أفراد أسرتها، فالجهات الرسمية لا تتدخل في الشؤون العائلية، وإذا حدث، فغالباً ما تقف في صف المعتدين.

بين الحلال والحرام
أعوام كثيرة من النضال خاضتها المرأة السعودية لنيل حق قيادة السيارة، تكلل بالنجاح بعد قرار ملكي يوم 26 أيلول، وما كان محرّماً من هيئة كبار العلماء قبل هذا اليوم، حوله قرار ملكي إلى حلال متوافق مع الشريعة ومواكب لحاجات العصر وفق دعاة المملكة أنفسهم!.
وفور صدور القرار الملكي صدر موقف عن الهيئة من خلال تغريدة نشرها حسابها على تويتر: حفظ اللـه خادم الحرمين الشريفين الذي يتوخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية، لتكون بذلك قد اصطفت خلف قرار الملك، متجاهلة كل مواقف كبار العلماء السعوديين السابقة.
ودرءاً للحرج، عمدت الهيئة إلى إصدار بيان لاحقاً أوضحت فيه الأسباب التي دفعتها للإشادة بقرار الملك، رغم مواقفها السابقة تجاه تحريم قيادة المرأة. وبعد أن نوهت بقرار الملك، قالت: إن اجتهادات الملك تهدف إلى تحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وإن ولي الأمر يختار في كل قراراته، الأصلح والأنفع والأيسر.
ولفتت إلى أن فتاوى العلماء السابقة فيما يتعلق بقيادة المرأة للمركبة… لم تتعرض للقيادة ذاتها التي لا يحرمها أحد لذات القيادة.
لقد كان المفتي الأسبق للمملكة عبد العزيز بن باز يصف قيادة المرأة للسيارة أنها تؤدي إلى الرذيلة، وإلى مفاسد، منها الخلوة المحرمة بالمرأة، والسفور، والاختلاط بالرجال من دون حذر، ومنها أيضاً ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور، على اعتبار أن الشرع المطهر منع الوسائل المؤدية إلى المحرم واعتبرها محرمة.
وفي بيان صادر عام 1999 قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية إن قيادة المرأة للسيارة، فيها هتك الحجاب الذي أمرها اللـه به.
وفي نيسان من العام الماضي، قال مفتي نظام آل سعود عبد العزيز بن عبد اللـه آل الشيخ: قيادة السيارة قد تفتح عليها أبواب شر ولا تنضبط أمورها، فالواجب والمطلوب منا ألا نقرّ هذا؛ لأن هذا أمر خطر يعرضها للشرور.
وبعدما نام أهالي المملكة على كون قيادة المرأة من الأمور الحرام المسببة للفتنة، استفاقوا ليقرؤوا مواقف جديدة للدعاة منسلخة تماماً عما عهدوه. كموقف عائض القرني الذي أشاد بالقرار الملكي لكونه «يتوافق مع سماحة الشريعة الإسلامية ومواكبتها لحاجات العصر».

اعتقالات تعسفية
في 9 تشرين الثاني 1990، سُجل خروج أول تحرك علني للنساء للمطالبة بحق القيادة، ويومها انطلقت من العاصمة الرياض 13 سيارة تقودها نساء، وشارك في التحرك 47 امرأة من أكاديميات وسيدات أعمال وطالبات.
فعاقبتهن سلطات آل سعود بفصلهن من أعمالهن ومنع أولياء أمورهن من السفر لمخالفتهم فتوى كبار علماء المملكة التي تحرّم قيادة النساء للسيارة.
وفي وقت كان موقف هيئة العلماء والدعاة مدار جدل وسخرية من الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، أثار مغردون سعوديون آخرون استمرار اعتقال بعض الشخصيات على خلفية تأييدهم مطلب قيادة المرأة للسيارة، رغم صدور القرار.
من بين هؤلاء المعتقلين الصحفي السعودي علاء البنجي، الذي حكم عليه في العام الماضي بالسجن لمدة 5 سنوات.
وخلال موجة الاعتقالات التعسفية الأخيرة، اعُتقل الباحثان السعوديان مصطفى الحسن وعبدالله المالكي بسبب تأييدهما للمطالب نفسها.
وذكر مغردون أنه جرى اعتقال محمد القحطاني بسبب قيادة زوجته للسيارة، ونشرت زوجة المعتقل محمد العتيبي ما يفيد بأن إحدى التهم التي وُجهت إلى زوجها كانت تأييده ومناصرته لحق المرأة بالقيادة.

مصير مجهول
بصدور قرار السماح للمرأة السعودية بالقيادة فإن مئات الآلاف من الذكور الذين كانوا يعملون كسائقين للسيدات ومعظمهم من جنوب آسيا يواجهون خطر فقدان وظائفهم، ومن ثم لن يستطيعوا إرسال الأموال إلى عائلاتهم، ما يعزز ميزان المدفوعات السعودي بالحد من الدخل الوارد إلى بلدانهم الأصلية.
وستوفر العائلة السعودية أكثر من 20 ألف ريال سنوياً متمثلة برواتب كانت تقدم للسائقين.

المرأة السورية
انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة تمثال لامرأة سومرية «سورية» تقود عربة نحو عام 3000 قبل الميلاد، أي إن الفارق الحضاري بينها وبين السعودية 5017 عاماً.
للمرأة السورية حضور بارز عبر العصور بدءاً من أسطورة عشتار آلهة الخصب والجمال، مروراً بجوليا دومنا التي هزت عرش روما وملكة تدمر زنوبيا التي كانت أول من فرض التعليم الإلزامي وأصدرت أول قانون لمنع الاحتكار ومحاربة الغش كما كانت أول من نادى بأن الدول تقوم على أسس الثقافة والعلم وليس على الحروب والاقتتال.
أما في تاريخ سورية الحديث فبدأت مشاركة المرأة في الحياة العامة منذ نهايات القرن التاسع عشر، تحت تأثير الخطاب النهضوي العربي والزخم الذي رافق حركة التحرر من الاحتلال العثماني، وتعمقت هذه المشاركة في أوائل القرن العشرين ومنتصفه.
وكانت من أوائل الجمعيات النسائية العربية التي تأسست، جمعية «يقظة الفتاة العربية» عام 1915 و«الرابطة الأدبية» و«النادي الأدبي النسائي» و«نقطة الحليب» و«دوحة الأدب» و«جمعية خريجات دور المعلمات».
ولم تقتصر مشاركة النساء في الشأن العام على العمل للدفاع عن قضايا المرأة فقط، إذ تصاعد دور النساء في الحياة السياسية بعد الاستقلال وكانت المطالبة بحق النساء في الانتخاب والترشح الشغل الشاغل للحركة النسائية السورية بعد الاستقلال، حيث حصلت المرأة على حق الانتخاب عام 1949 والترشح عام 1953.
ويشار أخيراً إلى أن المادة 23 من دستور الجمهورية العربية السورية الصادر بتاريخ 15 شباط 2012 نصت: «توفر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع».