معرض للتشكيلي وليد الآغا يمثل ما عايشه في سنوات الحرب … الآغا لـ«الوطن»: الحرف يبقى حاضراً وأساسياً فهو يمتلكني ويمثل هاجساً لي مع كل الرموز

| سارة سلامة- «ت:طارق السعدوني»

الصوفية العالية والحروفية المتقنة هذه الهوية التي ميزت الفنان التشكيلي وليد الآغا في معرضه المقام في قاعة «لؤي كيالي» بالرواق العربي، مختصراً فيه سنوات الحرب وما مرّ به من حزن وضعف، وذلك يظهر واضحاً من السواد والتقشف في النور وبروز اللون الأحمر في الكثير من الأعمال، ولكن سرعان ما يبدأ ذلك بالتلاشي ويعود إلى الاستقرار في دلالة لفجر قريب يبزغ، المعرض الذي تجاوزت عدد أعماله السبعة والستين لم تغب الحروف والرموز السورية القديمة عنه، مع طغيان اللون الترابي على معظم الأعمال ولعله لون يرمز إلى البيئة والأرض والإنسان.
وحضر الافتتاح مجموعة من الفنانين التشكيليين والمهتمين، وفي رصد لبعض الآراء حول أعماله كان هناك من يتهمه بوقوعه في فخ التكرار، على حين توقع آخرون مستقبلاً أفضل له، والبعض الآخر أشاد بامتلاكه طقساً خاصاً مميزاً وبقدرته على إنتاج العمل الفني بطريقة رائعة، بينما أجمع الكل على أنه غرافيكي بارع..

عاشق ومتعصب للحرف

وفي تصريح خاص لـ«الوطن» أكد الفنان التشكيلي وليد الآغا أن «المعرض يمثل حالتي وانعكاساً لما مررت به منذ بداية الحرب وما شهدته سورية من صراعات والأثر الذي تركته في نفسي وذهني وعملي، وأعمالي التي جاوزت السبعة والستين لوحة امتدت منذ العام 2010م إلى 2017، وتنوعت بمساحات مضغوطة باللوحة والقيمة اللونية والعناصر، وهي تمثل الحالة التي عاشها كل سوري في فترة الحرب، كما أن بعض الأعمال حملت معها حالة الانفراج التي نعيشها اليوم وذلك واضح من خلال اللون والمساحة والأفق».
وأضاف الآغا أن «الألوان هي انعكاس لجغرافيتنا بشكل عام وفي معرضي هذا تميز اللون الترابي الذي جمع بين اللوحات كلها وهو لون يمثل بيئتنا وواقعنا، كما أن الحرف كان حاضراً وأساسياً فهو يمتلكني ويمثل هاجساً لي مع كل الرموز والبيئة والجغرافيا السورية، وأنا أعشق الحرف بل متعصب له وتجربتي معه ليست من الآن بل منذ زمن بعيد وفي بعض الأعمال نجد الإنسان مندمجاً مع تاريخه».
وبين الآغا أن «رسالتي من خلال هذا المعرض واضحة وهي رغم قساوة الحرب كنا نحن الأقوى وستبقى سورية المنبع التاريخي ووجهة العالم».

الآغا من الأرقام الصعبة
ومن جانبه أكد الفنان أنور الرحبي أن «تجربة الآغا غنية من حيث المدّ ومن حيث المكان والزمان اللذان يشغلهما العمل التشكيلي، والحروفية فيها الكثير من المحاكاة والجدل، جعلته يبصر أكثر مما ضيق العمل التجريبي للحروفية فأكد مسألتين: الأولى هي المسألة البصرية التي استقاها من رؤية العين والسمع والشعر من الطبيعة فصمت الطبيعة وهدوءها وأجيجها يشغله بشكل كبير لذلك نجد في كثير من أعماله نوعاً من الحب لعوالمها ورموزها رغم دخول الحرف، كما أنه تأثر بالمكان والحرب على سورية ونجد أن الكثير من هذه العوالم موجودة في أعماله، وعلى الرغم من الغربة التي تظهر قليلاً في أعماله نرى فيها حميمية تصل أحياناً إلى حد القيمة الفعلية للأشياء التي أبصرها أو سمعها وأنها حكاية قريبة جداً من الواقع».
وأضاف الرحبي إن «وليد الآغا أحد الأرقام الصعبة في التشكيل السوري وهو يستخدم الأحبار بشكل كبير وخاصة الأحبار الطباعية والقليل من التأثيرات الأكرليك والزيت وما شابه ذلك بمعنى أنه لا يعمل على اتجاه قيمي واحد بقدر ما تكون هناك مجموعة من القيم ومن ثم يخرج اللوحة لتبصر للحياة أكثر».

تجربته ما زالت غنية
وأكد الفنان بديع جحجاح أن «الفنان عادة ما يأخذ سمة معينة يعمل عليها يفككها ويعيش معها، وفي تجربة الآغا لم أر أنه كرر نفسه كثيراً إنما الروح التي تضبط معظم أعماله هي الحروفية، وهذه الروح عندما نراها بأماكن مختلفة مع وجود مشحات وانزياح بالعوالم والكتلة واللون والتشكيل نشعر بأن التجربة الخاصة به ما زالت غنية وما زال يملك طقساً خاصاً به لا يشبهه أحد، وعلى الرغم من تعدد الحروفيين في بلدنا يبقى للآغا هويته وخصوصيته المميزة».
وأضاف جحجاح إن «الدهشة التي كنا نشعر بها في الفن أصبحت مفقودة وكل فنان يريد أن يلبس نفسه عباءة خاصة به يطلق عليها اسم الهوية وهي إما أن توقعه في التكرار وإما أن تنقله لدرجات مختلفة، وفي المعرض اليوم نلاحظ أن الآغا استطاع أن يرينا قديمه كما أنه أرانا تجاربه الجديدة وأتوقع أن المعارض القادمة ستكون أكثر استقراراً في هوية وليد».
وبين جحجاح أن «المعرض إذا ما قلنا إنه يعبر عن سنوات الأزمة فليس بالضرورة أن نرى مناظر التهديم والمناظر غير الإنسانية أو مناظر القبح ولكن عادة الفراغات باللوحة تنتمي للعالم التشكيلي وقد يرغب الكثير في العلامات الأقرب إلى الوضوح والابتعاد عن التجريد لأن العلامات البصرية عندما تكون بمجملها مبهمة وضبابية تضيع وربما حالة الضياع يعكسها الآغا بحالة الحرب وحالة الإنسان الضائع الذي لا يعرف الطريق الصحيح».

الخط فن بحد ذاته
ومن جانبه قال الفنان جورج عشي: إن «المعرض لافت جداً وفيه نوع من التقنية العالية المستوى وفهم لمقومات اللوحة كتكوين وتأليف لوني وتشكيل إيقاعي، والخط العربي الذي تميز به هو بحد ذاته فن ويعطينا أشكالاً جميلة جداً وإدخال الخط ضمن اللوحة يغنيها أكثر لأن الآغا يمشي في طريق رائع ولاشك أنه حاضر الآن وبقوة في الساحة التشكيلية ولكن أرى له مستقبلاً أكبر».

هذه التجربة إلى أين
ومن جهته قال الفنان أكسم طلاع: إن «ظاهرة الحروفية لا تعني الخط العربي لأن الخط خط والحروفية حروفية وتجربة الآغا قوامها الحروفية ولكنه يعمل على إنتاج لوحة تجريدية فيها من اللون والتكوين، وعنصر الخط المطبوع يعتبر عملاً مرافقاً أو جزءاً من لوحته وليس أساس العمل، ووشح لوحته بعمل حروفي من أجل إعطائها هوية خاصة به ونستطيع القول إن اللوحة حروفية ولكن هذه التجربة إلى أين؟».
وأوضح طلاع أن «الحروفية هي ميدان مفتوح للتجريب والمغامرة والحروفية ليست مسقوفة بحرف فقط بل هي لغة قائمة على فن الغرافيك وقائمة على ذوق متطور، ولكن الآغا اليوم لم يختلف منذ 10 سنوات لذلك أسأله اليوم ما الجديد؟ ولا شك أنه فنان ذو خبرة قائمة على تقنية متمكن منها في فن الطباعة وفن إخراج العمل الفني، ويعنى بتكوين عمله وإثرائه وهو يتقن لعبة إنتاج اللوحة، وألوانه تنوس بين المتقشفة وذهابه نحو إغناء العمل ونلاحظ في بعض أعماله البذخ في درجة ما من اللون لم يوفق به، وأرى أن على كل فنان أن يسأل نفسه ماذا بعد؟، وإلى أين؟ وأن يكون تواقاً لتقديم شيء مختلف».
تجدد ولم يتغير

وبدورها قالت الفنانة أسماء فيومي: إن «الآغا من أهم الفنانين التشكيليين في سورية لأنه يهتم بالتكنيك بشكل كبير تكنيك اللوحات ودراستها ومستويات الألوان وأرى في معرضه هذا الكثير من الألوان، فهو عادة يعتبر صوفي بالألوان ويعمل كثيراً على الأبيض والأسود، أما اليوم فنجد أن الألوان عنده حارة مثل اللون الأصفر الذي أراه يستخدمه للمرة الأولى ووظفه بمكانه الصحيح».
وقالت فيومي: إن «سعادتي اليوم كبيرة بهذا المعرض لما حمل من التجدد على الرغم من حفاظه على أسلوبه في استخدام الخط العربي فهو تجدد ولكنه لم يتغير وبقيت الأصول والجذور الخاصة به واضحة ومخدومة بشكل جيد، كما نجد اهتمامه بالشكل الإنساني إضافة إلى الخط العربي وفي هذا الإنسان أرى تدفقاً جديداً لمشاعر جديدة لا أدري ما سببها ومن أين ظهرت الأشكال الإنسانية الآن ولماذا؟».

اللوحة سورية بامتياز
وقال الفنان غازي عانا: إن «اللوحة تعرف من قيمة الغرافيك الموجود فيها ولا شك أن وليد الآغا فنان غرافيكي يعمل لوحة تصوير ولوحة تشكيلية بكل مقوماتها مناغماً بين اللون والإضاءة وبين الخط والمساحة والفراغ الموجود بها، إضافة إلى ذلك يتميز بمجموعة من المفردات منها الحرف الذي يعتبر عنصراً أساسياً من عناصر عمله، وكأن الآغا أكده ليقول إن اللوحة سورية بامتياز فهو عمل على أكثر من حرف ضمن بناء معماري جميل، ولا يأتي الحرف عند الآغا بعيداً عن اللوحة أو خارجاً من اللوحة بل يأتي ضمن نسيج اللوحة لأنه يتقن توظيفه بالشكل الصحيح، إضافة إلى موضوع الغرافيك هناك أيضاً الكليشات التي يستخدمها ويكررها لتزدحم لوحته بالجماليات وقدرته على استخدام الإضاءة وعلاقته مع اللون الأصفر».

تكريس ثقافة الحياة
أما الفنان والمخرج هشام كفارنة فقال: «تجدر الإشارة إلى سلسلة النشاطات التي يقوم بها اتحاد الفنانين التشكيليين الثقافية والأدبية واللقاءات والمحاضرات والندوات التي من شأنها تكريس ثقافة الحياة في وجه جهالة الموت ونحن الآن بأمس الحاجة لهذه النشاطات، ويشكل هذا المعرض لمة لمثقفين وفنانين يلتقون في مثل هذه الظروف لتبادل الآراء والبحث عن ملاذ آمن ضمن ما نعيش به، ولا شك أن الآغا له هوية خاصة تميزه عن غيره وله دفء ألوانه الخاص، كما أنه يعمل بمزيج عال وقد تثير لوحاته في الكثير من الأحيان الخيال بالتحليق في اتجاهات مختلفة فليس بالضرورة أن يتفق اثنان على قراءة لوحة من لوحاته واعتقد أن هذا شأن أساسي من الشؤن التي يعنى بها الفن بشكل عام والفن التشكيلي بوجه خاص».
وليد الآغا من مواليد دمشق عام 1953، وخريج قسم الاتصالات البصرية بكلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1979، وعمل محاضراً فيها بين عامي 1982-1989 له معارض فردية وجماعية داخل سورية وخارجها وأشرف على عدة ورشات عمل فنية للمركز الوطني للفنون البصرية.