رحلة إبداع تحفر في البال … (ببالي) فيروز التي لا تغادر إلا لتعود ألقاً

| أحمد محمد السح

تعود السيدة فيروز «سفيرتنا إلى النجوم» إلى توجيه ذائقتنا الموسيقية من خلال إطلاق ألبوم غنائي متكامل قبل أيام، كانت قد أطلقت منه عدة أغانٍ بشكل منفرد أثارت عدداً من ردود الأفعال، هوجمت فيروز من أبناء الجيل الجديد الذين اعتادوا سماعها من خلال تعاونها مع نجلها زياد الرحباني، فوجدوا أن من واجبهم أن يتجهوا لمهاجمة الصوت الملائكي ملجأنا الأخير في هذا الخراب الذي يعمّ المنطقة والعالم، بعد أن اتجهت للتعاون مع ابنتها السيدة ريما عاصي الرحباني التي كانت قد قامت بإدارة أعمال السيدة فيروز والتصدي لكل محاولات الوقوف على الزوايا التي يمتهنها قطاع الطرق للتنطح للسيدة فيروز مع كل خطوة تخطوها للأمام وهي التي لم تكن يوماً إلا في المقدمة، مع العلم أن آباء هؤلاء المهاجمين للسيدة فيروز، حيث إن المهاجمين الحاليين لم يكونوا قد ولدوا، تكفلوا بمهاجمة السيدة فيروز قبل ثلاثين سنة حين بدأت بالتعاون مع زياد الرحباني وقدمت معه نمطاً موسيقياً مختلفاً وجديداً.
وفيما يخص الألبوم الجديد «ببالي» فإن السيدة فيروز وابنتها ريما قد نفذتا الألبوم وفق خطة ليكون مترجماً عن أغانٍ أجنبية وهو ما لم تنكره ريما الرحباني وهو مذكور في الشروحات المرفقة مع كل أغنية عبر الموقع الالكتروني الذي حُمّلت الأغاني عبره والتي تحمل العناوين التالية (رح نرجع نتلاقى– يمكن– ببالي– ما تزعل مني– لمين– أنا وياك– حكايات كتير– بغير دني– لمين عزف على البيانو– بيت زغير) وقد كانت ثلاث من هذه الأغنيات قد أطلقت خلال الصيف الفائت على حين كانت قد أصدرت أغنية بيت زغير بكندا عام 2005 وهي أغنية مترجمة عن أغنية بالعنوان ذاته للمغني الفرنسي لوي جوستيه، أما أغنية يمكن فهي مأخوذة من أغنية Imagine لجون لينون، وأغنية ما تزعل مني هي ترجمة لأغنية don’t cry for me التي غنتها المغنية العالمية مادونا وكانت جولي كوفينجتون قبلها بعشرين عاماً لذلك فالأصل لها، أما أغنية أنا وياك فقد غنتها داليدا بعنوان بيساميه موتشو besame mucho بمعنى قبلني كثيراً عن أغنية ذات جذر مكسيكي لكونسويلو فيلاسكيز، أما أغنية «لمين» التي أثارت ضجة واسعة في هذا الصيف فهي مأخوذة عن أغنية فرنسية غناها جان كلود باسكال، ولحنها جيلبيرت بيكو، فظن كثر أنهم اكتشفوا شيئاً غير مكشوف حين أطلقت الأغنية بأن عرفوا الجذر الأساس للأغنية مع العلم أن السيدة ريما رحباني كانت قد ذكرت اسم المغني والملحن عبر صفحتها الشخصية على الفيسبوك وعبر صفحة السيدة فيروز التي تديرها، وعبر الموقع الذي أطلقت الأغنية من خلاله وهو itunes وقد كانت ريما الرحباني حريصة أشد الحرص على أن تكون الأغاني متاحةً عبر الموقع متاحة وفق آلية التوزيع الالكتروني المعاصرة لنشر وتسويق الأغاني، محاولة ما أمكن منع السرقة الالكترونية والقرصنة التي تنتشر في كل يوم بكل جرأة ووقاحة في عالم لم يخلُ من امتهان سرقة جهد وإبداع الآخرين ومن ثم مهاجمتهم، وصيغة ترجمة الأغاني أو استخدام الألحان العالمية هي حالة كان الأخوان رحباني كانا قد استخدماها سابقاً وهو شيء كان معروفاً وليس سراً ولا سرقة، فوحده الجاهل موسيقياً يكتشف ويُفاجأ أن لحن أغنية (يا أنا أنا وياك) هي مقطوعة لموتزارت، فينهض ليرفع صوته ويقول إن الرحابنة يسرقون الألحان متناسياً أن جهله هو المانع الوحيد لمعرفته ولمنع الناس من الرد عليه، وبالتدقيق بكلمات الألبوم سنجد أن الترجمة ليست حرفية إنما هي ترجمة إبداعية (وفق تعريفات الكاتب جابر عصفور) لأنها تنقل اللغة الأساس إلى اللغة الرحبانية التي درج الرحابنة على اختراعها وتقديمها إلى الجمهور لرفع الذائقة الفنية للمستمعين الذين اعتادوا ارتشاف هذه الأغاني اللائقة والمتجددة.. ففيروز وحدها تقول:
(ذكريات.. ملونة وضبابية
قاعدة بزوايا بالي
عمر تاني عشناه
لحظات حلوين
ضحكات تبادلناها
وبقيت قاعدة ببالي
من عمر عشناه) وهي من أغنية ببالي، وهي التي تقول في أغنية حكايات كتير:
(واليوم بعد ما عشت حكايات كتير
صارت بعيدة
قديش فرحت وحزنت
والنهايات مش دايما سعيدة
صحيح إني ما حكيت
وكل اللي قلتو كان بالغنية
الكلام لشو الكلام
هيدي حياتي): وإنها تؤكد في هذه الأغنية أنها عاشت للأغنية ولم تحتج إلى الحوارات واللقاءات للتعبير عن نفسها.. وفي أغنية تصف حالة وقوفها أمام الجمهور على المسرح محبوبها الأبدي فتقول:
(لحظة دخولي ع المسرح
الوجوه غرقانة بالعتمة
وحدي أنا مضواية
وهدير الخوف بدينيي
العيون مسمرة عليي
قلبي بيدق خوفي بيزيد
إحساسي ذاته منو جديد
رغم العجقة حواليي
بغني وبصير بغير دني
بغير مكان وغير زمان… وحيدة وبعيدة) فاللحظة هربانة وإحساسها ذاته في كل مسرح لا يهمها الناس ولا المكان، فاللحظة تعود بعد الأيام والأشهر والسنين، تركها محبوها الذين رحلوا عن هذا العالم تاركين خلفهم الحنين والخوف، لتغني وتغني دائماً.. أما عن ترنيمة (كلما رجع كانون) التي أهدتنا مقطعاً منها في بداية العام قبل عيد رأس السنة يبدو فيها كل الصفاء والأمل الذي يمكن للإنسان أن يبدأ فيه عامه وأيامه مع سيدة هذا الغناء… السعادة الوحيدة التي نملكها في هذا العالم أننا ما زلنا نتشارك الأنفاس مع سيدتنا فيروز وهي لم تبخل علينا بعطائها.. لتعطينا دفق الأمل المستمر.