نصر من اللـه وفتح قريب

| عبد المنعم علي عيسى

من المؤكد أن حزب اللـه لم يعد مجرد فصيل عسكري يجمع في سجله العديد من الانتصارات أو النجاحات، ولم يعد ذلك الكيان الذي نجح في أن يكون شوكة في الحلق الإسرائيلية، في وقت عجزت فيه دول أن تفعل، فكل شيء تغير ولم تعد صورة أيار 2000 أو حتى صورة تموز 2006، سوى محطات في مسار بناء القوة، والثابت أن الحزب قد أضحى كياناً سياسياً وعسكرياً وثقافياً، يتفوق في بنيانه على العديد من الكيانات القائمة في المنطقة سواء أكان من حيث المقومات التي يقوم عليها أو من حيث المؤسسات وما بينهما، ما يساعد على تأطير الكيان ورسم معالمه، ولم تكن مصادفه أن يضع التقرير السنوي، الذي تصدره تل أبيب وتعرض فيه لترتيب المخاطر المحدقة بالكيان، حزب اللـه على قائمة تلك المخاطر قبل إيران وحماس.
أراد الأمين العام لحزب اللـه حسن نصر اللـه في ذكرى عاشوراء، دفع تل أبيب ليس فقط باتجاه مراجعة حساباتها في إمكان القيام بعمل عسكري يستهدف حزب اللـه، بل لأن تشمل تلك المراجعة العمليات التي تنفذها طائراتها ضد مواقعه في سورية أو في لبنان، فالنار لا أحد يعلم متى تندلع، ومن يشعلها لن يستطيع التحكم بنهايتها، أو إلى أين يمكن أن تصل أو تمتد، إلا أن الإيماء الأهم في الخطاب هو أن أي حرب مقبله سوف تكون ميادينها على الأرض الفلسطينية المحتلة، بعكس ما كانت عليه الحروب الستة الماضية، ومن المؤكد أن نصر اللـه، وهو ماض في إيمائه، استطاع أن يوقظ إحساساً دفيناً كاد يموت في الذات الجماعية العربية من شأنه أن يضعها في مسار استعادة توازنها من جديد، وأن يدفع بحالة اليأس والإحباط أميالاً وأميال بعيداً عن تلك الذات في أعقاب نجاحه في ضخ أكسير الحياة في شرايينها من جديد.
إن أهمية تلك التداعيات النفسية والمعنوية، هي أهم بكثير من العديد من مستلزمات إدارة الصراع مع إسرائيل خصوصاً أنها تأتي في ظل لحظة تخل عربية غير مسبوقة، ذهب الجميع فيها نحو رفع رايات الاستسلام وتوقيع صكوك الهزيمة، فأن يأتي الأمل في ظل زمن اليأس، فالفعل عندها يكون خارقاً أو هو أشبه بالسحر، وأن يأتي شحذ العزائم في ظل انهيار كل السواعد، فإن الحدث يعادل محو تاريخ طويل ملؤه الإحباط وانتفاء الأمل، وما يحاول نصر اللـه أن يفعله الآن هو «السحر» وهو «المحو»، أما بالنسبة للإسرائيليين فهو يريد أن يضيع جهداً بذلوه وعمره يزيد على نصف قرن، عندما جرى العمل على تكريس قناعة راسخة لدى شعوب المنطقة مفادها أن الحرب ضد إسرائيل هي حرب عبثيه أو لا جدوى منها، ولطالما حقق ذلك الجهد الكثير من أهدافه، إلا أن خطورة هذا الخطاب الأخير لنصر الله، يمكن أن تتأتى فيما إذا كان خطاباً إعلامياً أو أنه ناجم عن خطأ كبير في الحسابات، فالزمن يتسارع بشكل رهيب حاملاً معه تغييرات لحظية، وبمعنى آخر عندما لا يمتلك ذلك الخطاب القدرات التي تمكن من جعل الأماني حقيقة والأحلام واقعا على الأرض، تماماً كما تفعل مناهجنا التعليمية التي تعمل على تعبئة التلميذ عبر ترسيخ أفكار التاريخ المجيد والملاحم التي سطرها العرب في تاريخهم ثم تضيف أن استرجاع ذلك الماضي أو تلك الملاحم هو مهمة تقع على أكتاف الأجيال الراهنة والقادمة، حتى إذا ما تمت المهمة، أي نجحت عملية التعبئة، ودخل الطالب حيز الفعل اكتشف بأنه لا يملك أياً من القدرات التي تمكنه من أن يكون وريث ذلك الماضي وتلك الملاحم ولربما كانت هذي هي إحدى أهم الأسباب التي تجعل من الشباب العربي يعيش تائهاً متمزقاً بين ماض مجيد صنعه الأجداد، وحاضر هزيل لا يستطيع أن يغير فيه شيئاً، وإذا ما حاول فإنه سيجد نفسه مادة خاماً لمروجي العنف والداعين إلى «الجهاد» و«الاستشهاد»، والجميع يذكر الخطاب العربي الذي سبق هزيمة حزيران 1967 والنتائج التي ترتبت عليه، فقد أدت ببساطة إلى تدمير المشروع القومي العربي حتى باتت تذروه عواصف إذا ما كانت تجمعه رياح، وإذا ما تكرر سيناريو حزيران فإن ما سينهار هذه المرة هو الهوية والذات التي ستتنكر لنفسها ولتاريخها آنذاك.
من الصعب علينا تبني هذه الحالة الأخيرة فالرجل معروف بأنه لا يقول إذا لم يكن يستطيع أن يفعل، إلا أن من حرقه الحليب ينفخ في اللبن، صحيح أن نصر اللـه قد استطاع أن يبرد ذلك الحليب إجبارياً قبل أحد عشر عاماً، إلا أن ذلك لم يعد يكفي اليوم وخصوصاً أن هذه العملية السابقة باتت تشكل الأرضية التي تم البناء عليها، وهي تحمل كل الأحلام وكل الأماني في استعادة ما ضاع، وفي المرة المقبلة إذا ما جرى الوقوف عند تخوم آب 2006 فإن ذلك سيكون أمراً محبطاً.