صدقي إسماعيل.. الفكر.. والحكاية … عواطف الحفار: «صدقي» وأنا عملنا في كتابة الصفحات الثقافية الخاصة بأدباء وشعراء عالميين

| سوسن صيداوي- ت: طارق السعدوني

إنه لحب كبير. الحب لم يجمع رجل بسمراء عمره ورفيقة دربه فقط. بل كان حبا كبيرا للكلمة ولمزجها بالأحاسيس لتكون فيضا كبيرا من السطور الحية في الشعر. حبا كبيرا لأدب عَبَر كل العصور في توق الإطلاع والبحث لنهل المعرفة ومنحها للجميع من خلال المؤلفات. وكان أيضاً حبا كبيرا للعمل الصحفي وفي رصد كل الأخبار، مهما كان نوعها من سياسية وثقافية واقتصادية وحتى تسويقية أو إعلانية، ولكن كلّها كانت تصاغ بأسلوب فكاهي وساخر، لم يعرف مثله ما نُشر من جرائد وصحف في الوطن العربي. إنه أبو الكلمة في الأدب والرواية والمسرح والقصة والترجمة صدقي إسماعيل. ولد في 1924في حي العفان بمدينة انطاكية في لواء الاسكندرون، وهو الابن الثاني للشيخ علي إسماعيل، وشقيقه الأكبر هو الفنان أدهم إسماعيل وشقيقاه الأصغران هما الفنانان عزيز ونعيم إسماعيل. كان والده يملك متجراً صغيراً لبيع الأقمشة في سوق الجسر بإنطاكية. وتلقى صدقي دراسته الابتدائية في مدرسة حي العفان، وتابع دراسته في ثانوية انطاكية عام 1936، والتحق بدار المعلمين حتى عام 1948، وبعدها انتسب إلى كلية الآداب قسم الفلسفة بجامعة دمشق، ثم تخرّج عام 1952، وحاز شهادة الليسانس بتفوق، كذلك نال شهادة دبلوم في التربية وعُيّن مدرساً في مدينة حلب، عُيّن أمينا للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عام 1968، أسهم عام 1969 في تأسيس اتحاد الكتاب العرب وتولى رئاسته حتى عام 1971 ورئاسة تحرير مجلة الموقف الأدبي. من مؤلفاته: رامبو، العصاة، الله والفقر، سقوط الجمرة، الأحذية، العطب، مسلسل أسعد الوراق وجريدة الكلب وغيرها الكثير من الدراسات ومجموعات القصائد.
ولأن سورية عبر تاريخها الغارق في العصور تنتقي من أبنائها من يخطّون في صفحات تاريخها، الفعل المبدع المنير الذي لا يمكن أن يُنسى مهما تتالى عليه الزمن، كان الواجب من أبنائها في الزمن الحاضر تكريم آبائهم. واليوم هذا الأمر تقوم به وزارة الثقافة ممثلة بوزيرها محمد الأحمد والذي برعايته تمت الندوة الثقافية العاشرة بعنوان «صدقي اسماعيل… الفكر والحكاية» في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق، وقد تضمنت الندوة التي أدارها الدكتور إسماعيل مروة أربعة محاور.

تكريس وتعزيز للثقافة السورية
كان من بين الحضور في الندوة معاونا وزير الثقافة، وبدوره أكد المعاون علي المبيض أن تكريم القامات الثقافية والفنية السورية، هو ضرورة ملحة كي تبقى هذه الرموز في الذاكرة وتتاح الفرصة للأجيال القادمة أن تتعرف عليها متحدثاً «نحن نكرّم الروائي والأديب صدقي إسماعيل وفي الأمس كان التكريم للعديد من الفنانين والأدباء. وفي الأساس هذا هو عمل وزارة الثقافة لنشر الثقافة وتعزيزها على أوسع شريحة من المجتمع، وبالطبع من أحد سبلها في ذلك هو تكريم الفنانين والمثقفين ليبقوا في ذاكرة الأجيال المتعاقبة كمنارات تنير على الطريق الحالي، وهذا العمل هو تكريس وتعزيز للثقافة السورية الحقيقية، التي تعكس أخلاق وعادات وتقاليد شعبنا التي حاول أعداء سورية تشويهها في الوقت الحالي». ‏‏
لمدير الندوة كلمة

افتتح الدكتور مروة الندوة بالحديث عن علاقته مع إسماعيل وكيف تعرّف عليه من خلال كلماته الباعثة لإغناء الحياة في الفكر والثقافة المتجددة دوما والمنشورة في مؤلفاته، قائلاً: «صدقي إسماعيل أحببته لأن في اسمه جزءاً من اسمي، بعد ذلك اقتربت منه في(العرب وتجربة المأساة)، وبعد ذلك في روايته (العصاة)، وبعدها عشقته في(الله والفقر)، بعد ذلك قرأته في فكره القومي.. عندما وصلت إلى مرحلة محددة بدأت أقرأ شعره المشترك مع الشاعر سليمان العيسى في جريدة الكلب، وهي تجربة فريدة في تاريخنا الأدبي والإعلامي والصحفي، أن تُنشأ جريدة من بدايتها إلى نهايتها، تتناول الهم السياسي والفكري والقومي، بالشعر، والشعر الذي أطلق عليه إسماعيل، الشعر«الحلمنتيشي» هو الشعر الساخر والهازئ من خلال جريدة الكلب والتي جُمعت في مجلد، أعمال صدقي بتمامها، تمثل فكراً متنوراً فهو من الدائرة المحيطة بالمُعلم زكي الأرسوزي، وهو من أصدقاء العيسى، وهو منارة فكرية مهمة جداً، ومن المعيب أن تغيب عن ذاكرتنا، وسورية كرمت إسماعيل مرات عديدة بإصدار مؤلفاته وكتبه، وإنتاج عمله في «الله والفقر» في مسلسل أسعد الوراق. إذاً إسماعيل يمثل مرحلة من النهوض القومي، هذا النهوض الذي نفتقده اليوم لدى حاملي هذا الفكر من الذين آمنوا بالفكر القومي وآمنوا بعودته ومراجعته بين فترة وأخرى، من هنا أرى أن فكر إسماعيل متجدد دوما، وهذا التجدد يجب أن نعيده للأذهان من جديد، لذلك أتت هذه الندوة». ‏‏

صدقي إسماعيل.. ذلك المجهول
تحدثت الأستاذة عواطف الحفار إسماعيل عن حياتها برفقة شريك عمرها وحبها الكبير صدقي، الذي كان منذ بداية لقائه معها محركا وباعثا للإبداع والسعي الجاد لكسب الكلمة والإغناء فيها، قائلة: «التقينا في جامعة دمشق، صدقي؛ وأنا كنت في السنة الأولى قسم الفلسفة وعلم النفس، وكان هو في السنة الثانية في القسم نفسه، وتجمعنا المحاضرات بين السنة الأولى والسنة الثانية، وكان طلاب السنة الثانية من أكثر الطلاب ثقافة واطلاعاً ونضجاً، ودخل أغلبهم معترك العمل قبل انتسابهم إلى الجامعة، حيث لم يكن وقتها قد طبق قانون الحصول على الشهادة الثانوية بنفس العام، وكانوا متحمسين جدا لفهم القضايا العربية وقضايا الفكر الإنساني وقضايا الحياة العامة… وكانت تجري حوارات ومناقشات في هذه القضايا بين الطلاب من تيارات سياسية واجتماعية مختلفة، فتكونت مجموعة من هؤلاء الطلاب من السنتين الأولى والثانية، اتخذت مقرا لها في ندوة الجامعة، وكثيراً ما ينضم إليها طلاب الطب والحقوق، كنا نجتمع بين حصص المحاضرات، وكل منا يجتهد في البحث والدراسة والقراءة…. وصدف أنه كان بين هذه المجموعة طالب في السنة الأولى يهتم بالموسيقى الكلاسيكية، كان يجمعنا في أكثر الأوقات ليُسمعنا المقطوعات الجميلة من الموسيقى ويعطينا لمحة فنية عنها وفي الوقت ذاته كان يقدم في الإذاعة السورية برنامجاً يومياً للموسيقا، إنه الأستاذ صبحي المحاسب رحمه الله. لفت نظر الأستاذ صبحي اهتمامي بالموسيقا الكلاسيكية فطلب مني أن أقدم له برنامجه اليوم بالذات في الإذاعة، رفضت في البداية لأني لا أعرف الإذاعة والتقديم، فقال لي أقرئي جيداً هذه الصفحة وهي تقديم للمقطوعات الموسيقية التي سأقدمها. ‏‏ذهبت معه وجلست وحدي في الاستديو ولم أشعر برهبة أو خوف. بعد أن أنهيت القراءة اتصل الأستاذ الكبير فؤاد الشايب وسأل من أين أتيتم بهذه المذيعة المصرية؟». وتابعت الأستاذة عواطف بأنه أخبروه باسمها وبأنها سورية وكيف تكرر تقديمها لهذا الموضوع إلى أن استدعاها الأستاذ فؤاد وطلب منها أن تقدم برنامجاً ثقافياً أسبوعياً عن النساء الشاعرات في العالم. ‏‏وحول استمرار علاقتها بصدقي قالت «تخرّج صدقي في الجامعة قبلي بعام، وأوفد إلى حلب للتدريس واستمرت صداقتنا من خلال الرسائل المتبادلة التي تحمل أرقى مستوى من علاقات الحب والصداقة والعلم، وتتحدث عن الكتب المتبادلة والقراءات في الكتب الفنية الأخرى». متابعة في مكان آخر «في عام 1957 أقدمنا على الزواج ببساطة متناهية، من دون أي مظهر من مظاهر الاحتفالات بالأعراس، وذهبنا في سفر طويل…. كان صدقي يتمتع بدماثة الخلق وسرعة البديهة والظرف والأدب واللطف، سريع النكتة ينشر المرح أينما كان». وحول تشجيعه لها لنهل العلم أشارت «كنا نعمل معاً صدقي وأنا في كتابة الصفحات الثقافية الخاصة بأدباء وشعراء وفنانين عالميين تركت أعمالهم أثرا كبيرا في الأوساط الثقافية العالمية.. كما كنا خلال خمسة عشر عاما عشناها معا، نمضي فترة عطلة الصيف في بلد ما، حسب ما يتوافر لدينا من المال‏». وحول مؤلفاته ومنتجه الفكري الذي تركه لنا قالت «في عام 1972 توفي صدقي إثر نوبة قلبية وترك أعداداً كثيرة من الكتابات المخطوطة أو نصوصاً معدة للنشر لكنها مؤجلة.. وعدداً لا يحصى من الأوراق المبعثرة. مضت فترة طويلة بعد وفاته ولم تتمكن أي جهة من العمل على التمويل للطباعة، إلى أن علم سيادة الرئيس حافظ الأسد بوجود عقبة أمام طباعة مؤلفات صدقي، وفي لقاء أتيح لي مع السيد الرئيس، قال لي «أنا سأتبنى الموضوع وسأطلب من القيادة القومية طباعة جميع المؤلفات». فضل لن أنساه. وفعلا طبعت الأعمال في ستة مجلدات، ولكنها لم توزّع لاعتذار عدد من المكتبات عن ذلك، وبقيت هذه الكميات الهائلة من النسخ في غرفة، وأخيراً تم إهداؤها وحفظت في مكتبة الأسد».
الرؤية الفكرية في كتابات صدقي إسماعيل

من جابنه تحدث الأديب محمد طربيه في مداخلته عما يميّز صدقي في تنوع اهتماماته الفكرية والأدبية، وخاصة بسبب ما تعرض له كسائر أبناء لواء الاسكندرون السليب، كما أن انخراطه في معترك العمل السياسي أغنى من اهتماماته الثقافية، قائلاً: «فإذا كانت اهتماماته الثقافية تشمل القصة القصيرة (الله والفقر) والرواية (العصاة) والدراسة الأدبية رامبو قصة شاعر متمرد والترجمة الإعصار عن بوشكين… أقول إذا كانت اهتماماته متنوعة إلى هذا الحد الكبير بالقياس لعمره الزمني الذي لم يكمل فيه نصف القرن فإن تجربته السياسية والحياتية بشكل عام كانت مصدراً غنيا من مصادر إثراء عطائه الفكري. «مضيفا في مكان آخر «أجاد استخدام اللغة بمستويين وعلى صعيدين فعلى صعيد الأعمال الأدبية كالقصة والرواية نجد للكلمات ظلالا واستطالات، وأن اللغة غنية بالإيحاءات وذلك وفق ما تقتضيه الطبيعة الأدبية للنص، إذ نجد اللغة مكثفة دالة واضحة، فالألفاظ على قدر المعاني والأغراض ما يعكس فهما واضحا في ذهن الكاتب إذ ما نفهمه بوضوح نعبر عنه بوضوح».

صدقي إسماعيل الصحفي وجريدة الكلب
في حين تحدث الأديب بيان الصفدي خلال مداخلته حول ظاهرة جريدة الكلب، التي كتب فيها أهم الشعراء العرب والتي لم يكن لها تاريخ صدور محدد، بل كان بما تحويه كديوان شعر كبير، قائلاً: «عرفت سورية ظاهرة طريفة ليس لها مثيل في الوطن العربي، وربما في العالم، فقد وُلدتْ جريدة«الكلب»التي أنشأها وكتبها إبداعاً الأديب«إسماعيل»، وبخط يدِّه فقط، وكانت بدايتها في أوائل الخمسينيات 1952، وكانت لها بدايات أولى منذ 1944على شكل محاولات ساخرة لطلاب في الثانوية باسم «المنشار» حيناً و«الجسر» حيناً آخر بمشاركة مجموعة أصدقاء منهم سليمان العيسى وغازي أبو عقل، أما «الكلب» فقد استمرت أكثر من عَقدين، وكانت ذات ميزات خاصة جداً، فهي شعر كلها، حتى في إعلاناتها، فهي ديوان كبير من الشعر الساخر يوجهه«إسماعيل»إلى شتى أمور الحياة، صغيرها وكبيرها، وليس لها موعد محدد للصدور، وتوزع يدوياً، وقد يسهم فيها على ندرة شعراء وأدباء بين حين وآخر».

مقتطفات شعرية من جريدة الكلب
ذكر الأستاذ الصفدي مجموعة من الأبيات نذكر بعضا منها، وكان إسماعيل بين الحين والآخر يقدم تعريفا بالجريدة، كأن يقول في أحد الأعداد:
جـريدة شعرية الأغراضِ
وليس فيـها أيُّ سطر فاضِ
شعارها متـانة القوافي
وحفظكم من وصمة الإسفافِ
في الشعر والفـــــــــن وفى السياسه
من دونها سوف تضيع الطاسه
وعندما كان يقدم الإعلان في الجريدة فهو يستخدمه أحياناً كفن ذكي في صناعة الضحكة، كما في إعلان عن فيلم سينمائي، يسرِّب من خلاله إسماعيل موقفاً مناهضاً لأهداف السياسة التركية:
ستعرض سينما دنيا
قريباً فيلم «جنكيزخانْ»
وفيه دعـاية حتماً
لتركيا فكن يقظانْ