القنبلة الهيدروجينية الكورية والأسئلة الخطيرة

| يوسف جاد الحق 

شاءت الظروف، وربما المصادفات، أن تتزامن الظاهرة الطبيعية المتمثلة بإعصار «إيرما» الذي اكتسح ولاية فلوريدا الأميركية مع إعصار اصطناعي للرئيس الأميركي دونالد ترامب على جمهورية كوريا الديمقراطية، تهديداً ووعيداً بذريعة إطلاقها قنبلة هيدروجينية على سبيل التجربة.
ذريعة ترامب هذه هي أن هذا النوع من السلاح من شأنه تهديد أمن الولايات المتحدة، في عقر دارها، بل تهديد العالم بأسره، هذا مع أن كوريا الديمقراطية لم تهدد أحداً بحرب تقليدية أو ذرية، إذ أنها أعلنت، في غير مناسبة، أنها لم تسع يوماً إلى امتلاك هذا النوع من التسلح إلا من أجل الردع، دفاعاً عن النفس في حال تعرضها لعدوان أميركي محتمل تلوح بوادره في الأفق.
ورغم الفارق الهائل بين ما تملكه تلك الدولة من هذه القنابل، عدداً ونوعاً، وبين ما تملكه أميركا منها، وهو ما يكفي بالفعل لإبادة الحياة على ظهر الكرة الأرضية من بشر وحيوان وكائنات وعمران وحضارة، لأكثر من عشر مرات، كما سبق أن عُلم وعُرف عن ترسانتها من هذه الأسلحة، لابد أن يرد هذا السؤال: لماذا يحظر على دول العالم قاطبة، باستثناء الدول الخمس الكبرى، امتلاك هذا السلاح أو الاقتراب من إنتاجه، كالحالة الكورية، أو حصول إيران على التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، في حين يسكت عما تملكه إسرائيل بكميات تشكل خطراً ساحقاً ماحقاً على الإقليم كله، إن لم نقل ما هو أبعد من ذلك في حقيقة الأمر!؟
تعرف أميركا هذا جيداً، غير أنها، وبصفاقة مدهشة تتخذ هذه المواقف المتباينة، على مرأى وعلم المجتمع الدولي كله، فإسرائيل مباح لها وغيرها محظور عليها، وكأنها فوق القوانين والأعراف الدولية، حالة استثنائية فلا يطالها منع ولا حظر ولا مساءلة!
لم تعترف إسرائيل بحيازتها لهذا النوع من السلاح المدمر، بناء على التزامها سياسة «الغموض البناء» الأميركية، على غرار مبتكرات وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق كونداليزا رايس «الفوضى الخلاقة»، غير أن أحد أبنائها وهو مردخاي فعنونو أعلن في عام 1986 عن امتلاكها لمائتي قنبلة ذرية، فكم بات عدد ما لديها الآن بعد نحو عشرين سنة؟ وفعنونو يهودي مغربي الأصل، مختص بهذا النوع من العمل في مفاعل ديمونا في النقب جنوبي فلسطين، ولسبب ما، ليس هنا مكان الخوض فيه، كشف عن هذه الحقيقة مما أفضى إلى سجنه خمسة عشر عاماً، تعرض خلالها وبعدها إلى الخطف، ومحاولات الاغتيال إبان هروبه من الكيان إياه إلى استراليا.
بالتداعي يذهب بنا هذا إلى تساؤل آخر هو: ماذا عن الدول العربية؟ ألا يؤرقها هذا الخطر؟ أم تراها مطمئنة إلى أن «الصديقة» إسرائيل لن تستخدمه على أراضيها وشعوبها إذا ما اقتضت ذلك ظروفها وخياراتها وأطماعها التوسعية؟
من المعروف أن معظم الدول العربية، بقيادة مصر، التزمت عام 1995 أمام هيئة الطاقة الذرية الدولية بالامتناع عن السعي لصنع القنبلة الذرية، وصحيح أنهم اشترطوا على تلك الهيئة أن يكون التزامهم هذا مقابل إخلاء المنطقة من هذا النوع من السلاح، ولكنها اليوم، وبعد انقضاء ما يناهز ربع قرن من الزمن دون أن يتحقق هذا الشرط، مضت في صنع المزيد من القنابل الذرية، وربما إلى مضاعفتها إلى حدود غير معروفة، وفق دراسات غربية.
ترى لماذا يواصل العرب سكوتهم إزاء هذه المسألة إذاً، وكأن هناك من يمنعهم من ذلك لكي يظل وضعهم الأمني مكشوفاً أمام العدو الصهيوني على هذا النحو الخطير والمخيف إلى حدود تفوق التصور؟ سلاح كهذا في أيدي الصهاينة صناع الإرهاب العالمي من دون رادع مماثل لدى العرب، أمر لا ينبغي الاطمئنان إليه راهناً ومستقبلاً.
وإذا كانت الذريعة فيما يتعلق بالوضع الصهيوني هي، فيما يدَّعون، أنها لم توقع على الاتفاقية مع هيئة الطاقة الذرية، فلماذا لا ينسحب العرب الموقعون عليها، ما دام شرطهم الذي وقعوا بموجبه لم يتحقق، لكي تنطلق أيديهم للعمل على الحصول على سلاح ذري لردع العدو عن الاستفراد بهم «ذرياً» عندما يحلو له ذلك، ولهم فيما يجري اليوم بين واشنطن وبيونغ يانغ من اشتباك خير مثال، فها هي أميركا بكل ما تملك من قوى، إضافة إلى استكبارها وغطرستها، واستصغارها للآخرين، كهذه الحالة مع كوريا، ها هي مع كل ذلك، لا تجرؤ على الاشتباك معها في حرب ساخنة ما دام لديها سلاحها الذري، مع الفارق الهائل بينهما كما أسلفنا، ذلك أن القليل من هذه القنابل يحدث من الدمار ما لا يقل عما يحدثه الكثير، بعبارة أوضح، نقول إن أميركا بكل جبروتها لا تستطيع أن تحتمل مخاطر الدمار الذري الناتج عن أي احتكاك أو اشتباك من هذا القبيل، فهل نأمل أن يصحو العرب أخيراً على هذه الحقائق؟ نأمل هذا حقاً، على ألا يكون أملنا مثل أمل إبليس في الجنة!