الشرتوني وعذراء أورليان

| عبد المنعم علي عيسى

لم يكن الحكم الصادر في بيروت قبل أيام في قضية مضى عليها 35 سنة، حكماً عادياً، ولا هو حكم قضائي يسعى إلى تطبيق القصاص الذي أقرته جميع الشرائع والأديان، فالأمر هنا هو أبعد ما يكون عن تلك الحسابات سابقة الذكر.
أصدر المجلس العدلي اللبناني في العشرين من الجاري حكما بالإعدام على حبيب الشرتوني المتهم الأول باغتيال الرئيس اللبناني الأسبق بشير الجميل في 14 أيلول عام 1982، ومعه نبيل العلم مسؤول العمليات في الحزب السوري القومي الاجتماعي والمتهم بأنه كان العقل المدبر لتلك العملية، والحكم بامتياز هو سياسي بل منهجي أو عقائدي، يراد من خلاله اغتيال حيز مهم في الذات الجماعية اللبنانية، والعربية، كان قد دفع بالشرتوني إلى ما اندفع إليه خريف ذلك العام، فهذا الأخير كان قد اتخذ قراراً فرديا يقضي بإيقاف العصر الإسرائيلي ووضع حد لتمدده ما دامت الأنظمة والدول عاجزة عن أن تفعل، وبهذا المعنى فإن الحكم هنا هو قرار بإعدام أصغر النويات التي تسبح في هيولى الأنسجة الرافضة للانصياع والمقاومة للخضوع.
عندما جرى اغتيال بشير الجميل لم تكن تتوافر الكثير من المعطيات الحاسمة في شأن علاقة هذا الأخير مع الإسرائيليين، وإنما كانت هناك أحداث تنبئ عنها ظلالها، إلا أن هذي الأخيرة كانت تشكل لخلايا الرفض أدلة قاطعة تصل إلى حد اليقين الذي لا تشوبه شائبة، ولطالما أثبتت تلك الرؤيا على الدوام صحتها وبعد نظرتها على مر المراحل، فقد نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في 18 الشهر الجاري تقريرا جاء فيه أن مروحية عسكرية كانت قد حطت في الساعة الواحدة من يوم الأول من أيلول 1982 في مستوطنة نهاريا، وهي تقل وفدا لبنانيا برئاسة الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل وعلى الفور جرى نقل الوفد عبر حافلة عسكرية إلى حيث تنتظرهم القيادة الإسرائيلية، وقد كان في الانتظار، تقول الصحيفة، كل من رئيس الوزراء حينها مناحيم بيغن ووزير الدفاع أرييل شارون والعديد من جنرالات الجيش الإسرائيلي، ولم ينس التقرير توصيف حالة الصلف التي استقبل بيغن بها ضيوفه وهو ما اضطر أحد مساعدي الرئيس اللبناني المدعو فادي أفرام إلى مخاطبة ممثلي الموساد قائلاً: ليس بهذه الطريقة يستقبل رئيس دولة منتخب، لكن على الرغم من ذلك فقد أنهى بيغن اللقاء بأن أشار بإصبعه إلى الجميل قائلا له: «أنتم ناكرو جميل».
هذه السردية غاية في الأهمية وفيها العديد من المؤشرات والكثير من إشارات الاستفهام، لكن ما يهمنا منها هنا هو أنها تثبت صوابية الرؤيا التي أطلقتها خلايا الرفض والتي استند إليها الشرتوني للقيام بما قام به، وإن كانت في الآن ذاته تشير إلى انحسار مناخات تلك الخلايا، الأمر الذي دفع نحو تسديد ضربة حاسمة طالت الرموز حتى الميتين منهم، حيث توفي نبيل العلم قبل عامين من اليوم.
في عام 1420 أصدرت محكمة فرنسية عميلة للإنكليز الذين كانوا يحتلون فرنسا آنذاك، حكما بإعدام جان دارك، أو عذراء أورليان كما كان لقبها، التي كانت قد أضحت رمزاً لمقاومة الاحتلال في الوعي الجمعي الفرنسي، وهي لم تزل في العشرينيات من عمرها، وعندها تقرر حكم الإعدام على ذلك الرمز حتى ولو كان ذلك الحكم يستند إلى ذريعة واهية، فقد جاء في حيثيات الحكم أن حكم الإعدام بحق جان دارك كان بدعوى نكثها بالوعد الذي قطعته بعد خروجها من سجنها في المرة الأولى وهو يقضي بعدم عودتها إلى ارتداء زي الرجال!
وفي عام 1920 أي بعد مرور خمسة قرون على تلك الحادثة، أصدرت محكمة فرنسية حكماً ببراءة جان دارك وتتويجها بطلة قومية ترقى إلى درجة الأنبياء والقديسين، كان ذلك القرار تصحيحا لخطأ فادح أصاب الأمة الفرنسية برمتها، وهو يمثل محاولة لاستعادة الذات الجماعية الفرنسية لرموزها الوطنية، ولربما كانت تلك المحاولة هي المقدمة اللازمة لبروز ظاهرة شارل ديغول وما حظيت به من التفاف شعبي حولها وصولا إلى المرامي التي كانت شبيهة بمرامي جان دارك.