تدعيم بمدماك إسرائيلي

| عبد المنعم علي عيسى

أثبتت السياسات الروسية في سورية دهاء وحنكة بارزين، وفي الآن ذاته كانت تلك السياسات تلقى قبولاً من جميع الأطراف أو أغلبيتها على الأقل، صحيح أن ذلك القبول لا يتأتى بفعل ذلك الدهاء أو تلك الحنكة فحسب، وإنما بفعل عوامل أخرى عديدة مثل الانكفاء الأميركي وانضواء الدورين الإيراني والتركي تحت راية الدور الروسي في سورية لكن على الرغم من ذلك يجب القول إن للعامل الذاتي، الدهاء والحنكة هنا، مساحة ليست بصغيرة أو ثانوية.
من يرقب المقايضة الأميركية الروسية المفترضة في سورية، يمكن له أن يلحظ أنها تقوم أساساً على اعتراف أميركي بالدور والنفوذ الروسيين بما فيه الموافقة على إطلاق اليد الروسية في تعاطيها مع الأزمة السورية، في مقابل تعهد روسي تلتزم موسكو بموجبه العمل على كبح جماح الدور والنفوذ الإيراني في سورية ما سيكون له بالغ الأثر في مجمل الحلقات الإقليمية الأخرى، وربما أيضاً يمكن أن نلحظ حالة «الرضا» التي تظهرها واشنطن تجاه موسكو في هذا الإطار، لكن على الرغم من تراجع الدور الإيراني بشكل ملحوظ خلال الأشهر القليلة الماضية إلا أن الأمر هنا يتوقف على النوايا الروسية الحقيقية، وبمعنى آخر أن السير في اتجاه سياسي معين لا يعني بالضرورة أن القائم بالفعل سوف يكمل مساره حتى نهاياته وخصوصاً في ظل تشابك العديد من الملفات واستمرار التهديد الإسرائيلي ضد سورية ولبنان وحزب اللـه انطلاقاً من أن تل أبيب ترى أن الثالوث السابق كله يقع في خندق واحد، وكذا في ظل تنامي التصعيد الأميركي تجاه إيران بدرجة لم تكن مسبوقة حتى عندما تبدى أن حجم العثرات التي تعترض مفاوضات طهران مع 5+1 قد تشير إلى انسداد الأفق أمام تلك المفاوضات وهو ما أمكن لحظه بين منتصف عامي 2012 و 2013 بشكل واضح.
من الراجح أن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم 13 الجاري والذي خصصه تقريبا للحديث عن العلاقة مع إيران وذهب فيه إلى حدود فرض عقوبات إضافية ضد هذه الأخيرة، ذلك الخطاب ليس إلا مقدمة لخطوات أخرى أشد تصعيدا والتي قد تصل في حدودها إلى إمكان إلغاء اتفاق فيينا الموقع في 14 تموز 2013، بل لربما بات هذا الأمر بحكم المنتهي والمسألة لا تتعدى الوقت أو اللحظة المناسبة ما لم تحدث تطورات محورية تستدعي إعادة الحسابات، ومن المؤكد أن مسارا من هذا النوع سيفضي نحو خطوات أكثر خطورة مثل محاولة إسقاط النظام الإيراني على الرغم من حجم المخاطر التي يستولدها مسار من هذا النوع وخصوصاً أنه سيعتمد على دول إقليمية عدة تكون أشبه بنقاط ارتكاز للوصول إلى ذلك الهدف، الأمر الذي قد يدفع نحو دخول المنطقة برمتها في أتون صراع إقليمي لا ينتهي إلا بحرب مدمرة، والسؤال الأهم هنا هو: هل يمثل هذا التطور الأخير مصلحة حقيقية لواشنطن؟ ثم إذا ما أضحى ذلك واقعا فما الموقف الذي ستتخذه هذي الأخيرة، وبمعنى آخر هل يمكن لها أن تمضي في دعم أصدقائها إلى النهايات على الرغم من الأكلاف الباهظة التي يقتضيها خيار كهذا؟
للإجابة عن تلك الأسئلة السابقة يمكن القول: إن لواشنطن مصلحة كبيرة في حدوث سيناريو من هذا النوع، وهي تخطط لترتيب جديد في الخليج يضع في اعتباراته نزعة التهور التي استولدها فائض المال الخليجي الذي استدعى تفكير دويلات مجهرية بإقامة قواعد عسكرية خارج حدودها أو خوض آخرين لحروب على بعد آلاف الكيلومترات من حدودهم، صحيح أن ذلك كله كان بطلب أو بأمر أميركي إلا أن تلك الدول تبدو ماضية في مسارها ذاك حتى ولو لم يكن تحت السيطرة أو الحماية الأميركية، إلا أن من المشكوك فيه إذا ما نشب صراع خليجي إيراني أن تظل واشنطن على دعمها الراهن لدول الخليج، ففي عام 2012 تسربت وثيقة عن البنتاغون الأميركي وهي أشبه بمحاولة لرصد احتمالات قيام حرب جديدة في الخليج مع التطرق إلى شرح متطلباتها أو المآلات المتوقعة لها، تقول الوثيقة: إن واشنطن ستكون بحاجة إلى مليوني جندي لإيقاف الهجوم الإيراني، الافتراضي، على دول الخليج إذا ما نشبت الحرب، وهو أمر من الناحية العملية يبدو صعبا أو بمعنى أدق سوف يصعب على واشنطن فعل ذلك، وبهذا المنطق تبدو المؤشرات وكأنها تميل نحو إمكان إشعال واشنطن لصراع مدمر في الخليج دون أن تقوم بدعم دويلاته بما يحفظ كياناتها، إضافة إلى وجود عامل آخر يبدو شديد الأهمية وهو يتمثل بحال الانكفاء الأميركي الحاصل في المنطقة، والعديد من المناطق، والخشية هي أن تعمل واشنطن لتغطية تراجعها على إثارة صراعات من شتى الأنواع فالإمبراطوريات في لحظات تراجعها غالبا ما تقوم بأفعال لا يمكن التنبؤ بها قياسا إلى مجمل المعطيات أو إلى منطق الحسابات، أما فرضية التراجع الأميركي سابقة الذكر فهناك العديد من المؤشرات التي تدعمها، يقول الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل في حوار أجرته معه لميس الحديدي على قناة «سي بي سي» في 20 أيلول عام 2013 إن هناك مؤشرين كبيرين على مسار الهبوط الذي تمضي فيه الإمبراطورية الأميركية: الأول هو في طريقة التعاطي الأميركي مع الأزمة الحاصلة عام 2008 عندما أراد الكونغرس التحقيق في تقارير كانت تثبت تورط CIA في أعمال قتل وتعذيب واعتقال، إلا أن مدير الوكالة في حينها ارتأى أن نشر تقرير من هذا النوع من شأنه أن يؤدي إلى تدمير الحالة المعنوية لمؤسسته وللعاملين فيها، وما جرى كان أن اتخذ قرار بالمماطلة لأطول فترة ممكنة، وعندما كان الاتفاق الأميركي الكوبي جاهزاً كان التقرير جاهزاً هو الآخر أيضاً فجرى تأجيل نشرة لأسبوعين حتى إذا دارت الكاميرات والفضائيات وهي ترصد الاختراق «الهوليودي» الذي حققه الرئيس السابق باراك أوباما بزيارته كوبا أوائل كانون الأول 2014 عندها نشر التقرير ليترك أثراً كاد يكون معدوماً أو إنه في حدوده الدنيا، مما لا يتناسب مع الحقائق الدسمة التي احتواها، الثاني هو في محاولات واشنطن الحثيثة لاستعجال المواجهة مع الصين، فعلى الرغم من أن تلك المواجهة حاصلة اليوم أو غدا إلا أن الاستعجال هنا يؤشر إلى وجود رؤية لدى الأميركيين مفادها إن القدرات الصينية ماضية في تناميها وتفوقها ولذا، تقول الرؤية، فإن من الأفضل تفجير المواجهة مع الصين أملاً أن تؤدي هذي الأخيرة إلى كبح جماح ذلك التنامي أو التفوق.
ربما أمكن لنا أن نضيف إلى تلك المؤشرات مؤشراً مهماً جديداً كان قد حصل مؤخراً ويتمثل بتلك الصورة التي ظهرت عليها واشنطن بدءا من ربيع العام الجاري وصيفه وفيها مارست هذه الأخيرة نهب المال الخليجي بطريقة كانت مهينة للأميركيين قبل أن تكون كذلك للخليجيين، وهي لا تستوي مع ممارسات القوى العظمى، صحيح أن سياسات هذي الأخيرة هي في معظمها تقوم على النهب والسلب إلا أن الشراسة التي بدت عليها واشنطن في محاولتها لجمع المال كان يوحي بشيء آخر.
في الغضون تستشرف دول الخليج المخاطر المحدقة بكياناتها وهي تعمل على الاحتماء بقوى جديدة على نحو ما فعلته قطر باستقدام القوات التركية إبان نشوب أزمتها مع دول الحصار إضافة إلى محاولة كانت قد جرت مؤخراً، قبيل أكثر من عام، لاستبدال المظلة الأميركية بنظيرة لها بريطانية إلا أنها توقفت سريعا ما يشير إلى رفض أميركي للبديل المقترح، وعلى نحو المسار الذي تشقه دول الخليج في المرحلة الراهنة وهو ليس بجديد إلا أن الجديد فيه هو علنيته بشكل صارخ، وقال وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا في العشرين من الجاري: إن أغلب دول الخليج قد باتت مهيأة لعلاقات دبلوماسية علنية مع إسرائيل لأنها باتت تدرك أن الخطر المقبل عليها هو من إيران وليس من إسرائيل الأمر الذي قد يفسر جزءا من الارتماء الخليجي في الحضن الإسرائيلي، صحيح أن هذا الحضن الأخير لا يمكن له أن يشكل بديلا نافعا للأصيل الأميركي ولا هو يملك القدرات التي يملكها هذا الأخير إلا أن الأمر كما يبدو محاولة لتدعيم الجدران الخليجية بمدماك إسرائيلي.