من دفتر الوطن – جامعات أم ثانويات كبيرة؟!

| عبد الفتاح العوض 

منذ البداية.. لست مع افتتاح جامعات في المحافظات.. في فترة ما بدأت فكرة إقامة جامعات في المحافظات السورية وبدا الأمر كما لو أنه انجاز مهم، أهميته تتأتى من أنه يسهل أمور الطلاب من الناحية الاقتصادية، فالطالب الذي يدرس في محافظته ستكون نفقاته أخف وأقل ومن ثم يشجع ذوي الدخل الأقل للدراسة الجامعية، وخاصة أن تكاليف الطالب الأكثر تأتي من السكن والطعام والتنقل وكلها أقل إلى حد كبير عندما يدرس الطالب الجامعي في محافظته.
هذه كانت أكبر وأهم تبرير لإقامة الجامعات في المحافظات ثم إن كانت المجتمعات لا تملك من التشجيع ما يجعلها ترسل الفتيات إلى مدن أخرى للدراسة فإن وجود الجامعة في المحافظة يزيل المخاوف لديهم، وفي هذه الحالة فإننا نساعد كثيراً على زيادة الطالبات في الجامعات.
ثمة تبريرات لغوية كثيرة يمكن أن نضيفها للتبريرات السابقة لكن كلها تدور حول قضية واحدة وهي تسهيل الدراسة الجامعية من الناحية الاقتصادية وفي جزء آخر من الناحية الاجتماعية.
لكن ماذا حدث؟
تعبير ثانويات كبيرة ليس لي، وهو من هنا أهميته لوزير تعليم عال سابق. الذي حدث أننا فعلاً حولنا الجامعات إلى ثانويات كبيرة.. في حياتنا الجامعية كانت الفرصة متاحة جداً لتكون مع مجموعة كبيرة من السوريين من كل المحافظات.. لا تكاد تعرف من أي محافظة هو إلا من خلال ما يمكنك التقاطه من لهجته أو من أغانيه «الشعبية».
الصداقات الجامعية تجعلك لا تتعرف فقط على أشخاص أكثر.. بل تجعلك تتعرف على أفكار أكثر.. وتجعلك تنشئ صداقات مع أفكار مختلفة. بينما عندما أصبحت الجامعات في المحافظات فلم يتغير شيء سوى المواد التي يدرسها الطلاب.. انتقلوا من ثانوية صغيرة إلى كبيرة! في سورية نحن بحاجة ماسة الآن للعودة إلى إنشاء الصداقات مع الأفكار للتعرف من جديد على أنفسنا بصورة أجمل وأفضل.
والآن وقد توزعت الجامعات في المحافظات علينا أن نجد طريقة تحوّل هذه الجامعات إلى مراكز وطنية وليس تجمعات لطلاب كل محافظة على حدة.
ربما نحتاج إلى أفكار مبتكرة وخاصة حتى نجد وسيلة ملائمة تجمع بين هدف الجامعة التعليمي والهدف الوطني الأكثر صعوبة في هذه المرحلة.
وزارة التعليم العالي مسؤولة عن إطلاق الأفكار لإيجاد هذه الحلول لكنها ليست الجهة الوحيدة، بل على الجميع تقديم ما يساعدها لتحويل الجامعات إلى منارات وطنية وليس إلى تجمعات مناطقية!
لا أتحدث عن حالة «رومانسية» بل عن مهمة وطنية نحن بحاجة لها حتى ندرك جيداً دور الجامعات في تأهيل الشباب السوري وطنياً وليس تعليمياً فقط.
أقترح ورشة عمل للاتحاد الوطني لطلبة سورية يناقش هذه القضية من جوانبها المختلفة بعقل منفتح يبتعد عن مسألة المنافع الضيقة للطلاب للبقاء في محافظاتهم والاهتمام أكثر بوجود جامعات سورية «تجمع» الشباب السوري على أفكار المواطنة والوطنية.

أقوال:
نحن نتعامل مع أكثر الأجيال تعليماً في التاريخ، ولكن المشكلة أن عقولهم ارتدت أفضل الملابس من دون أن تعرف أين ستذهب.
كيف يكون الأطفال في غاية الذكاء والرجال في غاية الغباء؟ لابد أن السبب هو التعليم.
العقل ليس وعاء يجب ملؤه.. ولكنه نار ينبغي إيقادها.