وعي «مهاباد»

| عبد المنعم علي عيسى

ليس المهم في أن يتنحى رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني عن منصبه، بل ولا حتى المهم في أن يعلن الإقليم عن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية قريبة، مما يمكن اعتباره تحصيل حاصل في سياق الصدمة الحاصلة والتي كشفت في طياتها زيف المشاريع التي كانت القيادات الكردية تجر شعوبها إليها ومعها تكشف وهن نقاط الاستناد التي كانت تراهن عليها تلك القيادات والتي بدت أشبه بمن يستند إلى جذع قصب تهزه نسمة عابرة.
كلا الأمرين لا يعنيان حصول تحول مما يفترض حصوله في هذي الظروف تحت طائلة الانكسار فالانهيار، وإنما يعني تغييراً لن يفضي سوى إلى إنتاج قيادات أو نخب قيادية لا تختلف عن سابقاتها في ظل واقع سياسي اجتماعي ثقافي اقتصادي مأزوم وهو عاجز عن أن يلد فيلا من رحم هو أصغر بكثير من أن يحمله، ونحن هنا لسنا في موقع المتشفي ونحن أيضاً لا نقف ضد أن يتمتع الأكراد بحكم ذاتي أو حتى أن يكون لهم كيانهم المستقل، ومن المهم أن نقول في هذا السياق إن الشعوب العربية لم تكن أساساً طرفاً في معاهدة لوزان 1923 التي ألغت حق الأكراد في قيام دولتهم، ولذا فإن جميع الخيارات التي يتخذها الأكراد اليوم تبدو نابعة من نهج عدائي، وعزاؤنا في ذلك هي أنها سياسات تأتي «من فوق»، صحيح أن الغالبية الساحقة من الأكراد أينما وجدوا هم مع الاستقلال الآن، إلا أن الوعي الجمعي الكردي تشكل عملياً ما بعد سقوط مهاباد، الدولة الكردية التي قامت على أراض إيرانية عام 1945 ولم تستمر لأكثر من أحد عشر شهرا، حيث ستصبح عملية استعادة الحلم «المهابادي» خزان الإديولوجيا الأوحد الذي تستمد منه كل السياسات وكل التكتيكات وقد استطاع كل من الملا مصطفى بارزاني والشيخ عز الدين قاسملو تدعيم تلك الإديولوجيا و«تكفير» الجاحدين بها تحت أي مسمى كان، ومع هذين الأخيرين ارتبطت تلك الاستراتيجيا بشعار يقول: «الهدف هو كل شيء والوسيلة لا شيء» وتلك رؤية كارثية إذا ما كان المطلوب هو ولادة وطن وليس الدفاع عن الوطن، في إشارة إلى قول جاء بهذا المعنى على لسان رئيس الوزراء البريطاني زمن الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل.
لم يتوقف الأكراد أمام استخلاص العبر من قيام وسقوط «مهاباد»، وهم لم يطرحوا أو على الأقل لم يجيبوا على سؤال هام يقول: إذا ما كنا، والحديث هنا بلسان الأكراد، نحن والعرب حركتي تحرر قومي، وفي ظروف متشابهه كثيراً، آنذاك، فلماذا استطاع العرب تحقيق كيانات مستقلة، ولم نستطع نحن؟ ولو تساءلوا وأجابوا لما كنا وصلنا إلى ما أوصلنا إليه حدث 16 تشرين الأول الماضي، وهو مآل سيحفر عميقا في الذات الجماعية الكردية بالتأكيد، وربما بدرجة أكبر مما فعلته اتفاقية لوزان 1923، مع فارق كبير ما بين الحدثين، فالأخير كان بفعل خارجي تركي وتواطئ غربي، أما الأول فكان بفعل داخلي، ولا يصح بحال من الأحوال إلقاء المسؤولية كاملة على سياسات مسعود بارزاني ومن يتحملها، هي تلك القاعدة الاقتصادية الاجتماعية السياسية التي أوصلت هذا الأخير إلى سدة السلطة، وقام بتلك الخطوة الانتحارية، أي استفتاء 25 أيلول الماضي، التي لا تشبهها خطوة سوى خطوة صدام حسين بغزوه الكويت في 2 أب العام 1990.
في مطلق الأحوال، نحن مرتبطون مصيرنا بمصير بعض، والأمر هنا يحب أن يكون راسخا في عمق الإديولوجيا وعمق الممارسة، وليس إعلاميا كما كان الأمر عليه في السابق عندما كانت القيادات الكردية توافق وتوقع على دساتير تنص على أننا جميعاً شركاء في الوطن، لكن في الآن ذاته كانت تمارس على الأرض النقيض تماما من كل ذلك.
ما تحتاجه المسألة الكردية اليوم هو تكثيف مراجعة ما جرى بين 9 نيسان العام 2003 اليوم الذي يؤرخ للمد الكردي المدعوم أميركيا وغربيا، وبين 16 تشرين الأول الماضي، وهو اليوم الذي يؤرخ لهزيمة المشروع الكردي بدعم خارجي ورأس حربة كردي، وهي، أي المراجعة، يجب أن تكون ملغية لوعي «مهاباد» وإنتاج آخر بديل ركيزته الأساس تقوم على أن الأكراد لا يمكن لهم أن يكونوا شوكة في خاصرة جيرانهم الأمر الذي ترفضه حقائق الجغرافيا وحقائق التاريخ.