مبادرات هادفة لنشر الذاكرة الجمعية الثقافية والتشكيلية … المركز الوطني للفنون البصرية يكرّم العمالقة ويأخذ على عاتقه الشباب أصحاب الحركة القادمة

| سوسن صيداوي

من الماضي يوم حاضر. الذاكرة التشكيلية الثقافية تمضي، وثقل الزمن يلقي بالنسيان بين العتبات. ولكن الإصرار رغم مرض الحالة التشكيلية السورية وتراجعها، يدفع البعض من الكبار والكثير من الشباب نحو العطاء لمن هم رموز أساسية وقاعدة راسخة في الحركة التشكيلية الفنية السورية. غادرنا الفنانون مروان قصاب باشي ونذير نبعة ونذير إسماعيل بصمت، وفي فترة واحدة، وكأنهم اتفقوا أن يلفظوا نفس الحياة، مقررين الابتعاد عن واقع ثقافي مزر، رحلوا جسدا، ولكنّ روحهم وفكرهم وعطاءهم باق في الذاكرة. واليوم يتعهد كل محب لسوريته بالعموم أن يُبقي ذكرهم مؤبدا، كإرث ثقافي للأبناء مع الأجيال المتتالية. ولأن هذا العهد بدأ وسيستمر بشكل دوري مع السنين، نظّم المركز الوطني للفنون البصرية معرضا تشكيليا جماعيا لعمالقة في الفن التشكيلي السوري في مقر المركز بدمشق، ويستمر المعرض لغاية الـ26 من تشرين الثاني المقبل، متضمنا30 عملاً فنياً تنوعت بين 22 لوحة من التصوير الزيتي والحفر على المعدن والباستل والطباعة الحريرية والأكريليك، و8 منحوتات من خامات البرونز والبازلت والبوليستر والصلصال المشوي والريزين.

الحركة بمرضها لا تعطيهم الحق
حرصت إدارة المركز أن يكون للفنانين المكرّمين حضور بعدد من لوحاتهم المعبّرة عن أسلوبهم، الذي كرّسوا من خلاله مدرسة تشكيلية للأجيال القادمة، هذا إضافة إلى أن إدارة المركز وزّعت على زوار المعرض كتاب «في أدب الصداقة» المتضمن رسائل متبادلة بين الراحلين الروائي عبد الرحمن منيف والفنان مروان قصاب باشي. وحول المعرض قال الدكتور غياث الأخرس مدير المركز الوطني للفنون البصرية: «أي معرض سيقيمه المركز سيكون تحية وفاء لقامة فقدناها سواء أكانت مسرحية، موسيقية، كاتباً، شاعراً، فناناً. ولهذا الغرض، وفي هذا المعرض، بدأنا بتحية لهؤلاء الفنانين التشكيليين العمالقة، الذين للأسف فقدناهم بسرعة رهيبة، الواحد تلو الآخر. والأمر الجدير بالإشارة هو أن الفنانين الشباب هم أول من قدّموا لوحات وبادروا بتقديم أعمالهم لأساتذتهم تلك القامات التاريخية في الحركة التشكيلية السورية، وبالمقابل هناك ثمانية وعشرون فنانا رفضوا أن يقدّم لهم لوحة واحدة. إذا هذه المبادرة تلفت النظر، وللأسف القطاعات سواء أكانت الحكومية أم الخاصة أو الإعلامية غير مهتمة بتاتا، في حين نحن في المركز لدينا برنامج وسنعمل بكل جهدنا لتنفيذه وسنقف مع مواهب هؤلاء الشباب الذين قدموا عطاءهم بكل شغف وعمق في حين الحركة التشكيلية بمرضها لا تعطيهم أي حق، لذلك المركز أخذهم على عاتقه لأنهم أصحاب الحركة التشكيلية القادمة». كاشفاً بأن المركز الوطني سيكمل مهامه في نشر الذاكرة الجمعية الثقافية والتشكيلية، من خلال طباعة الكتب والندوات، والمعارض بشكل دوري.

أعمالي تعبّر عن الواقع
المعرض ليس شبابي النكهة، فحتى إنه تضمن أعمالاً لكبار الأسماء السورية المحدِثة تحولا مهما على صعيد الحركة، من بينهم الفنانة التشكيلية ليلى نصير التي شاركت بعملين، وتحدثت عن أعمالها ومشاركتها قائلة: «شاركت من خلال عملين. بصراحة أقدر أن أقدم غير ما قدمته وحتى أفضل منه، ولكن وضعي الصحي لا يسمح لي. يهمني في أعمالي أن أعبّر عن الواقع، مع الإشارة لما يواجهه أبناؤنا وبناتنا، فالآخرون- وأقصد هنا القوى الاستعمارية- يريدوننا أجسادا بشرية ولكن برؤوس حيوانات، لا نفهم شيئاً ولا نفكر بشيء، بل علينا فقط أن نعيش تحت إمرتهم وفقا للأسلوب الذي يريدونه، كي يستمروا في استعمارنا فكريا وثقافيا واقتصاديا… إلخ، ولهذا في هذا المعرض عبّرت بلوحتين، لوحة واقعية، ولوحة فيها نفس التاريخ، وفي المواضيع جاءت اللوحات وفقا لما أحسّه، فحتى الأحصنة بالعمل محاصرة، وحتى الثيران محاصرة، وهذا تجسيد للواقع ولما نواجهه نحن العرب من القوى الاستعمارية المتمثلة بأميركا، التي تطمح إلى تمزيق سورية وتفتيتها لا تخليصها من الإرهاب، وليس هذا فقط بل أيضاً بدأت بتنفيذ مخططاتها بتجزئة الوطن العربي من أجل إسرائيل. ومن البداية إن لم يكن الإنسان واعياً، ومن ثم الشعوب، وتكاتفنا ووضعنا أيدينا ببعضها وكرهنا الدم، فالحروب ستبقى دائرة في الكرة الأرضية. أحياناً أتشاءم، ولكن أقول عندنا أشخاص تفكر ومدركة للأمور وتسعى إلى توحيدنا وإلى كشف الحقيقة والدفاع عنها، وهنا أحيي جيشنا العربي السوري، الذي أطمح أن أعبّر عن تضحياته وإنجازاته في أعمالي قريبا. كما أنني أتابع الحركة التشكيلية الشبابية-نسبيا- ومن منزلي لعدم قدرتي على الحركة، فهؤلاء الشباب هم مبعث الأمل لي بأن المستقبل أفضل».

المناسبة ضرورية للوفاء
من بين الزوار كان الفنان التشكيلي نشأت الزغبي حاضرا ومتابعا لما تمّ تقديمه من أعمال في المعرض، الذي تحدّث عنه وعن الفنانين التشكيليين المكرّمين قائلاً: «المعرض تحية لأرواح ثلاثة من أهم الفنانين السوريين مروان قصاب باشي ونذير نبعة ونذير إسماعيل. مروان فنان استثنائي عاش خارج سورية، ولكن بقيت سورية حاضرة داخله. موضوعه دائماً هو الوجه، الذي يعبّر من خلال تضاريسه عن حالة إنسانية، وهي في نفس الوقت تكشف عن العمق الإنساني الموجود فيها. بالنسبة لنذير هو أستاذ رائع في فنه، حيث رسم السيدات والوجوه الدمشقية- إذا صح التعبير- وأعطاها بُعدا أسطوريا، حيث يقدم السيدة بنموذج السيدات الشاميات ومجّد السيدة الدمشقية. أما بالنسبة لإسماعيل فلوحته تعرض دائماً مجموعة من الوجوه، كي يرى كل واحد فينا الوجه الذي يناسبه ويكون خاصا به. هؤلاء الثلاثة هم ليسوا فقط من الفنانين السوريين بل هم أيضاً من الفنانين العالميين، وهذه الخطوة رائعة لتكريم مجموعة من الفنانين-قد يكونون قد تكرّموا في حياتهم-هذه الخطوة مهمة فهي مناسبة ضرورية للوفاء لهم ولإبقائهم حاضرين في فكرنا وحياتنا من خلال فنونهم وإبداعاتهم».

المعرض زيارته غنية
بين جنبات المعرض تجول الناقد غازي عانا مستمتعا بما هو معروض من أعمال تنوعها دلّ على غنى كبير، متحدثاً: «تحية للمركز لأنه تذّكر ثلاثة أسماء جدّ مهمة، كما أن المعرض غني جداً من خلال التنوع فيه، حيث رأيت فيه كل أشكال التعبير الموجودة حاليا، سواء أكان من أعمال تركيبية أو نحت أو غرافيك أو تصوير، وبنفس الوقت كل المدارس موجودة وكل المذاهب، وهكذا معرض زيارته جد غنية، وأنا أنصح الطلاب بأن يأتوا كي يرَوا ويشاهدوا أعمال الفنانين، ويتعرّفوا على المذاهب الخاصة بهم، كما أتمنى أن يكون هذا التقليد سنويا، وأن نستذكر به كل الفنانين العظماء الذين تركوا أثرا في الحركة التشكيلية السورية، هذا إضافة إلى أن المبادرة مبعث للأمل لأن فيها إحياء لذكرى الفنانين الذين لن يموتوا فهم حاضرون بيننا، وبنفس الوقت هذا الأمر يعطينا أملاً بأنه سيأتي من يذكرنا في وقت لاحق».

المبادرات كسيحة
من جانبه أكد الدكتور محمود شاهين عميد كلية الفنون الجميلة أهمية هذا المعرض وضرورته قائلاً هذا المعرض جد مهم لأن فيه تكريساً للثقافة السورية التي نفتقدها. وحتى لو كان هناك مبادرات، لكنها كسيحة، وغير كاملة، ولكن برأيي هذه الظاهرة مكتملة، وهي إشارة إلى أعمال المكرمين القديمة فلكل واحد منهم عمل، كما الأهمية هي بهذه المبادرة لأن فيها نوعاً لتكريس ثقافة جديدة، وهناك الكثير من المبدعين الذين رحلوا عنا دون أن يتم تكريمهم في حياتهم ولا حتى في مماتهم، لذلك هذه المبادرة التي قام بها المركز هي جدّ مهمة، ولكنني أتمنى استمرارها، وخاصة أن الحركة التشكيلية لدينا بحاجة إلى توثيق».

الشبكة مستمرة
بيّن الدكتور سعد القاسم أن في مبادرات كهذه ضرورة لاستمرار دوران الحلقة التشكيلية المتكونة في سورية وغير المنقطعة الجذور، شارحاً «المعرض ليس استعادياً للفنانين ولأعمالهم، بل هو تكريمي لهم، وبهذا الحجم من المشاركة، تأتي الأهمية من مشاركة الشباب، والسبب الأساسي أن قسماً كبيراً منهم ليس لديه أي معرفة شخصية بالفنانين الراحلين، ولكنهم يتعاملون معهم كأسلاف لهم، وهذا الأمر جدّ مهم، ومن جهة أخرى استطاع المركز أن يكرّس هذه الحالة وأن يحتفل بهم وأن يشاهد هؤلاء الشباب أعمالهم. والأمر الأكثر أهمية أن الحركة الفنية السورية تكتسب تطورها وتتابعها من تراكم تجارب خبراتها، فنحن لا نستطيع أن نتعامل معها بأنها منقطعة الجذور، صحيح أنها بدأت مع بدايات القرن الماضي، ولكنها بسرعة صنعت هويتها الخاصة وتاريخها الخاص، وإذا كان الجيل الأول من الفنانين التشكيليين لديه مصادره من الفنانين الأوروبيين، فالأجيال التي بعدها كان لديها مصدران أساسيان: الفن العالمي، وأسلافها من الأساتذة، هذه الحالة منحت الفن السوري الأهمية الكبيرة وخاصة في فترة الستينيات والسبعينيات. الحرب أثرت كثيرا، فهناك من غادر وهناك من قطع العمل، فأصبح هناك تهتّك بالشبكة مستمر، لذلك المحافظة على الاستمرار فيها هو شيء مهم، وهذا ما يحققه هذا المركز، لأن صالاته تتجاوز مفهوم الصالات لدينا، ففي المركز الشكل الفني والعمارة الفنية وحالة العرض المتطورة التي تبرز العمل الفني بطريقة جداً متألقة».