جريمة بلفور تداعياتها ومفاعيلها في مئة عام

| يوسف جاد الحق

مئة عام تمر على تلك اللعنة التي حلت بفلسطين والعرب هي «وعد بلفور»، الجريمة العظمى التي كان لها من التداعيات والتفاعلات في هذه المنطقة العربية ما عرفنا حتى اليوم من الويلات والمآسي على الصعيد الإنساني، والتخريب والدمار على صعيد الأوطان، لم تتعرض لمثله منطقة في العالم على مر الزمان.
إثر ذلك الوعد عملت بريطانيا وفرنسا، ثم انضمت إليهما أميركا، على خلق الظروف في المنطقة، بأساليب ماكرة جهنمية، للوصول إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين، ولكن بريطانيا أخفت ذلك الهدف البعيد المبتغى، وتم لهم ذلك عام «1948» الذي عرف بعام النكبة، ولكن هل اكتفى المتآمرون الجناة بذلك؟
كانت أهدافهم من إيجاد ذلك الكيان أبعد مما حدث حتى ذلك الحين، حيث إنهم أرادوا تمزيق العرب، بلاداً وشعوباً، فضلاً عن تقسيم بلادهم، بإثارة الفتن والعداوات والنعرات الطائفية والعرقية، بشتى صنوفها وألوانها، من أجل ألا تقوم لهم قائمة من بعد، ولكي يظلوا في الحال التي رسموا وخططوا لها للمدى المستقبلي البعيد.
ومن أجل تحقيق أهدافهم اللا إنسانية، بل الإجرامية بجدارة، دأبوا على تمكين إسرائيل بالسلاح والمال والبشر «المستوردين»، واستغلال الهيئات الدولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة، للإبقاء عليها أقوى من دول العرب مجتمعة، سعياً وراء تأمين تلك «الدولة» على مدى سبعين سنة بعد قيامها بين ظهرانينا، فكل ما جرى منذ عام 1948 وحتى الساعة، كان وجود إسرائيل مبعثه وسببه وغايته، فدمر العراق ثم سورية وليبيا ومصر «كامب ديفيد»، ولم تسلم أي دولة عربية من عقابيل ما حدث، بحيث عاشت المنطقة دولاً وشعوباً، جحيماً لا مثيل له مستمراً حتى الساعة، فضلاً عما حلَّ بالفلسطينيين والعرب من قتل وتشريد وتهجير، ما أعاق التنمية والتطور، في المنطقة، وحيل بينها وبين تأمين أسباب القوة والنهوض نحو مستقبل أفضل ومواكبة العصر في حقول العلم والتكنولوجيا وغيرها، حتى إنهم من أجل ذلك عمدوا إلى تقتيل العلماء العرب حيثما وجدوا سواء في بلادهم، كما حدث في العراق، أم في أوروبا، كما حصل للدكتور يحيى المشد في إيطاليا والدكتورة ناديا ثابت في أميركا وغير هؤلاء كثير لا مجال لتعدادهم في هذه العجالة.
يزعم بعضهم أن بلفور لم يكن مدركاً لأبعاد الوعد الذي منحه لليهود ومفاعيله المستقبلية، بيد أن هذا محض خطأ فادح، وسوء تقدير متعمد أو عن غير عمد، ولم يكن بلفور بالذي يجهل ما أقدم عليه، فقد كانت أهدافه البريطانية الاستعمارية:
1. تمكين اليهود من إقامة كيان لهم في فلسطين كسباً لرضى الصهيونية والإفادة منها مالاً ونفوذاً في أماكن شتى من العالم، ولاسيما دول الغرب وأميركا.
2. فصل عرب المشرق في آسيا عن عرب المغرب في إفريقيا، وفي المقدمة مصر عن طريق إقامة كيان غريب يفصل هؤلاء عن بعضهم البعض.
3. تمكين بريطانيا من مواصلة سعيها لبث الفرقة وتأجيج الخلافات والصراعات فيما بين العرب كي يسهل عليها التحكم في المنطقة وأهلها وفقاً لسياستها المعروفة «فرق تسد»، من ثم تسلطت على جزء من المنطقة بالانتداب، وعلى منطقة الخليج بالوصاية والحماية استغلالا للموقع واستئثاراً بما يمكن حصولها عليه من ثروة النفط الوليدة يوم ذاك.
4. تأمين طريق بريطانيا إلى مستعمراتها في الهند التي حكمتها نحو أربعمئة عام ولم تغادرها قبل أن تقطّع أوصالها فقسمتها إلى هند وباكستان، وهو ما فعلته بفلسطيننا عام 1948.
لم يأخذ بلفور وبريطانيا الدولة في الحسبان موقف أهل فلسطين، بما في ذلك العرب مجتمعين، إن لم نقل إن سياساته كانت تنطوي على قدر كبير من الاستهانة بأمرهم، كما لو أنهم لم يكونوا أصحاب الشأن الأولين في المسألة.
إن أهم ما أسفرت عنه حصيلة ذلك الوعد «اللعنة»، إيجاد إسرائيل كدولة على أرضنا، وبالتالي كان وجودها السبب المباشر في كل ما حاق بالمنطقة مما سلفت الإشارة إليه من خراب ودمار وإعاقة وإضعاف لسائر دولها وشعوبها، ناهيك عما جرى من حروب وفظائع وفجائع لم تتوقف أبداً مذ ذاك حتى يومنا هذا، وما الربيع العربي «كما سموه» بكل فظائعه وتداعياته غير واحد من محصلة ذلك الوعد.
ولولا هذا الوجود السرطاني الوبيل في الجسم العربي لنعمت المنطقة كلها، بمن فيها أهل فلسطين، بحياة آمنة مستقرة، ولتوافرت لها أسباب النماء والتطور نحو مستقبل زاهر زاخر بالعطاء والرغد على مدى الزمن.
لهذا كله ينبغي للعرب عامة، والفلسطينيين خاصة، العمل الدؤوب، وبشتى الوسائل المتاحة، وفي مقدمتها المقاومة المسلحة، وصولاً إلى الهدف المقدس المنشود، وهو التحرير الشامل الكامل للأرض الفلسطينية، هذا الهدف تبدو لكل ذي عينين، بشائره تلوح في الأفق غير بعيد، ليس من أجل فلسطين وحدها، وإنما لأجل خلاص الأمة العربية برمتها من «سرطان» الوجود الإسرائيلي بعد أن عاثت فساداً لمئة عام سلفت.