أوروبا.. أخرجت العفريت من القمقم ولم تعرف كيف تصرفه

| أكرم سعيد 

بعد أربعة أعوام من الذبح والقتل والإجرام والإرهاب منذ ظهوره عام 2013، كُسر ساطور داعش الدموي، وشارف التنظيم الإرهابي على الزوال، وذهبت تهديداته باستعادة الخلافة في الأندلس أدراج الرياح، فهل أصبحت أوروبا بعيدة عن التهديد الداعشي أم إنها ما زالت مرمى للأهداف الجهادية التي تضرب خبط عشواء في أرجاء القارة؟ هل تلك الهجمات التي تتعرض لها أوروبا تكشف فشلاً استخباراتياً أوروبياً؟ ألم تخرج تلك الوحوش الكاسرة من البيت الأوروبي الآمن لتعود وتقضّ مضاجعه خلال السنوات الأخيرة؟
رأت عدة دول أوروبية في النزاعات المسلحة التي تدور خارج حدودها بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية السبيل الوحيد للخلاص من آفة شكلت خطراً حقيقياً وتهديداً للأمن الأوروبي خلال العقدين الأخيرين من الزمن، وسمحت بعمليات الهجرة الجهادية للقتال في دول كسورية والعراق.
تلك الجماعات المتطرفة والخلايا النائمة في دول القارة العجوز لم تظهر بين ليلة وضحاها، فقد تغاضت العديد من الدول الأوروبية عن ذهاب المقاتلين من أوروبا للقتال في البوسنة والشيشان وأفغانستان ودول أخرى، ثم عادوا إلى الدول التي انطلقوا منها وفي جعبتهم شهادات الخبرة القتالية الجهادية ومتمرسين في فنون العمليات الجهادية الانتحارية من خلال التدريب وتبادل الخبرات وفنون القتل مع جهاديين آخرين كانوا قد ذهبوا للقتال في الدول ذاتها. وها هي اليوم بعد أن أرسلت آلاف المقاتلين إلى سورية والعراق للقتال بين صفوف التنظيمات الإرهابية انقلب السحر على الساحر وبدأ الإرهاب يضرب بلدانها، فهل كانت أوروبا بمنزلة من أخرج العفريت من القمقم ثم لم تعرف كيف تصرفه؟
احتضنت الدول الأوروبية خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات العديد من دعاة التطرف والجهاد، وكانت ملاذاً آمناً لقادة وأنصار حركات متطرفة وذات عقيدة جهادية غادرت بلدانها ولجأت إلى أوروبا وأقامت فيها بحجة أن هدف حركاتها موجّه لضرب أنظمة وحكومات بلدانها، كأنصار الإخوان المسلمين في بريطانيا، والملا كريكار زعيم حركة أنصار الإسلام في النرويج، وأتباع الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية، و«إسلام من أجل المملكة المتحدة» التي لديها فروع في بلجيكا والنرويج وفرنسا والدنمارك وكانت تمارس نشاطاتها إلى أن تم حظرها وملاحقة قياديها.
حركات ربما لم تتيقظ أوروبا لخطرها، أو ربما تغاضت عنها إلى أن اكتوت بنيران التفجيرات الإرهابية في مدريد 2004، وفي لندن 2005، وارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية خلال العامين الأخيرين، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن تغلغلت تلك الجماعات في المجتمعات الأوروبية وشكلت خلايا نائمة ذات عقيدة جهادية متطرفة جاهزة في أي وقت للضغط على الزناد! وبعد ارتبطت بشبكات وخلايا أخرى داخل وخارج القارة العجوز! وبعد أن استقطبت الآلاف من الشباب الأوروبي ذوي الأصول الآسيوية أو العربية مستغلة شعورهم بالتهميش من المجتمعات الأوروبية! وبعد أن أصبحت أكثر قوة وتماسكاً وتطرفاً وتخفياً داخل المجتمعات الأوروبية.
عانت الدول الأوروبية منذ ظهور تنظيم داعش الإرهابي في عام 2013 من تفجيرات وأحداث إرهابية قضّت مضاجعها في أكثر من دولة بوتيرة أكبر من أي فترة مضت، فقط بين عامي 2014 و2017 تعرضت أوروبا لأكثر من 15 عملية إرهابية تسببت بمقتل ما يقرب من 400 شخص، في باريس ونيس وبروكسل ولندن وبرشلونة، كنتيجة للسياسات الخاطئة للحكومات الأوروبية تجاه العديد من النزاعات في العالم كسورية والعراق وليبيا وغيرها، حيث تتحدث التقارير عن ما يقرب من 5000 مقاتل أوروبي انضموا إلى تنظيم داعش للقتال في سورية والعراق، كان لفرنسا النصيب الأكبر منهم، تليها بلجيكا، ولكن هل زيادة عدد الهجمات الإرهابية في أوروبا تكشف عن فشل استخباراتي أوروبي؟
تمكنت أجهزة الاستخبارات الأوروبية من تفكيك العشرات من الخلايا الإرهابية في دولها، وراقبت ورصدت اتصالات بين خلايا مرتبطة بداعش بعد تحرير الموصل في العراق فحواها «إحراق أوروبا»، وكانت تتوقع قيام تنظيم داعش بتشكيل قيادة عمليات لتنفيذ هجمات في الخارج بأسلوب القوات الخاصة، حسب ما ذكر مدير جهاز الشرطة الأوروبية اليوربول روب وينرايت عام 2015، لكن ماذا فعلت أجهزة الاستخبارات الأوروبية لمواجهة هذا التهديد؟ وهل استطاعت الحد أو منع حدوث هجمات إرهابية كهذه؟
على الرغم من تكثيف الجهود وتشكيل مركز أوروبي لمكافحة الإرهاب يتبع لجهاز الشرطة الأوروبية «اليوروبول» بهدف التنسيق وتبادل المعلومات بين الدول الأوروبية والجهود المبذولة في تشكيل وكالة أوروبية للأمن الإلكتروني، إلا أن ذلك لم يمنع حدوث عمليات إرهابية أو انتحارية من «الذئاب المنفردة»؛ وهي الإستراتيجية التي استلهمها الجهاديون في أوروبا من فكر تنظيم القاعدة وحالياً من فكر تنظيم داعش الإرهابيين، واستطاعت الجماعات الجهادية من خلال التنسيق بين شبكاتها وخلاياها وتبادل المعلومات إحداث خرق في أجهزة الاستخبارات الأوروبية التي لم تفلح في الحد أو منع حدوث هجمات كهذه.
استفاقت أوروبا من غفوتها للخطر والتهديد الذي تشكله الجماعات ودعاة التطرف في بلدانها وخطر عودة المقاتلين الجهاديين الذين سمحت لهم بالذهاب إلى ميادين القتال أملاً في الخلاص منهم وليكونوا وقوداً للنزاعات الدائرة من جهة، واستخدامهم كأداة لتخريب الدول والمجتمعات التي لا تتماشى مع مصالحها من جهة أخرى، حيث قامت بتشديد إجراءاتها لدخول اللاجئين إلى أراضيها بعد أن استغل تنظيم داعش الإرهابي موجات اللجوء لتسلل مقاتليه إلى الداخل الأوروبي، وتنبهت إلى أساس المشكلة وهي التطرف في المجتمعات الأوروبية، حيث تبذل جهوداً بمكافحة هذه الظاهرة من خلال إدخال تقنيات وأساليب تربوية في المدارس تكرس سياسة التسامح والاندماج الاجتماعي ونبذ التمييز والعنف والتطرف وتهميش الآخر، إضافة إلى تشديد مراقبتها على شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية التي تدعو إلى العنف والتطرف.
أوروبا كانت ضحية سياساتها الخاطئة، ولعبت بالنار فأحرقت بلدانها، فالخطر الذي يشكله المقاتلون العائدون من جبهات القتال والخلايا النائمة التي شكلت شبكة منظّمة بينها في القارة العجوز قد يتطلب منها جهوداً حثيثة لمواجهته كي لا تكون ضحية لهجمات إرهابية جديدة، فهل ستتمكن أوروبا من صرف العفريت؟