المشروع الوطني للترجمة يدخل النقد وتاريخ الفن … بين الواقع والثقافة.. هل الثقافة هي كل شيء في واقعنا أم إن الواقع أكبر من سحرها؟

| سوسن صيداوي

يرى البعض أن تشكيل الهوية البشرية يلعب دوراً رئيساً في تشكيل هويتنا كبشر هو الثقافة، وحول هذا الدور يقول بعض النقاد إن الطبيعة البشرية هي أساس الثقافة، على حين يرى آخرون بأن الثقافة هي الركيزة الأساس في تكوين الهوية البشرية. وللحديث أكثر عن هذا الموضوع عملت كاثرين بيلسي على تأليف كتابها (الثقافة والواقع)، الذي تقدم خلاله نظرية جديدة للثقافة، وتشرح بلغتها الواضحة آراء بعض المنظّرين المحدثين مثل: جان فرانسوا ليوتار، وجوديث بتلر، وسلافوي جيجك، واهتماماتهم بأعمال كانط وهيغل المبكرة، ليتم التوصل إلى فهم أفضل لما يشكل الطبيعة البشرية.
تجدر الإشارة إلى أن كتاب (الثقافة والواقع.. نحو نظرية للنقد الثقافي) صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، ضمن «المشروع الوطني للترجمة»، وهو من تأليف: كاثرين بيلسي، ترجمة:د. باسل المسالمة. جاء الكتاب من القطع الكبير، مؤلفاً من تسعة فصول، واقعاً في 231 صفحة.

كلمة المترجم

بعد الحرب العالمية الثانية تناولت دراسة الثقافة كل الموضوعات المعاصرة والشعبية والنظرية، وبحسب ما جاء في مقدمة المترجم د. باسل المسالمة فإن منظّري الدراسات الثقافية قد طوروا مهارات كثيرة في قراءة الثقافة البصرية والسمعية، كما فعلت المؤلفة كاثرين بيلسي في هذا الكتاب، مشيراً إلى أن هذا الفرع المعرفي الجديد في باريس من التحليل النقدي الذي تطرق للحركة البنيوية وعلم اللغويات، غير أن المنظرين الفرنسيين خلقوا مشكلة تمثلت في التعارض الثنائي الذي استمر حتى الآن في المملكة المتحدة بين الدراسات الإنكليزية والدراسات الثقافية، متابعاً إن هذا الكتاب شائق وممتع للقراءة، إذا تسأل الكاتبة أسئلة جوهرية تبحث في طبيعة الواقع وتتناول وجوده: ما الواقع؟وهل هناك واقع أم أن الثقافة هي كل شيء؟ وتميّز بين الواقع، وهو ما لا نعرفه، والحقيقة الواقعية التي تمثل كل ما نعرفه. وأن كل هذه الأسئلة مهمة وتقع في صلب الكتاب الذي يتسم بالوضوح، خلافا للغموض الذي نجده في المصادر التي يعلق عليها الكتاب أحياناً، وحول فكرة الكتاب وأساسه قال «أسس هذا الكتاب من وجهة نظري على أربع أفكار، مع أن فصوله تسعة: تناولت الفكرة الأولى شؤون الواقع عند بعض المنظّرين مثل بتلر وفش وليوتار، والتحليل النفسي بعيداً عن المثالية عند كل من هيغل ولاكان وفرويد، على حين اشتملت الفكرة الثانية على قضايا الواقع عند لاكان والتعارض الموجود بين جيجك ولاكان وسحر الثقافة وتأثيرها النافذ، أما الفكرة الثالثة فتنطوي على شواغل تخص الفضاء والواقع وموقع الناظر في الفن والرسم، لتأتي الفكرة الرابعة وفي حوزتها علاقة الواقع السامي عند كانط وليوتار والأسس الممكنة لصوغ نظرية جديدة للثقافة».

كلمة المؤلف
تقول مؤلفة الكتاب كاثرين بيلسي «إذا أردنا أن نستكشف معنى أن نكون بشراً، فعلينا أن نقر بالعلاقة بين الثقافة والأشياء التي نجهلها، وتتابع إن الثقافة لا تقدم لنا صورة مألوفة وحقيقية عن العالم، بل تهتم بما لا يقال، أو بالمجال الغريب الذي يقبع وراء الثقافة، الذي سماه لاكان «الواقع». لذلك يعد هذا الكتاب مهماً لأولئك الذين يعملون في مجال النقد الثقافي ودراسات السينما وتاريخ الفن. كما توضح بيلسي أن استكشاف الجانب الإنساني في البشر يقتضي الاعتراف أو التسليم بالعلاقة القائمة بين الثقافة وما نجهله، ولا نقصد بذلك صورة العالم المألوفة التي تقدمها لنا الثقافة بوصفها صورة «واقعية»، وإنما ما لا يمكن قوله، أو المجال الغريب الذي تكمن وراء الثقافة، ذاك الذي سمّاه لاكان «الواقع/الواقعي». فالثقافة، كما تجادل بيلسي، تسجل شعورا بقيودها الخاصة بطرق أكثر دقة وهو ما يسمح به المنظّرون، وتقدم كاثرين وهي أستاذة وباحثة معروفة تعمل في مركز نظرية الثقافة والنقد في جامعة كارديف، إسهاماً جوهرياً جديداً في المناقشات الحالية بشأن الثقافة، عبر دراسة بعض الأمثلة من السينما والفن والنثر والشعر، بحيث يكون كتاب «الثقافة والواقع» ضرورياً للقراءة لأولئك الذين يدرسون النقد الثقافي أو يبحثون في مجال اللغة الإنكليزية والدراسات الثقافية ودراسات السينما وتاريخ الفن. وتضيف إن الواقع يدعو للتأمل. ومثل الأشياء كلّها التي تكمن وراء الثقافة، يبتعد الواقع أيضاً عن النص الثقافي، متحديا بهذه الوسيلة سيادته المفترضة. كما يدعو الواقع إلى الرغبة، وعلى نحو يثير التناقض وتترك الثقافة نفسها بصمة الغرابة وتلمّح إلى ما لا يمكن قوله.