آل سعود

| عبد المنعم علي عيسى

كأني بالوقت المتاح أمام ولي العهد السعودي قد ضاق على أشده أو هو لم يعد كافياً لإنجاز ما يجب إنجازه، فقد تسارعت خطوات تثبيت ركائز السلطة لدى هذا الأخير بالتزامن مع نزوع لافت نحو «محاربة الفساد» و«العودة إلى الاعتدال» في نسيج بدا أنه مترابط ولا يمكن فصل مساراته عن بعضها البعض انطلاقاً من أنها كلها تصب في خانة الهدف نفسه الذي تسعى إليه.
أعلن محمد بن سلمان في 22 الشهر الماضي عن العودة إلى الإسلام الوسطي والمعتدل، ليضيف أنه لم يعد بمقدوره التعاطي 30 سنة أخرى مع الأفكار المتطرفة ولسوف يهاجمها فورا، ثم أطلق في اليوم التالي مشروع «نيوم» الذي قال: إنه مشروع الأحلام في المنطقة، وفي الرابع من الجاري كانت الليلة الساخنة في الرياض التي شهدت حملة اعتقالات غير مسبوقة طالت 11 أميراً وعشرات الوزراء والمسؤولين السابقين والحاليين، ما أضفى على تلك الليلة دراماتيكية مثيرة هي أنها شهدت أيضاً استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري التي أعلنها من الرياض وعلى وقع أصداء تلك الحملة التي لم تكن قد انتشرت في الخارج بعد، فإلام يشير ذلك السياق السابق الذكر؟
يمكن القول إنه يشير إلى حقيقتين: الأولى هي أن هناك مساراً متسارعاً يريد إنجاز شيء ما وفي الآن ذاته يريد إثارة الضباب حول تداعيات ذلك الإنجاز، ولا بأس هنا من إطلاق العنان للأحلام التي يمثلها مشروع «نيوم» الذي لن يكون أفضل حظا من مشروع «توشكى» لإعمار الصحراء المصرية ومشروع «النهر الصناعي العظيم» لإرواء الصحراء الليبية في ثمانينيات القرن الماضي، وفي السياق سحق أصغر النيات التي يمكن أن تشكل حجر عثرة في طريق ابن سلمان، والثانية: هي أن الأمير الحالي والمليك المقبل، ذو نفس ضيق وصبر قليل، وهو لا يحتمل أن يقوم أحد بانتقاده وما يؤكد هذا الأمر الأخير هو أن أغلبية الخلافات داخل الأسرة الحاكمة مردها بالدرجة الأولى إلى الخلاف على حرب اليمن، وصحيح أن ثمة خلافاً آخر مرده إلى ولاية ابن سلمان للعهد والطريقة التي تمت بها، إلا أن ذلك يقع في إطار الخلافات الناجمة عن «صراع الأخوال» وهي حاله لم تنقطع أبداً، بل إنها كثيراً ما تشتد لدى كل مرحلة انتقالية من عهد إلى عهد آخر، ومن الواضح اليوم أن ثمة تآلف أجنحة يقوم في مواجهة السطوة السديرية، نسبة إلى حصة بنت أحمد السدير، إحدى زوجات الملك عبد العزيز وأولادها السبعة الذسن يسمون السديريين وسلمان منهم.
ما يمكن قوله هنا هو أن جميع الصراعات السابقة هي من النوع القائم دوما أو بمعنى آخر باقية دوما، حتى إنها باتت تقليدية، إلا أن الأمر الخارج عن المألوف في هذا السياق هو إثارة الصراع ما بين السلطتين السياسية والدينية، وهو ما بات اليوم بحكم المؤكد بعد إعلان ابن سلمان عن العودة إلى الوسطية واعتقال المئات من رجال الدين الذين تقول وكالة «رويترز» للأنباء إنهم تجاوزوا الألف منذ وصول ابن سلمان إلى ولاية العهد في 21 حزيران الماضي، وهذا معناه أن الأخير يعلن الطلاق البائن ما بين تينك السلطتين، وبمعنى آخر فك التحالف الذي مضى على قيامه ثلاثة قرون، أي منذ قيام تحالف محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب إبان قيام الدولة السعودية الأولى العام 1744م.
مكمن الخطورة في هذا المسار هو أنه أشبه بملامسة الجمر، ومهما تكن تلك الشعارات المستخدمة لخوض هذه المعركة، فهي لن تخفف من مفاعيلها أو أخطارها التي ستطفو سريعا على السطح، فأفضل الشعارات والأهداف التي يمكن استخدامها لخوض معارك التغيير مثل الإصلاح ومحاربة الفساد والانفتاح، هي كلها يمكن أن تتحول نفسها إلى عوامل تفكك للمجتمع إذا لم يمتلك القائم بالفعل المنظور السديد والرؤية الصحيحة، ناهيك عن أن الأمر يعتبر بالنسبة للأغلبية السعودية وكأنه مساس بالمقدسات المذهبية التي تستمد مشروعيتها من النص الديني المقدس وما يتم استحضاره لمواجهتها من القيم والأفكار والآراء هي أسلحة بشرية ولا يمكن بأي حال من الأحوال هضم تلك الحالة بالنسبة للأغلبية الساحقة المحافظة.
سقطت الغلاسنوست والبريسترويكا السوفييتين بدواع عديدة شرحتها مئات الكتب وآلاف المقالات والبرامج، إلا أن العامل الحاسم في نجاحها، أو فشلها، كان يكمن في أن التوازن القائم لدى طرحها، أي العام1985، لم يكن يميل لمصلحة السلطة والنظام السوفيتيين في مواجهة الشارع والمعارضة، ولكن اليوم هل يرى ابن سلمان أن التوازن القائم حالياً ما بين نظامه ومعارضيه يميل إلى مصلحته؟!